لاحظت أنه لم يتلعثم فى طرح وجهة نظره، هو حفيد الفلاح المصرى القديم، فى فصاحته وشكواه من معاناة الإنسان المصرى البسيط، فابن الدقهلية المولود فى شهر مارس عام 1939، كافح كى يحصل على دراسته العليا فى مجال الزراعة، الفلاح المرتبط بالأرض وقضايا الوطن الممتد من المحيط إلى المحيط.
ألفت مشاركته الفعالة فى مؤتمرات واحتفاليات الهيئة العامة لقصور الثقافة، لاقترابه من ثقافة الطفل وأدبه، طلبت منه أن يكتب لسلسلة كتاب قطر الندى، يتابع كل شىء الرسام، المطبعة فرز الألوان الغلاف، عرفته «موسوسا» بشأن إبداعه فله ما أراد.
أحب سمير عبد الباقى التراث، وهذا يدل على ثراء إبداعه وتنوعه، يراه البعض كاتب دراما الطفل والشاعر الدرامى وكاتب مسرح العرائس مع زوجته الفنانة الراحلة مهندسة الديكور ومصممة العرائس، نجلاء رأفت.
عرفت أنه اعتقل غير مرة، زاد إيمانه بالوطن وبحق الإنسان المصرى أن يحيا بكرامة، وهو أيضا حفيد الفلاح الفصيح، وكان غزير الإنتاج رغم أنك قد تراه يجلس وسط الشعراء والأصدقاء، فإذا شددت الرحال إلى وسط البلد يوم الثلاثاء تجده فى الأتيليه، يوزع على أصدقائه مطبوعته «شمروخ الأراجوز».
فى أحد الأيام مررت على القسم الثالث من قصر ثقافة الطفل بجاردن سيتى، وهو مخصص للمسرح وورش المسرح، ثمة كنز «مهمل»، عبارة عن مجموعة كبيرة من العرائس وملابس مسرحية، وكان المسرح برئاسة الفنانة الراحلة ناهد الرشيدى، كم أحبت هذه السيدة الأطفال رواد القصر، أنفقت من مالها الخاص لتسعدهم.. سألتها فقالت نجلاء رأفت هى صانعة العرائس، قالت طب ماذا نفعل؟
نتصل بالأستاذ سمير عبدالباقى، واتصلت به وجاء للقصر، واقترح ابنه المهندس والمخرج السينمائى أشرف العائد من روسيا، فدرب أشرف مجموعة من الموظفات لترميم العرائس، تحت إشراف ناهد الرشيدى، هذا أعده إنجازا، للاستعانة به فى أعمال أخرى.
كان الابن نسخة من والده، نبرات الصوت، تكوينه الجسدى إلا أنه أزيد وزنا، وأكثر تباسطا، يعرف غالبية الموظفات، أشيع جو من تقبل فكرة التدريب وأنجزت المهمة.
أرى فى سمير عبدالباقى ناقدا واعيا لا يجامل، قد يفقد بعض الأصدقاء، ولكن ماذا تفعل مع منْ فقد بعضا من سنوات عمره!
قدم الشاعر مسرحيات للأطفال واليافعين، دراما تلفزيونية، لكنه ارتبط بشدة بمسرح العرائس، ومن حسن الحظ أن قدم مسرح ثقافة الطفل أيام إدارة الكاتبة فاطمة المعدول مسرحية «مملكة القرود»، سألت عن تسجيلات المسرحية، حفظ التسجيل أصوات كل من أمين الهنيدى، وهادى الجيار، وأعتقد سمية الألفى.
سألت نفسى لماذا لا نعيد هذه المسرحيات، سوف نوفر أجر ممثلين رحلوا عن دنيانا، أما الأغنيات فيقدمها كورال الطفل الخاص بالقصر، عرضت الفكرة على شاعرنا سمير عبدالباقى، صمم ديكوراً واستخدمت أجهزة جديدة للإضاءة والصوت، يوميا يأتى سمير عبدالباقى يحضر البروفات، وجدتها فرصة أن يقدم ندوة عن شعر العامية ورواده، ويستمع إلى أولادنا ليكتشف المواهب التى كان يدربها الشاعر محمود سيف.
ويوم العرض حضر رئيس الهيئة ومجموعة كبيرة من الإعلاميين والصحفيين، ونجحت المسرحية، فى اليوم التالى عاتبنى سمير عبدالباقى قائلاً: لماذا لم يحضر الوزير العرض؟.
أرسلنا عن طريق مكتب رئيس الهيئة دعوة، لا يمكننى تخطى رئيس الهيئة.. أعتقد أنه اقتنع.
كتب العديد من المقالات وأصحاب الرأى عن المسرحية، حتى أنها ذكرت فى أدبيات الثورة إنها تنبأت بقيام الثورة.
وأنا أعتبر سمير عبدالباقى من أهم العناصر التى استعنت بها لإنجاز أنشطة القصر، لم يرفض أبدا، أو يتعلل بأنه مشغول، كما يفعل بعض الأدباء أو الفنانين التشكيليين، أذكر أيضا المخرج الكبير توفيق صالح، والشاعر الكبير حسن طلب، والموسيقار هانى شنودة، محمد كشيك، الشاعر الفلسطينى الكبير هارون هاشم رشيد، وغيرهم.
قرار تعيينى مديرا لقصر ثقافة الطفل رافقه قرار ثانٍ، بإسناد إدارة مشروع الأتوبيس الجميل، كانت صديقاتى من خارج الوسط يتندرن، «يعنى إيه مديرة أتوبيس الفن الجميل، احنا نعرف أن الأتوبيس يسوقه سائق ومعه كمسرى».
عانيت من مشكلات لا مجال لذكرها، لكنى وضعت خطة للمشروع وافق عليها رئيس الهيئة وبدأنا التنفيذ، كانت الرحلات تضم فنانين تشكيليين وكتابا وسياسيين، وشعراء، وإعلاميين فى مجال ثقافة الطفل.
بدأت بالشاعر الكبير سمير عبدالباقى، لسوء الحظ أنى مرضت بنزلة شعبية، فأنابت عنى زميلة أخرى، كنت أتابع مع الزميلة سير الرحلة تقول كله تمام.
لم أنم إلا بعد الاطمئنان أن الآباء وصلوا، وذهب كل طفل / طفلة لبيته.
وبعد يوم واحد طلبنى رئيس الهيئة لاجتماع اللجنة الاستشارية للأتوبيس الجميل، جو غريب، لا ينبئ بالخير، تحدث الجميع عن الأهمية القومية لمشروع أتوبيس الفن الجميل، ولابد من تطويره، كان ضمن الحضور أستاذنا سمير عبدالباقى.
سردت ما حدث فى الرحلة، يبدو أن رئيس الهيئة يعلم، فطلبت منه إعفائى من الإشراف على الأتوبيس.
فى اليوم الثالث صدر قرار للزميلة التى أنابت عنى فى مرضى، لا بأس، أنا حقيقة لا أحب وجع القلب، ظلت علاقتى جيدة جدا بالأستاذ سمير عبدالباقى عندما عملت مديرا عاما لإدارة المواهب، ثم الإدارة العامة لثقافة الطفل.
آخر مرة رأيته أثناء انتخابات الأتيلية، وعندما علمنا بوفاة ابنه الوحيد قدمنا واجب العزاء، كان الصوت منكسرا، لم يمت سمير عبدالباقى منذ أيام بل مات يوم وفاة ابنه أشرف.. رحمهما الله.