مع اقتراب امتحانات نهاية العام الدراسى، تتصاعد موجة من القلق داخل الأوساط التعليمية تمتد من الطلاب إلى أولياء الأمور والمعلمين، فى ظل تكدس غير مسبوق لامتحانات شهر إبريل، هذا التتابع السريع الذى لا يترك مساحة كافية للمراجعة أو استيعاب المقررات خلق حالة من الضغط داخل المدارس، وأثار تساؤلات متزايدة حول جدوى هذه الآلية وتأثيرها على جودة العملية التعليمية.
ويشير متابعون إلى أن ما يصفه البعض بـ«تكبيس الامتحانات» حول التقييم من أداة لقياس الفهم إلى عبء نفسى متراكم يدفع الطلاب إلى الانتقال السريع من اختبار إلى آخر دون فرصة حقيقية للتعلم، وفى وقت تستعد فيه المدارس لانطلاق اختبارات نهاية العام، يحذر خبراء فى التربية وعلم النفس من تداعيات هذا النهج، مؤكدين أن فقدان التوازن بين التقييم والتحصيل يقوض الهدف الأساسى من العملية التعليمية، ويحول الامتحانات إلى مصدر قلق، بدلا من كونها وسيلة داعمة للتعلم.
الدكتور عاصم حجازى، أستاذ علم النفس والقياس والتقويم التربوى بكلية الدراسات العليا للتربية بجامعة القاهرة، أكد أن التقييم جزء رئيسى لا يمكن الاستغناء عنه فى أى عملية تعليمية سواء كان تمهيديًا أو تشخيصيًا أو تكوينيًا أو نهائيًا، فوجود تقييمات أسبوعية وشهرية ليس فكرة سيئة فى حد ذاتها، لكنها فى شكلها الحالى لا تخدم العملية التعليمية على الإطلاق، والمشكلة الأساسية تكمن فى الكمّ الهائل من التقييمات وطريقة تطبيقها؛ إذ أصبحت تستحوذ على وقت التعلم، وتحولت إلى هدف بحد ذاتها، بدلاً من أن تكون وسيلة لتحسين الفهم وتصحيح المسار.
وأشار الخبير التربوى إلى أن اقتصار التقييمات على أسئلة مباشرة يدفع الطلاب إلى الحفظ، ويعيدهم إلى ثقافة «النموذج والكتاب» بدلاً من التفكير والتحليل، كما أن تنويع أدوات التقييم مثل المشروعات البحثية والمهام الأدائية يمنح الطالب مساحة للعمل والتفكير دون خوف، والطالب يجب أن يحصل على الدرجة لمجرد مشاركته فى هذه المهام وليس فقط عبر الاختبارات التقليدية، كما أن طريقة التقييم الحالية تعيد الاهتمام المبالغ فيه بالدرجات على حساب التعلم الحقيقى، وتزيد الضغوط النفسية على الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور، وهذه الضغوط تؤثر على كفاءة عمل الدماغ وتدفع الطالب إلى حالة مستمرة من القلق والتوتر، فنظام التقييمات الحالى بحاجة فورية للمراجعة، لما يتركه من آثار تربوية سلبية تتراكم بمرور الوقت.
فى السياق نفسه، قال الدكتور تامر شوقى، الخبير التربوى: إن التعلم الفعال والعميق يتطلب مجموعة من الشروط التى يعيقها تمامًا تتابع الامتحانات بالشكل الحالى، فالممارسة عنصر أساسى فى التعلم، والطالب يحتاج إلى مراجعة ما درسه أكثر من مرة ليصل إلى مرحلة الإتقان، وهو ما لا يتوافر فى ظل تلاحق التقييمات، فالطالب لا يحصل على نتائج امتحانات إبريل قبل دخول امتحانات نهاية العام، وهو ما يمنعه من تصحيح أخطائه ويزيد احتمالات تثبيت الإجابات الخاطئة، كما أن الفروق الفردية بين الطلاب لا تؤخذ فى الاعتبار، فهناك الطالب الضعيف والمتوسط والمتفوق، وهناك مَن يعانى أمراضًا مزمنة تؤثر على قدرته على المذاكرة حتى لو كان متميّزًا، ومن ثم فإن وضع امتحانات شهرية ونهائية متتابعة يتجاهل هذه الفروق تمامًا والدافعية للتعلم تتراجع مع تتابع الامتحانات خصوصًا حين يتعرض الطالب لنتائج ضعيفة تزيد من إحباطه وفقدانه الشغف، فضلا عن الكمّ الكبير من المعلومات فى وقت ضيق ما يفرض عبئًا معرفيًا زائدًا على الطالب، ويقلل من قدرته على الاستيعاب والتذكر، ما يجعل التعلم سطحيًا ومؤقتًا.
أما الدكتور محمد كمال، أستاذ علم النفس التربوى، فأوضح أن التقييمات المتلاحقة تؤثر مباشرة على العمليات العقلية العليا مثل الانتباه والذاكرة العاملة، فالطالب حين يجد نفسه أمام سلسلة امتحانات من دون فاصل يتحول من شخص يسعى للفهم إلى شخص يبحث عن إنهاء الامتحان فقط وهو ما يتسبب فى تعلم هشّ وسهل النسيان، كما أن غياب الفواصل الزمنية بين امتحانات إبريل وامتحانات نهاية العام يحرم الدماغ من فرصة تثبيت المعلومات، وهو ما يضعف مبدأ التعلم التراكمى الذى يقوم عليه التعليم الجيد، والضغط المستمر يرفع مستويات القلق ويؤدى فى كثير من الأحيان إلى إرهاق ذهنى وفقدان للدافعية.
وأضاف أن جوهر الأزمة لا يكمن فى الامتحانات ذاتها، بل فى آليات تنظيمها وتوقيتاتها، فالتقييم يفترض أن يمنح الطالب فرصة حقيقية لفهم أخطائه وتصحيح مساره قبل الانتقال إلى اختبار جديد بما يضمن تراكم الفهم لا تراكم الضغوط، غير أن الواقع الحالى يعكس نمطًا مختلفًا؛ إذ يجد الطالب نفسه ينتقل من امتحان إلى آخر بشكل متلاحق، دون مؤشرات واضحة على أدائه أو مدى تقدمه، وهو ما يضعف القيمة التربوية للتقييم، ويحوله إلى إجراء شكلى يفتقر لجدواه التعليمية.