تؤكد الهيئة العامة للرقابة المالية دائما أن اهتمامها لا يقتصر فقط على الجانب المالى والاقتصادى، إنما تسعى إلى تهيئة بيئة تنظيمية أكثر مرونة تدعم نمو الشركات وتطوير أعمالها، مع الحفاظ على التزامها بتعزيز ممارسات الإفصاح البيئى والاستدامة بما يتماشى مع المتغيرات الاقتصادية والتنظيمية، وظهر ذلك واضحًا بقرار طلب تقديم كل شركة لشهادات خفض الانبعاثات الكربونية والتى تمثل إجمالى الانبعاثات الناتجة عن الأنشطة المختلفة للشركة، سواء بشكل مباشر أم غير مباشر، وتُقاس بوحدات مكافئ ثانى أكسيد الكربون بهدف التعرف على حجم التأثير البيئى للأنشطة الاقتصادية ووضع خطط واضحة لخفض الانبعاثات وتحسين كفاءة استخدام الطاقة والموارد.
المستهدف من تطبيق تقارير «البصمة الكربونية» لا يقتصر فقط على الجانب البيئى، لكنه يمتد إلى تعزيز الشفافية والحوكمة وتحسين قدرة الشركات على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، خاصة فى ظل التوجه العالمى المتزايد نحو التمويل المستدام والتمويل الأخضر، وربط قرارات الاستثمار بالمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمية.
ومؤخرًا، أعلنت الرقابة المالية مدّ مهلة إلزام الشركات بتقديم تقارير البصمة الكربونية لنهاية العام، وذلك بعد حوار مجتمعى أجرته الهيئة مع مختلف الأطراف المعنية، ويعكس هذا القرار إدراك الهيئة للتحديات الواقعية التى تواجه الشركات خلال المرحلة الانتقالية، خاصة أن قياس البصمة الكربونية يتطلب خبرات فنية متخصصة وأنظمة متابعة دقيقة وقواعد بيانات متكاملة، إلى جانب الحاجة إلى تدريب الكوادر البشرية وتأهيلها للتعامل مع متطلبات الإفصاح البيئى الحديثة.
وأوضحت الهيئة أن عددًا كبيرًا من الشركات المصرية بدأ بالفعل فى اتخاذ خطوات إيجابية نحو تطبيق معايير الاستدامة، إلا أن مستوى التطبيق لا يزال متفاوتًا من شركة إلى أخرى، وهو أمر طبيعى فى الأسواق الناشئة التى ما زالت تمر بمرحلة تطوير البنية المؤسسية الخاصة بالإفصاح البيئى مقارنة بالأسواق الخارجية الأوروبية أو الأمريكية التى تمتلك خبرات تراكمية تمتد سنوات طويلة فى هذا المجال.
كذلك، أكدت الهيئة أن القرار يحمل رسالة مهمة للمستثمرين، مفادها أن السوق المصرى يسير بخطوات ثابتة نحو تبنى أفضل الممارسات الدولية فى مجالات الاستدامة والحوكمة البيئية، مع مراعاة خصوصية السوق المحلى وقدرات الشركات المختلفة، وهو ما يعزز من جاذبية القطاع المالى غير المصرفى أمام المؤسسات الاستثمارية العالمية التى أصبحت تضع معايير الاستدامة ضمن أولوياتها الرئيسية.
ذلك بعد نجاح الهيئة من خلال هذا القرار فى تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على مسار التحول نحو الاقتصاد الأخضر، وبين منح الشركات الوقت الكافى للتأقلم مع المتطلبات الجديدة، بما يضمن استدامة النمو الاقتصادى وعدم الإضرار بقدرة المؤسسات على التوسع والاستثمار.