وحاول أن تراجع معى: الموسيقار محمد عبدالوهاب كمطرب وليس كملحن احترف الغناء فعليا من سنة 1920 تقريبا حتى اعتزاله الغناء العام سنة 1954 (نحو 34 سنة) وما بعد 1954 كان مجرد ظهور غنائى عابر لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة وفى ظرف فنى وتجارى معين على غرار ما حدث فى أغنية «من غير ليه»، التى تحولت من مجرد بروفة فى حضور مطربها الأصلى عبدالحليم حافظ إلى أغنية بصوته فى الأسواق بعد أكثر من عشر سنوات على تلك البروفة.
وعبدالحليم حافظ نفسه كانت سنوات غنائه منذ اعتماده مطربا بالإذاعة المصرية سنة 1951 وحتى رحيله عام 1977 ستا وعشرين سنة، وفريد الأطرش من سنة 1934 وقت اعتماده فى الإذاعة وحتى رحيله عام 1974 (أربعين عاما) ومحمد فوزى منذ إذاعة أول أغنية له سنة 1938 وحتى وفاته سنة 1966 (ثمانية وعشرين عاما)، ولم يختلف الأمر كثيرا لدى المطربين الشعبيين محمد عبد المطلب وعبد العزيز محمود وكارم محمود وعبد الغنى السيد، فأعمارهم الفنية تدور تقريبا حول هذه الأرقام.
أما هانى شاكر فقد ظل يغنى منذ ظهوره عام 1972 وهو فى العشرين من عمره وحتى وفاته قبل أربعين يوما نحو أربعة وخمسين عاما، ليس هذا فحسب، وإنما بقى على مدار هذه المدة الطويلة محافظا على نجاحه اللافت وعلى حضوره الجماهيرى، بل واجتذاب مستمعين جدد رغم زحمة الأصوات التى أتت بعده، ومثلت جيل الشباب، وذلك معناه أن هذا المطرب الذى بزغ نجمه وسط جيل العمالقة فريد وعبدالحليم وأم كلثوم استطاع أن يحافظ على نجاحه وسط جيل الشباب، ولذلك كان يطربه كثيرا وصفه بأنه آخر جيل العمالقة وأول جيل الشباب.
ووسط حالة الاهتمام بحدث وفاة هانى شاكر طوال الأيام الأربعين الماضية تبارى عشاقه فى التنقيب عن كل ما يخصه من تسجيلات قديمة ليس فقط كأغنيات، وإنما أيضا كحوارات سواء كان هو طرفا حاضرا فيها أو طرفا غائبا عنها، ولكن أتى الحديث على ذكره فيها، ومن هذه الحوارات جزء من برنامج «أوتوجراف» الذى كان يقدمه الإعلامى الراحل طارق حبيب فى سبعينيات القرن الماضى، ففى معرض سؤال طارق حبيب عن تقييم العندليب لأصوات مجموعة من الأسماء الموجودة على الساحة أتى على ذكر اسم هانى شاكر، فكان جواب عبدالحليم متحفظا للغاية كما لو كان يبحث عن مفرداته، وهذا ما قاله بالنص:
«هانى شاكر صوته كويس، يعنى هو ما تقدرش تقول ... يعنى هو له مستوى ما اعتقدش إن هو ح يستطيع يتخطاه، ما فيش حد يقدر يتخطى مستواه فى الصوت أو فى الفن، لكن هو صوته كويس، مجتهد، أنا ما أعرفوش بصفة شخصية لكن ما يتهيأليش أنه طموح مش عارف ليه.»
انتهى كلام عبدالحليم، وطبعا يستطيع أى قارئ العودة إلى هذا الجزء من أوتوجراف عبر يوتيوب، ودعونى أقل لكم بكل صراحة إن نبرة عبدالحليم ومفرداته لم تكن مريحة لى، بل لم تكن تشير إلى حالة ارتياح من جانب عبدالحليم تجاه الصوت الشاب - قى حينه – هانى شاكر حتى وهو يقول على مضض إن صوته كويس بحسب تعبير عبدالحليم، ثم عن أى عدم طموح كان يتحدث العندليب؟! وكم كنت أود لو امتد به العمر أربعة وخمسين عاما من النجاح الدائم لهانى شاكر كى أسأله من جديد عن طموح هانى شاكر، أتراه كان سيظل على رأيه؟ لكن القدر كان رحيما بعبدالحليم لأنه مات قبل أن تثبت الأيام عدم صحة وجهة نظره فى هانى شاكر، أو ربما كان عبدالحليم يهدف إلى شىء آخر من وراء تصريحه هذا على خلفية ما أثير حول توجسه من هذا الصوت الجديد الذى أطلقه الموسيقار محمد الموجى فى واحدة من نوبات القطيعة المتعددة بينه وبين عبدالحليم.
أما هانى شاكر نفسه – وأشهد باعتبارى أنى كنت قريبا منه – أنه لم يتلفظ يوما سواء تصريحا أو تلميحا فى الجلسات الخاصة أو اللقاءات العامة بما يمس عبدالحليم حافظ، بل أنه كان يعترف دائما بأنه تربى على صوته وعلى أغنياته، وأن سعادته كانت لا توصف وهو يقف خلفه كطفل كورال فى احتفالات أعياد الثورة فى الستينيات، وكثيرا ما كان يحكى عن حضور عبدالحليم فى أحد الأماكن التى كان يغنى فيها كى يستمع إلى هذا المطرب الشاب، ليس هذا فقط بل إن هانى شاكر وبعد أن أصبح النجم الأشهر فى عالم الغناء وله مئات الأغنيات التى تخصه، لم يكن يجد أية غضاضة أو حساسية فى أن يستعيد فى حفلاته العامة بعض أغنيات العندليب، فكان بلا منازع أفضل من غنى لعبدالحليم من بين كل الأصوات التى فعلت مثله.
رحم الله المطربين الكبيرين، وغفر لهما، وتجاوز عن سيئاتهما، كل بحسب ما قدمت يداه أو استقر فى نواياه.