ما بدأ كقلق موسمى فى المناطق الريفية من المخروط الجنوبى لأمريكا الجنوبية، تحوّل إلى حالة تأهب صحى دولية بعد اكتشاف تفشٍّ على متن سفينة الرحلات الاستكشافية الفاخرة «إم فى هونديوس»، وهى الرحلة، التى بدأت بشكل طبيعى، سرعان ما أصبحت محور اهتمام إعلامى واسع بعد رصد إصابات بفيروس «هانتا»، ومع تزايد عدد الحالات المشتبه بها، بدأت السلطات الصحية حول العالم متابعة الوضع عن كثب؛ خشية تحوّل الحادثة إلى بؤرة تفشٍّ أوسع.
أصبحت السفينة الهولندية، التى انطلقت من أوشوايا بالأرجنتين فى مارس، فى رحلة إلى القطب الجنوبى، رمزًا للمخاطر المرتبطة بسلالة الأنديز، وهى السلالة الوحيدة المعروفة من فيروس هانتا التى تنتقل بين البشر، وعادة ما يقتصر هذا الانتقال على الأشخاص الذين كانوا على اتصال مباشر بالمصاب، وتحدث العدوى عن طريق ملامسة القوارض، مثل الفئران، وخاصة عند التعرض لبولها أو برازها أو لعابها، كما يمكن أن ينتقل الفيروس، فى حالات نادرة، عن طريق عضة أو خدش من قارض، ويتركّز انتشار هذه السلالة بشكل رئيسى فى الأرجنتين وتشيلى.
وتؤدى العدوى لدى البشر إلى أمراض خطيرة قد تكون مميتة، على الرغم من اختلاف الأعراض باختلاف نوع الفيروس والموقع الجغرافى، ففى الأمريكتين، من المعروف أن العدوى تؤدى إلى متلازمة هانتا القلبية الرئوية (HCPS)، وهى حالة سريعة التطور تصيب الرئتين والقلب، بينما تسبب فيروسات هانتا فى أوروبا وآسيا الحمى النزفية المصحوبة بمتلازمة كلوية (HFRS)، التى تؤثر بشكل أساسى على الكلى والأوعية الدموية، وقد بدأت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها فى الولايات المتحدة تتبّع الفيروس بعد تفشيه عام 1993 فى منطقة الزوايا الأربع، وهى المنطقة التى تلتقى فيها ولايات أريزونا وكولورادو ونيو مكسيكو ويوتا.
وصرّح المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم جيبريسوس، بأنه «تم تسجيل خمس حالات إصابة مؤكدة بفيروس هانتا، وثلاث حالات مشتبه بها مرتبطة بالرحلة البحرية»، وأفادت صحيفة «إل باييس» الإسبانية بوفاة ثلاثة من الركاب المصابين، بينما لا يزال أحدهم فى العناية المركزة فى جوهانسبرج بجنوب إفريقيا، وآخر يرقد فى مستشفى بسويسرا.
وفى الوقت نفسه، تتسابق السلطات الصحية فى عدة دول لتتبّع عشرات الأشخاص الذين غادروا السفينة قبل اكتشاف التفشى، إضافة إلى كل مَن خالطهم عن قرب منذ ذلك الحين، فى محاولة لاحتواء أى انتشار محتمل للفيروس، ويعتقد المسئولون أن تفشى المرض ربما بدأ مع زوجين كانا يمارسان هواية مراقبة الطيور فى أمريكا الجنوبية، بما فى ذلك مناطق فى الأرجنتين يوجد فيها الجرذ الناقل لفيروس هانتا الأنديزى.
وتحقق السلطات الأرجنتينية حاليًا فيما إذا كانت العدوى قد انتقلت إلى الركاب قبل صعودهم إلى السفينة، بينما أكدت وزارة الصحة التشيلية أنه لا توجد حتى الآن أدلة تثبت مرور الحالات المصابة عبر أراضيها، وتتراوح فترة حضانة الفيروس بين أسبوع وثمانية أسابيع، ما يجعل من الصعب تحديد ما إذا كان الركاب قد أُصيبوا بالفيروس قبل مغادرة الأرجنتين، أو خلال توقف مجدول فى إحدى جزر جنوب المحيط الأطلسى النائية، أو على متن السفينة. وتشمل أعراضه عادة الحمى والصداع وآلام العضلات، إلى جانب أعراض هضمية، مثل ألم البطن والغثيان والقيء.
