رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

زيارة إلى تركيا «أرض المجامع المسكونية».. البابا تواضروس فى مهمة ترميم انقسامات التاريخ المسيحى


2-5-2026 | 15:25

البابا تواضروس الثانى

طباعة
تقرير: سارة حامد

فى لحظة تحمل أبعادًا دينية وسياسية تتجاوز الطابع البروتوكولى تأتى زيارة البابا تواضروس الثانى إلى تركيا كحدث استثنائى يعكس تحولات أعمق فى مسار العلاقات المصرية التركية، وتعد هذه الزيارة هى الأولى منذ توليه الكرسى البابوى، فهى لا تقتصر على بعدها الكنسى بل تفتح نافذة واسعة على مرحلة جديدة من التقارب والتفاهم بين القاهرة وأنقرة بعد سنوات من الفتور، كما تكتسب الزيارة رمزية خاصة إذا ما وضعت فى سياقها التاريخى؛ إذ تعود آخر زيارة باباوية إلى عام 1972 حين قام البابا شنودة الثالث برحلة مماثلة، بينما سبقتها قطيعة امتدت لنحو خمسة عشر قرنًا، واليوم ومع تغير موازين السياسة الإقليمية تبدو هذه الزيارة وكأنها إعادة وصل لما انقطع ليس فقط على المستوى الدينى بل أيضًا فى إطار إعادة بناء جسور الثقة وتعزيز الروابط بين البلدين.

 
 
 

وتشهد زيارة البابا تواضروس الثانى الحالية لتركيا انطلاقة مهمة ضمن جولة خارجية أوسع، حيث بدأت الزيارة يوم 25 أبريل، فى برنامج مكثف يجمع بين الطابعين الرعوى والدبلوماسى متضمنة لقاءً بارزًا مع برثلماوس الأول، إلى جانب سلسلة من الاجتماعات مع مسئولين دينيين ورسميين، فضلًا عن لقاءات مباشرة مع أبناء الكنيسة القبطية فى تركيا، ورغم عدم إعلان جدول تفصيلى يومى عن الزيارة فإن ملامح البرنامج تعكس تحركًا نشطًا لتعزيز العلاقات الكنسية والانفتاح على الحوار مع الكنائس الأخرى ضمن جولة تشمل أيضًا عددًا من الدول الأوروبية.

وفى هذا الشأن، أكد الكاتب كريم كمال، الباحث فى الشأن المسيحى، أن زيارة قداسة البابا تواضروس الثانى إلى البطريركية المسكونية فى القسطنطينية ولقائه بالبطريرك المسكونى برثلماوس بطريرك القسطنطينية تأتى كحدث استثنائى يحمل دلالات كنسية وتاريخية وسياسية عميقة، فالزيارة ليست مجرد لقاء بروتوكولى بين رأسين كنسيين، بل هى استعادة لمسار طويل من العلاقات بين كرسيين رسوليين عريقين وامتداد لخطوات تقارب بدأت منذ أكثر من نصف قرن، وتكتسب الزيارة أهمية خاصة لأنها الأولى منذ زيارة البابا شنودة الثالث عام 1972 تلك الزيارة التى فتحت باب الحوار بين العائلتين الأرثوذكسيتين الشرقية والبيزنطية وساهمت فى إزالة الكثير من الالتباسات التاريخية حول الخلافات العقائدية التى تعود إلى مجمع خلقيدونية عام 451مً، وهو المجمع الذى أدى إلى انقسام تاريخى بين الكنائس غير الخلقيدونية ومنها الكنيسة القبطية والكنائس الخلقيدونية البيزنطية ومنها بطريركية القسطنطينية.

