مع هذه التطورات ذهب اتفاق واشنطن بين ولبنان وإسرائيل أدراج الرياح، حيث كانت إسرائيل ترغب من خلاله فى إرساء قاعدة أنها تستطيع أن تضرب فى الجنوب، وفى الضاحية فى بيروت، بينما على حزب الله أن يوقف إطلاق النار كليًا، ولكن ردّ إيران جاء لإرساء قاعدة إذا استهدفت إسرائيل الضاحية فى بيروت سيتم استهداف شمال إسرائيل، وأن لبنان على مائدة التفاوض بين إيران وأمريكا فى مسار واحد.
خلال أقل من أربعة أيام على اتفاق واشنطن بين لبنان وإسرائيل التى لم يصدق مجلسها الوزارى المصغر على الاتفاق لعدم عرض نتنياهو له، لاعتباره كأن لم يكن بسبب رفض حزب الله له، صعدت إسرائيل من هجماتها على الجنوب اللبنانى فى النبطية وصور، وطالبت أهالى مناطق فى صور بالنزوح من بيوتهم ومناطقهم، بل واستهدفت آلية عسكرية تابعة للجيش اللبنانى فى النبطية وقتلت ثلاثة: ضابطان برتبتى عميد ونقيب ومجند، وقبل أن توارى أجسادهم فى التراب كان الجيش الإسرائيلى يوجه ضربة للضاحية الجنوبية فى بيروت، محدثًا جلبة سياسية كبيرة، خاصة أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب كان قد أكد قبل أيام عدول نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل عن ما أعلنه من نية لضرب الضاحية؛ تلبية لأمره، حيث أخذ ترامب بجدية تصريح وزير خارجية إيران، عباس عراقجى، الذى أكد أن إيران ستضرب الشمال الإسرائيلى إذا ما أقدمت إسرائيل على ضرب بيروت، الجولة الرابعة من المفاوضات المباشرة التى جرت بين وفدَى لبنان وإسرائيل مع مشاركة أمريكية، فى مقر وزارة الخارجية الأمريكية بواشنطن واستمرت يومين، وما صدر عنها من بيان لوقف إطلاق النار، مجرد كلام فى الهواء، بل على العكس على مستوى العمليات العسكرية زادت إسرائيل من ضرباتها للجنوب اللبنانى، تدمر وتقتل وتطلب من أهالى بعض القرى والمناطق فى الجنوب بالرحيل القسرى من بيوتهم وقراهم، وصولا إلى ضرب الضاحية الجنوبية فى بيروت يوم الأحد الماضى، ما استدعى رد إيران بإطلاق الصواريخ على حيفا شمال إسرائيل فى ذات اليوم.
اتفاق وقف إطلاق النار بلا اتفاق، كل ما نتج عنه مزيد من النيران العسكرية والسياسية، على المستوى العسكرى كما سبق وذكرنا تصعيد العمليات العسكرية الإسرائيلية فى الجنوب اللبنانى، وصولًا إلى ضرب الضاحية الجنوبية فى بيروت، وادعاء إسرائيل بأنهم فعلوها ردًا على إطلاق حزب الله صواريخ على شمالها، ما تبعه الرد الإيرانى فى إطار ترسيخها لقواعد المواجهة الجديدة، الضاحية الجنوبية فى بيروت مقابل شمال إسرائيل، وأحدثت إتلافًا فى بعض المناطق فى الضفة الغربية.
رئيس البرلمان الإيرانى، محمد باقر قاليباف، هاجم إعطاء واشنطن الضوء الأخضر لإسرائيل وانتهاك اتفاقات وقف إطلاق النار بلبنان، قائلًا إنهم لا يفهمون سوى لغة القوة.
الرئيس الأمريكى ترامب قال إنه لم يكن سعيدًا بضرب الضاحية، وأشار موقع «إكس يوس» إلى أن واشنطن لم يكن لها دور فى تلك الضربة، وقال ترامب لـ«فوكس نيوز»: كل من إسرائيل وإيران نالت نصيبها من الضربات، والمنطقة ليست بحاجة للضربات، وأضاف: «الاتفاق قد يكون جيدًا ولا أريد أن ينهار»، ونشرت بعض وسائل الإعلام اتصالاً هاتفيًا بين ترامب ونتنياهو طالبه بتأجيل الردّ بضعة أيام؛ ربما يمكن التوصل إلى اتفاق جيد مع إيران، أما نتنياهو فلم يكن يرغب فى ذلك، حيث قال ترامب فى حديث لصحيفة «فايننشال تايمز»: إنه هو مَن يتخذ جميع القرارات، وليس نتنياهو.
