اليوم ابتلع ترامب غضبه من نتنياهو الذى لم ينفذ تعليماته وبادر باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت فى غارات جوية عليها، وخرج على العالم كله -وليس على الأمريكيين فقط- ليشيد بعلاقته بنتنياهو، ويقول: «رغم وجود بعض الخلافات كنا -أنا وهو- رفيقين عظيمين!.. ولم يبدُ على الرئيس الأمريكى أى انزعاج، لأن نتنياهو لم ينفذ تعليماته بعدم قصف الضاحية الجنوبية لبيروت، وتحداه بهذه الصورة التى تؤكد استنتاجات البعض داخل وخارج أمريكا بأن رئيس وزراء إسرائيل يوجه ويقود ويحرك رئيس الدولة العظمى فى العالم كما تتباهى بنفسها.. بل إن ترامب ذهب إلى أبعد من ذلك كثيرا حينما، لم يستنكر ما فعلته إسرائيل من العودة إلى قصف الضاحية الجنوبية، بل إنه فاجأ الجميع بالقول إنه يريد أن يرى ضربات أكثر دقة تستهدف حزب الله، وأمريكا يمكن أن تساعد إسرائيل فى ذلك، ويمكنها أيضا أن تجعل سوريا تساعد أيضا.
وحدث ذلك رغم أن إيران ردت على الغارات الإسرائيلية التى استهدفت الضاحية الجنوبية بقصف إسرائيل بالصواريخ، وقالت إنها سوف تستمر فى ذلك إذا استمرت إسرائيل فى قصف بيروت وضاحيتها الجنوبية، فى إطار وحدة الميادين والجبهات التى تتمسك بها إيران وقيادتها الجديدة، التى تغزل فيها ترامب، وعلى رأسها المرشد الجديد مجبتى خامئنى الذى يراه ترامب أذكى من والده، رغم أنه مصاب جدا، لذلك لا يستبعد أن يلتقى به إذا تم التوصل إلى اتفاق سياسى مع إيران.
فماذا حدث فى غضون أسبوع واحد تحول فيه ترامب على هذا النحو المثير للدهشة والتعجب.. من غضب عارم لم يستطِع ترامب أن يكتمه أو يحتفظ به داخل صدره لإصرار نتنياهو على قصف بيروت وضاحيتها الجنوبية إلى القبول برفض نتنياهو تنفيذ تعليماته وأوامره الخاصة بعدم قصف بيروت وضاحيتها الجنوبية، أو من انزعاج أن ينسف نتنياهو اتفاقًا رآه ترامب قريبًا مع إيران ينهى الحرب والصراع مع إيران إلى هدوء وراحة بعد كسر رئيس وزراء إسرائيل تعليماته وأوامره والقيام بقصف بيروت وضاحيتها الجنوبية، رغم أن إيران وإسرائيل تبادلتا القصف لأول مرة منذ وقف إطلاق النار، ورغم أن أمريكا تتعجل الاتفاق مع إيران وتتمناه قبل بدء فعاليات كأس العالم لكرة القدم.
وبالطبع لا يمكن تفسير ذلك بأن ترامب متقلب؛ فهو اليوم بحال وغدا بحال أخرى، بل هو صباحا فى حالة مزاجية ومساء فى حالة مزاجية أخرى مختلفة ومتناقضة.. ترامب يبدو لنا متقلبا ومتناقضا ومتضاربا، لكنه يُظهر لنا بهذه الصورة عن عمد.. هو يتعمد أن يبدو لنا متقلبا ولا يثبت على رأى أو موقف، لتضليلنا من جانب فى معركته السياسية مع إيران لدفعها لتوقيع اتفاق إنهاء الحرب معها، أو لتحقيق أهداف صغيرة مباشرة مثل توجيه أسواق المال ووقايتها من الانهيار الذى ستكون له تداعياته على الاقتصاد العالمى كله وليس على الاقتصاد الأمريكى وحده، ومثل السيطرة على سعر النفط وحمايته من ارتفاع منفلت يضرّ بأمريكا قبل الدول المستهلكة له.
غير أننا يمكننا تفسير التحول الذى حدث لترامب تجاه نتنياهو من إعلان إهانته له إلى الإشادة بعلاقتهما معا وبرفقتهما معا فى حرب إيران، بما يحدث من تطورات فى المباحثات الجارية الآن فى المفاوضات غير المباشرة مع إيران بوساطة باكستان.. فإن إيران ما برحت حتى الآن رافضة الاستجابة لبعض الطلبات الأمريكية مثل الطلبات الخاصة بكمية اليورانيوم عالية التخصيب وقواعد فتح مضيق هرمز والمرور الحر فيها دون فرض إيران رسومًا على السفن وناقلات النفط التى تعبره، فضلاً عن الخلاف الذى تحاول باكستان أن تجد له حلاً حول الأموال المجمدة لإيران فى أمريكا لإصرار إيران على الإفراج عنها فور توقيع الاتفاق السياسى مع أمريكا وعدم ربط ذلك ورهنه بسلوك إيران مستقبلا، كما ترى واشنطن ذلك وأعلنته مؤخرا على لسان رئيسها ترامب.
خلاصة القول أن ما فعلته إسرائيل من قصف للضاحية الجنوبية لبيروت تم بموافقة أمريكا وترامب شخصيا، وليس رغما عنه أو تحديا من نتنياهو لترامب، لأن ترامب رآه مفيدا للضغط الآن على إيران لتقبل بتقديم التنازلات المطلوبة، حتى يتم توقيع الاتفاق السياسى لإنهاء الحرب قريبا، ولا يتأخر كثيرا.