وأشار إلى أنه قد أعقبها زيارة أخرى من البابا شنودة الثالث عام 1987 حيث التقى فى ذلك الوقت بالبطريركية المسكونى ديمتريوس، وسبق ذلك زيارة البطريرك المسكونى أثيناغورس الأول بطريرك القسطنطينية للبابا كيرلس السادس فى القاهرة عام 1959، حيث تعد تلك الزيارة من المحطات التاريخية الهامة فى مسار العلاقات المسكونية، وكانت هذه الزيارة هى الأولى من نوعها التى يقوم بها بطريرك مسكونى لمصر منذ عدة قرون، جاءت الزيارة فى نوفمبر 1959 وذلك بعد أشهر قليلة من رسامة وتجليس البابا كيرلس السادس بطريركا للكنيسة القبطية الأرثوذكسية فى مايو 1959، حيث استقبل البابا كيرلس البطريرك أثيناغورس بحفاوة رسمية وشعبية كبيرة فى المقر البابوى بالأزبكيًة.

وأضاف الباحث فى الشأن القبطى، أن البابا كيرلس السادس نسق لقاء بين البطريرك أثيناغورس والرئيس الراحل جمال عبدالناصر لتأكيد التقدير والترحيب الرسمى لهذه الزيارة التاريخية ومكانة الكنيسة القبطية فى تلك الفترة، وأيضاً مكانة البابا كيرلس السادس عند الرئيس جمال عبدالناصر، وقد مهدت هذه الزيارة الطريق لاحقاً لمشاركة الكنيسة القبطية فى المجالس المسكونية العالمية وبدء الحوارات اللاهوتية الرسمية، لافتا إلى أن البطريرك أثيناغورس بعد ذلك قد قام بلقائه التاريخى مع بابا الفاتيكان بولس السادس فى القدس عام 1964 وهو ما كان استكمالاً لجهوده المسكونية التى شملت زيارته للقاهرة حيث نستطيع القول إن البطريرك أثيناغورس كان حجر الزاوية فى بث الروح فى العمل المسكونى الذى انقطع لقرون طويلة.

وأوضح أنه لا يمكن لنا فهم أهمية زيارة البابا تواضروس الثانى للقسطنطينية دون العودة إلى التاريخ الطويل لكرسى القسطنطينية نفسه الذى يعود تأسيسه بحسب التقليد الكنسى إلى الرسول أندراوس عام 38م، أى قبل أن تتحول القسطنطينية إلى العاصمة المسيحية الأولى بعد أن جعلها الإمبراطور قسطنطين مركزًا للإمبراطورية عام 330م، ومع مجمع القسطنطينية الأول عام 381م ارتفعت مكانة الكرسى ليصبح الثانى بعد روما، ثم منحه مجمع خلقيدونية عام 451م لقب البطريرك المسكونى، وهو اللقب الذى جعله الأول بين متساوين فى الكنائس البيزنطية ومسئولا روحيًا عن ملايين الأرثوذكس فى العالم، وقد لعب هذا الكرسى دورًا محوريًا فى صياغة الفكر اللاهوتى البيزنطى وفى الحفاظ على وحدة الكنائس الخلقيدونية عبر القرون.

ونبه إلى أن كرسى الإسكندرية الذى تأسس على يد القديس مرقس الرسول فى القرن الأول الميلادى كان مركزًا للفكر اللاهوتى فى القرون الأولى، وخرج منه آباء كبار مثل أثناسيوس الرسولى وكيرلس الكبير الذين أثّروا فى صياغة العقيدة المسيحية فى العالم كله بما فى ذلك القسطنطينية، ومع الانقسام الخلقيدونى أصبح فى الإسكندرية كرسيان، كرسى الأقباط الأرثوذكس الذى يجلس عليه اليوم البابا تواضروس الثانى، وكرسى الروم الأرثوذكس الذى يجلس عليه البابا ثيودوروس الثانى، وكلا الكرسيين معترف به عالميًا ولكل منهما تراثه وتاريخه.