لكن إسرائيل قامت فجر الاثنين بتوجيه ضربة إلى طهران وتبريز وأصفهان وغيرها، وأعلنت القناة 12 الإسرائيلية إن مبانى عديدة تضررت، ومنها مصنع للبتروكيماويات.. ثم قامت إيران بالردّ بضربات موسعة بعد فترة وجيزة صباح يوم الاثنين نفسه، وأطلقت صواريخ على مناطق متعددة منها فى مستوطنات فى الشمال وأخرى بالقرب من القدس، واستهدفت بئر السبع ومنطقة ديمونة فى الجنوب الإسرائيلى.
فالأمور تصاعدت بين ردّ وردّ متبادل، وإن كان من غير المصدق أن نتنياهو خالف رغبة ترامب، وأن هذا الرد تم بالتوافق معه، ولكن مع الحرص على عدم الإعلان وعدم المشاركة، خاصة أن ترامب أعلن إنجاز ثلاثة أرباع الاتفاق المزمع عقده مع إيران، وربما أراد ترامب الضغط عسكريًا من خلال إسرائيل على إيران، لتقبل التنازل حول بنود ترفضها فى مذكرة الاتفاق.
على المستوى السياسى، نستطيع أن نقول بكل أريحية إن هذا الاتفاق لم يعُد على الداخل اللبنانى إلا بمزيد من الانقسام، حيث وجد الاتفاق الذى صاغته الدولة اللبنانية، متمثلة فى رئاسة الجمهورية والحكومة، رفضًا من حزب الله وحلفائه، ووصف أمينه العام، نعيم قاسم، مفاوضات واشنطن، بالعبثية والمخزية والمذلة، وسبقه لإعلانه الرفض الحرس الثورى الإيرانى فى بيان صدر كأول ردّ فعل سريع وحاسم. وقال إسماعيل قاآنى، رئيس فيلق القدس: إن المطلب الأساسى، الذى لم يرد فى الاتفاق هو الانسحاب الإسرائيلى من الجنوب اللبنانى والعودة إلى الوضع ما قبل 28 فبراير الماضى قبل الحرب مع إيران.
فاتفاق وقف إطلاق النار الأخير الأربعاء الماضى الذى أعلنته واشنطن، هو اتفاق يهدف إلى التمهيد لمفاوضات أوسع نحو تسوية شاملة بدلاً من اتفاق أبريل الماضى.
وبينما يعتبر كثير من اللبنانيين أن رئيس البرلمان نبيه برى زعيم حزب أمل أحد الثنائى الشيعى مع حزب الله، رمانة الميزان بين الفرقاء والذى يستطيع أن يتحاور مع الطرفين، ولكنه اضطر مع الاتفاق الذى يقول عنه البعض إنه كُتب فى إسرائيل، وتم توقيعه فى واشنطن، بما يعنى أنه يراعى مصالح إسرائيل على حساب مصالح لبنان، أن ينحاز لموقف حليفه حزب الله حيث وصف الاتفاق بالهجين والمفخخ، وقال إن اتفاق وقف إطلاق النار يجب أن يكون شاملا برا وبحرا وجوا ومن كل الأطراف، وقبل خروج حزب الله من شمال نهر الليطانى متزامنًا مع خروج إسرائيل من المناطق التى احتلتها وعودة سكان الجنوب.
فالاتفاق لم يتجاوز كونه مجرد حبر على ورق، هو اتفاق بلا اتفاق، والأحداث تجاوزته بالتصعيد الإسرائيلى بالعدوان على الضاحية الجنوبية فى بيروت، وقيام إيران بالردّ عليها بالصواريخ التى طالت شمال إسرائيل، ثم ردّ إسرائيل بضرب عدة مناطق فى إيران، ثم ردّ إيران مرة أخرى بضرب مناطق عديدة داخل إسرائيل، ودخلت حركة الحوثيين فى اليمن بإطلاق صواريخ ضدّ إسرائيل دعمًا لإيران، ولا أحد يستطيع أن يتوقع ماذا سيحدث خلال الساعات القادمة.