رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«الأيام» التى لا تبرد


14-5-2026 | 18:38

.

طباعة
بقلـم: محمد جادالله

أغمض عينيك لثوانٍ يا صديقى القارئ، ليس لتستريح، بل لتدخل معى فى ذلك المشهد السينمائى الذى بدأ قبل قرن ونصف القرن فى قرية هادئة من أقاصى الصعيد؛ تخيل صبيًا فى الرابعة، يلفه سكون مطبق لا يقطعه إلا صوت «العديد» الشجى المنبعث من البيوت الطينية، ورائحة البخور التى تعطر الأجواء الريفية الدافئة. هذا الصبى لم يكن يرى الوجوه، لكنه كان يمتلك حواسّ تلتقط دبيب النمل على الأرض، وآذنًا تعشق ترتيل القرآن فى «الكتّاب». لم تكن مأساته فى فقد البصر، بل فى ذلك الشوق العارم لمعرفة ما وراء الأفق؛ شوق قاده من «عتمة» القرية إلى «أنوار» السوربون، ليصدر فى عام 1926 كتابه الخالد «الأيام»؛ ليس كوثيقة إدانة، بل كصرخة ميلاد لإنسان عربى جديد قرر أن يطوع قدره بالقلم.

يا عزيزى، إن كتاب «الأيام» لم يكن يومًا مجرد مذكرات شخصية، بل كان «جلسات علاج نفسى» علنية، ومحاولة فكرية لإعادة قراءة بنية المجتمع المصرى بروح المحب الطامح للأفضل. حين اختار طه حسين أن يتحدث عن نفسه بضمير الغائب، مناديًا إياها بـ«صاحبنا»، لم يكن يمارس ترفًا لغويًا، بل كان يمارس ما يشبه «الانفصام السيكولوجى» العلاجى؛ حيث أراد أن يحلل تلك الطفولة القاسية ببرودة الباحث لا بانفعال المتألم، ليقتل «الذات القديمة» الضعيفة ويصنع منها مختبرًا اجتماعيًا، لقد كسر طه حسين «حاجز الخجل الاجتماعى» وتحدث عن الفقر والحرمان لا لاستجداء الشفقة، بل ليثبت أن «الأنا» العربية قادرة على الاعتراف بجروحها لكى تلتئم؛ وهذا تحديدًا ما جعل «الأيام» حجر الأساس فى بناء السيرة الذاتية الحديثة، حيث أصبح الكاتب هو المتهم والقاضى والشاهد على عصره فى آن واحد.

لعلك تدرك أن «صاحبنا» حين استعرض ذكريات «الكتّاب» أروقة «الأزهر»، لم يكن يفعل ذلك نكاية فى التراث، بل غيرة عليه وتطلع لتطويره؛ فقد صور الفقر فى تلك البيئة ليس كحاجة مادية فحسب، بل كفقر فى «الخيال والإمكانية». لقد رأى فى نظام التعليم وقتها بيئة تحتاج لضخ دماء المنهج الحديث لتواكب روح العصر، فكان نقده هو «نقد المحب» الذى يرفض التعليم بالتلقين ويدعو للتعليم بالتفكير. لقد أراد للأزهر أن يظل قبلة التنوير، لكن بعقل منفتح يجمع بين أصالة التراث ومعاصرة المنهج، وهو التحدى الذى لا نزال نعيشه ونناقشه حتى يومنا هذا فى مخرجاتنا التعليمية.

هل تأملت يومًا تلك «الموسيقى الداخلية» التى تتدفق من سطور «الأيام»؟، إن طه حسين، الذى فقد بصره، عوّضه الله بـ«بصيرة سمعية» فائقة، فابتكر ما يمكن تسميته بـ«التصوير السمعي»، حين تقرأ تكراره اللفظى الرنان مثل «ثم ذهب.. ثم ذهب»، ستشعر بوقع خطوات الصبى وهو يخطو نحو المجهول؛ فهذا التكرار هو إيقاع صوّت كُتب لـ«يُسمع» أكثر مما يُقرأ. لقد جعلنا نسمع صمت العتمة، ونشم رائحة القاهرة القديمة، ونتلمس جدران الأزهر العتيقة بوضوح يفوق ما يراه المبصرون، ليثبت أن الأدب الحقيقى هو ما يُكتب بالبصيرة قبل البصر.

تأمل معى هذا السر الكامن فى كواليس النشر؛ فكتاب «الأيام» لم يُكتب كدفعة واحدة، بل بدأ كمقالات دورية فى «مجلة الهلال» حين كان طه حسين يمر بأزمة مالية وضغط مهني، واللافت أن الجمهور وقتها لم يستقبلها بالترحاب دائمًا، بل قرأها البعض كـ«فضيحة»؛ كيف لعميد أن يكشف تفاصيل طفولته المنسية؟ لكن الإصرار على النشر جعل طه حسين يواجه أشباحه بالقلم، لتتحول كل حلقة إلى «جلسة علاج نفسي» يتصالح فيها مع «الناجي» داخله؛ ذلك الذى نجا من الجهل بينما غرق فيه أقرانه. وهنا أذكرك بقوله النادر: «إن الحق لا يُعرف بالرجال، ولكن الرجال هم الذين يُعرفون بالحق»، لقد كان «الأيام» هو الجسر الحضارى الذى عرف الغرب من خلاله أن إنسان النيل ليس مجرد أثر صامت، بل هو كائن مشتبك مع قدره، يثور ويصعد لينافس المبصرين فى عقر دارهم.

واليوم، ونحن نحتفى بمئوية هذا الأثر الزلزالي، لماذا لا يزال طه حسين يسكن وجداننا؟ لأننا نكتشف، يا صديقى القارئ، أننا فى عصر «الزيف الرقمي» نعيش نوعًا آخر من العمى هو «عمى الهوية». المراهق المعاصر الذى يغرق فى «وهم الكمال» على شاشات هاتفه، يجد فى قصة «الطفل الذى غلب الظلام» رسالة بقاء أبدية: «لا تركن لما يُفرض عليك من أحكام مسبقة، فالعقل الحر أقوى من كل القيود». إن «الأيام» اليوم هى الوثيقة الإنسانية الأصدق التى تقول لنا إن صراع الإنسان مع القدر لا ينتهي، وأن الضعف هو نقطة الانطلاق الكبرى.

فى الختام، ألا تشعر يا صديقى القارئ أن «الأيام» لم تكتمل بعد؟ بل هى رحلة مستمرة فى كل واحد منا يحاول أن يبصر بقلبه ما عجزت عنه عيناه. لقد ترك لنا طه حسين وصية لا تسقط بالتقادم: أن نحترم تراثنا بتطويره، ونقدس عقولنا بتحريرها، ونكتب أيامنا بكل ما فيها من إخفاقات وانتصارات. والآن، أترك لك هذا السؤال الذى يلهب الوجدان: هل تجرؤ، بعد مئة عام من «الأيام»، أن تواجه حقيقتك بنفس الصدق الذى واجه به «صاحبنا» ظلامه؟ أم أننا سنظل نبصر العالم بعيون الآخرين، بينما ظل هو يرى العالم كله بقلبه حتى أصبح هو منارته؟

أخبار الساعة

الاكثر قراءة