وكشف عن أنه قد شهد القرن العشرين خطوات مهمة فى مسار التقارب بين العائلتين الأرثوذكسيتين بدأت بتأسيس اللجنة المشتركة للحوار اللاهوتى عام 1964، ثم صدور البيان المشترك عام 1989 الذى أكد اتفاق الجانبين فى جوهر الإيمان بطبيعة المسيح وأن الخلاف التاريخى كان خلافًا فى المصطلحات لا فى العقيدةً، وفى عام 1990 وُقّع اتفاق رعوى بين الكنيستين القبطية والروم الأرثوذكس فى الإسكندرية لتنظيم الخدمة فى إفريقيا وتلاه اتفاق تعاون عام 2001 فى مجالات التعليم اللاهوتى والرعاية، ومن أهم المحطات التى تُبرز عمق هذا التقارب توقيع اتفاقية الكريستولوجى بين البابا شنودة الثالث والبابا بطرس السابع بطريرك الروم الأرثوذكس بالإسكندرية فى أبريل 2001، والتى أكدت على وحدة الإيمان الكريستولوجى، وأكد البيان الصادر فى ذلك الحين أن الكنيستين الأرثوذكسية القبطية والروم الأرثوذكس تتشاركان ذات الإيمان الأرثوذكسى القويم بشأن طبيعة السيد المسيح استناداً إلى الاتفاقيات اللاهوتية الموقعة فى عامى 1989 (مصر) و1990 (جنيف) والاعتراف المتبادل بالمعمودية وتيسير الزيجات المختلطة لأبناء الكنيستين مع الاعتراف المتبادل بصحة السر.

وأضاف بأنه اعتبرت هذه الاتفاقية من أهم الوثائق المسيحية فى القرن العشرين ولكن للأسف الشديد بطريركية القسطنطينية وباقى البطريركيات الرومية فى العالم لم توقع على الاتفاقية حتى يومنا هذا مما جعل الاتفاقية منحصرة فقط بين بطريركية الأقباط الأرثوذكس وبطريركية الإسكندرية للروم الأرثوذكس، وبعد كل هذه الأحداث والتاريخ الطويل من الانقسامات ثم الحوارات اللاهوتية تأتى زيارة البابا تواضروس الحالية لتؤكد أن العلاقة بين الكرسيين ليست علاقة ظرفية بل علاقة ذات جذور رسولية وتاريخية، وأن التقارب الحالى هو عودة إلى الأصل وليس خروجًا عن المسار، فالبطريركية المسكونية رغم تراجع عدد المسيحيين فى تركيا خلال القرن العشرين بسبب الحروب والهجرة والتوترات السياسية ما زالت تحتفظ بمكانتها الروحية العالمية، وتضم كنائس تاريخية مثل كاتدرائية القديس جورجيوس فى حى الفنار إلى جانب كنائس يونانية وأرمنية (بطريركية تركيا الأرمن الأرثوذكس) وسريانية وأديرة قديمة فى طرابزون وديار بكر.

ونوه إلى أنه حين زار البابا شنودة الثالث القسطنطينية عام 1972 كان هدفه إعادة بناء الجسور بين العائلتين الأرثوذكسيتين، وقد أسهمت تلك الزيارة فى إطلاق حوار لاهوتى أثمر عن تقارب كبير فى فهم طبيعة المسيح، واليوم يأتى البابا تواضروس ليؤكد استمرار هذا المسار ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون اللاهوتى والرعوى والثقافى، خاصة أن البابا تواضروس معروف بانفتاحه المسكونى وحرصه على بناء علاقات إيجابية مع الكنائس الأخرى، ولا يمكن فصل الزيارة عن السياق السياسى العام فالعلاقات المصرية التركية تشهد فى السنوات الأخيرة مرحلة إعادة بناء، والزيارات الدينية رفيعة المستوى تُعد جزءًا من الدبلوماسية الروحية التى تسهم فى تحسين الأجواء بين الدول وتدعم الزيارة العلاقات بين البلدين عبر تعزيز التواصل الثقافى والدينى بين الشعبين وإظهار حضور مصرى روحى فى تركيا، وفتح الباب أمام تعاون أوسع فى مجالات الثقافة والتراث وإرسال رسالة إيجابية عن الانفتاح والتفاهم.

وشدد الباحث كريم كمال على أن زيارة البابا تواضروس الثانى للبطريركية المسكونية ليست مجرد حدث بروتوكولى، بل خطوة تاريخية تعيد وصل ما انقطع منذ نصف قرن وتستكمل مسارًا بدأه البابا شنودة الثالث نحو تقارب أرثوذكسى أوسع، وتؤكد أن الكنائس يمكن أن تلعب دورًا مهمًا فى بناء الجسور بين الشعوب والدول وأن الحوار اللاهوتى الذى بدأ فى القرن الماضى ما زال قادرًا على صنع مستقبل أكثر وحدة وتفاهمًا بين الكنائس.