وتأتى هذه الأزمة الصحية فى وقت تشهد فيه الأرجنتين ارتفاعًا حادًا فى حالات الإصابة بالمرض؛ إذ أعلنت وزارة الصحة الأرجنتينية تسجيل 101 إصابة بفيروس هانتا منذ يونيو 2025، أى ما يقارب ضعف عدد الإصابات فى العام السابق، كما أفادت النشرة الوطنية لعلم الأوبئة بتسجيل 42 حالة إصابة مؤكدة هذا العام، وتشعر السلطات المحلية بقلق بالغ إزاء معدل الوفيات، الذى تراوح بين 31 و39 فى المائة فى عام 2026، وهو أعلى بكثير من المتوسط التاريخى البالغ نحو فى المائة.
وشهدت الأرجنتين فى السنوات الأخيرة جفافًا تاريخيًا، إلى جانب موجات من الأمطار الغزيرة غير المتوقعة، ضمن نمط أوسع من التقلبات الجوية التى يعزوها العلماء إلى تغير المناخ، ويقول الخبراء إن «بعض هذه التقلبات قد خلقت ظروفًا مواتية لانتشار فيروس هانتا؛ إذ تدفع فترات الجفاف الحيوانات إلى مغادرة مواطنها المعتادة بحثًا عن الغذاء والماء، بينما تؤدى الأمطار الغزيرة إلى نمو النباتات، ما يسهم فى نثر البذور التى تجذب القوارض المتغذية على الأوراق»، وقد رصدت السلطات انتشار الفيروس إلى مناطق أكثر كثافة سكانية.
وفى الفترة من نوفمبر 2018 إلى فبراير 2019، شهدت البلاد تفشيًا للفيروس أسفر عن 34 إصابة مؤكدة و11 حالة وفاة، ووفقًا لدراسة نُشرت عام 2020 فى مجلة «نيو إنجلاند» الطبية كان الانتشار فى الأرجنتين آنذاك مدفوعًا فى الغالب بثلاثة أشخاص مصابين حضروا مناسبات اجتماعية مزدحمة وهم يعانون من الأعراض، وسارع مسئولو الصحة الأرجنتينيون إلى اتخاذ إجراءات لاحتواء العدوى، شملت عزل المرضى وفرض الحجر الصحى على المخالطين، بل إن أحد القضاة الأرجنتينيين أصدر أمرًا بإلزام 85 من سكان بلدة نائية فى باتاغونيا بالبقاء فى منازلهم لمدة شهر، كما حُثّ السكان على ارتداء الكمامات للوقاية من انتشار الفيروس، وأدى هذا الجهد إلى انخفاض ملحوظ فى معدل انتشاره.
ومؤخرًا، اتخذ مسئولو الصحة فى عدة دول، مثل هولندا وإسبانيا، حيث سُجلت حالات مؤكدة ومشتبه بها، نهجًا مشابهًا لما اتُّبع فى الأرجنتين، فعزلوا المرضى فى مرافق طبية آمنة، مع العمل فى الوقت نفسه على تتبّع تحركاتهم، كما أعلنت الأرجنتين أنها سترسل عينات من الحمض النووى لفيروس الأنديز ومعدات فحص لمساعدة إسبانيا والسنغال وجنوب إفريقيا وهولندا والمملكة المتحدة فى الكشف عنه.
من جانبها، أعلنت السلطات الصحية فى تشيلى حالة الطوارئ؛ إذ سجلت البلاد 39 حالة إصابة مؤكدة بفيروس هانتا منذ بداية العام الجارى، بنسبة وفيات بلغت 33 فى المائة، وتتجاوز هذه الأرقام إجمالى الإصابات فى عام 2025، الذى شهد تسجيل 44 حالة إصابة وثمانى وفيات خلال العام بأكمله، ووفقًا لوزارة الصحة التشيلية، فإن معظم المصابين هم من الرجال العاملين فى الزراعة والغابات، وهو ما دفع السلطات إلى تكثيف إجراءات المتابعة والوقاية.