من جانبه، أشاد دياكون مرقس، خادم بمطرانية دشنا للأقباط الأرثوذكس، بهذه الخطوة معتبرا أنها تحمل أبعادا روحية ودبلوماسية عميقة، موضحا أن الزيارة الحالية لقداسة البابا تواضروس الثانى، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، إلى تركيا تُعد زيارة رعوية وتاريخية وتأتى ضمن جولة خارجية تشمل النمسا وإيطاليا وكرواتيا، وتعيد تسليط الضوء على الجغرافيا التركية بوصفها إحدى المحطات الدينية البارزة فى الذاكرة المسيحية العالمية، فضلًا عن كونها مساحة يمكن أن تسهم فى تعزيز الحوار الإنسانى والوطنى فى السياق المعاصر، وتتجاوز الأطر التقليدية للزيارات الرسمية لتستهدف تحقيق عدة غايات جوهرية أهمها: تمتين العلاقات الكنسية حيث يهدف اللقاء مع قداسة البطريرك المسكونى برثلماوس الأول، بطريرك القسطنطينية، إلى تعزيز الروابط بين الكرسيين الرسوليين، وهذا التواصل يعكس روح الإخوة والمحبة التى تجمع الكنائس الشرقية، ويؤكد على أن الحوار هو اللغة الوحيدة لتجاوز انقسامات الماضى.

وبين أن الزيارة تعمل على إحياء الذاكرة التاريخية واستحضار الدور المركزى لمدن آسيا الصغرى (تركيا الحالية) فى التاريخ المسيحى؛ فهى الأرض التى وُلد فيها القديس بولس الرسول، واحتضنت المجامع المسكونية الكبرى (نيقية، القسطنطينية، أفسس) التى صاغت قوانين الإيمان المسيحى، وشهدت انطلاق لقب «مسيحيين» لأول مرة فى مدينة أنطاكية، فضلا عن دعم القوة الناعمة المصرية، حيث تمثل الكنيسة القبطية امتداداً حضارياً عريقاً لمصر، وحضور البابا إلى تركيا فى ظل التقارب المصرى التركى الحالى يعزز من قيم التعايش ويؤكد دور المؤسسات الوطنية المصرية فى مد جسور السلام مع الآخرين، وتجاوز سنوات التوتر السياسى برؤية تنشد الاستقرار الإقليمى.

وقال إنه لا يمكن قراءة هذه الزيارة بمعزل عن تاريخها، فهى الزيارة الثانية فقط لبطريرك قبطى إلى إسطنبول بعد الزيارة الأولى فى عهد المتنيح البابا شنودة الثالث فى أكتوبر 1972، وكانت تلك الزيارة حينها «كسراً للجليد» والجمود بعد أكثر من 15 قرناً من الانقسام اللاهوتى فى خلقدونية، حيث وضع البابا شنودة حجر الأساس للحوار الصادق، واليوم يأتى البابا تواضروس ليستكمل هذا المسار محولاً الحوار اللاهوتى إلى واقع ملموس من التعاون لمواجهة التحديات المعاصرة مثل موجات التطرف وتراجع القيم الروحية فى العالم.

وأكد خادم الكنيسة الأرثوذكسية، أن هذه الزيارة تمثل تقديراً لتركيا كملتقى للحضارات، فالمعالم التى يزورها البابا مثل «آيا صوفيا» والمدن العريقة كأفسس وسميرنا ليست مجرد آثار مسيحية، بل هى شواهد على عبقرية المكان وقدرته على استيعاب التنوع الإنسانى، واستعراض الكنيسة لتاريخ شخصيات مثل «القديس نيقولاوس» (المعروف عالمياً بسانتا كلوز) الذى عاش فى تركيا، يبرز جوانب إنسانية مشتركة تتعلق بالعطاء وخدمة الفقراء، وهى قيم تتجاوز حدود الأديان.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة