رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«السماسرة».. مافيا «العمولات»


2-5-2026 | 15:26

.

طباعة
تحقيق: راندا طارق - شريف البرامونى

بين السمسار الذى يرى نفسه مجرد وسيط يسعى للرزق، والمواطن الذى يشعر أحيانًا بأنه يدفع الثمن، والمطور الذى يحتاج للوسيط لتسويق مشروعاته، والجهات التى تحاول ضبط الإيقاع، يبقى سوق العقارات فى مصر مساحة مفتوحة على كل الاحتمالات، فلا يمكن وصفه بأنه ضحايا ومتهمون بقدر ما هى شبكة معقدة من الأدوار المتداخلة، ولا أحد خارج المعادلة أو يملكها بالكامل.

فى أعقاب الجدل الذى أثاره فيديو شجار السمسار مع الطبيبة وتهديدها بالخطف والذبح، عاد ملف سماسرة العقارات فى مصر إلى الواجهة من جديد، ليس باعتباره مجرد طرف وسيط فى عمليات البيع والشراء، بل كقوة مؤثرة فى تشكيل السوق وأسعار الإيجارات وقرارات التملك، باعتباره سوقًا تتسع فيه الأرقام بملايين العقارات، وتتشابك فيه المصالح بين الملاك والمشترين والمطورين، بينما يقف السمسار فى المنتصف أحيانا كمنقذ وأحيانا كمتهم.

 

 

عدد كبير من حراس العقارات يمتهنون تلك المهنة، بشكل يدفعهم للمطالبة بنسبة صاحب المكتب العقارى الذى يقوم بدفع مياه وكهرباء وضرائب، فهو حجم كبير لنشاط هؤلاء الدخلاء لا يمكن تجاهله، وتشير التقديرات إلى أن السوق العقارى المصرى من أكبر الأسواق فى المنطقة، مدفوعًا بطلب مرتفع مستمر على السكن والاستثمار فى ظل فجوة بين العرض والطلب والاتجاه للعقار باعتباره ملاذًا آمنًا، ورغم عدم وجود رقم دقيق معلن لعدد السماسرة، فإن خبراء العقار يؤكدون أن المهنة أصبحت واسعة الانتشار لدرجة يصعب حصرها، خصوصًا مع دخول أفراد غير مرخصين للسوق، وتحول الوساطة العقارية إلى نشاط مفتوح بلا تنظيم كامل فى بعض الحالات.

وفى هذا الشأن، قال الخبير العقارى، محمد المنشاوى: إن السوق العقارى منقسم لثلاثة مسارات: الأول شرعى وهم شركات التسويق العقارى ويدعمون الاقتصاد والاستثمار، والثانى سماسرة أفراد يعملون بشكل غير رسمى أو عبر السوشيال ميديا وهم الأخطر، ومع التوسع العمرانى فى المدن الجديدة القاهرة الجديدة والعاصمة الإدارية وحدائق أكتوبر تضاعف نشاط الوسطاء بشكل كبير، خصوصا فى مشروعات تحت الإنشاء، وحتى فى محاولاتهم شراء وحدات الإسكان الاجتماعى رغم حظر وبيعها للاستفادة من الدعم وهم المسار الثالث.

وأشار إلى أن اختلاف العمولة يتحدد بحسب نوع الصفقة، ففى الإيجار غالبا ما تعادل السمسرة ثمن شهر إيجار، وفى البيع من 1.5 فى المائة إلى 2.5 فى المائة من قيمة العقار، وفى بعض الحالات الخاصة أو غير المنظمة قد تصل النسب من 5 وحتى 10 فى المائة حسب الاتفاق وطبيعة الوسيط، وهنا بدأت الإشكالية، بظهور بلطجية تحت شعار سماسرة، وهذا يضعنا أمام السؤال الصعب: هل العمولة ثابتة ومنظمة؟ أم أنها تخضع للسوق والضغط والمنافسة؟

وقال إنه فى غياب إطار تنظيمى موحد وملزم، تكشف المعاينة الميدانية أن سوق الوساطة العقارية تحكمه شبكة من الأعراف غير المكتوبة التى تحدد قواعد اللعب أكثر مما تفعل القوانين الرسمية، وتتمثل أبرز هذه الأعراف فى منح أولوية التعامل لما يعرف بـ«العميل الجاد» وإبرام اتفاقات حصرية غير معلنة بين بعض السماسرة والمطورين على تسويق وحدات بعينها، إلى جانب تقاسم العمولات بين أكثر من وسيط داخل الصفقة الواحدة، كما يبرز اعتماد واسع على العلاقات الشخصية باعتبارها أداة رئيسية لإنجاز التعاقدات، وهو ما يراه مراقبون عاملاً مساهمًا فى دفع الأسعار إلى مستويات أعلى.

ونوه «المنشاوى» بأن هناك انقسامًا واضحًا داخل أوساط العاملين بالسوق العقارى حول دور السمسار وتأثيره، فبينما يرى فريق أن السماسرة لا يتجاوزون دور المرآة التى تعكس حجم الطلب القائم دون أن تصنعه، يؤكد فريق آخر أن دورهم بات أكثر تأثيرًا حيث يشاركون بشكل مباشر فى تشكيل الأسعار من خلال رفع قيم العروض وخلق طلبات غير حقيقية وتسريع وتيرة المضاربات، فضلاً عن فرض عمولات تحمل فى نهاية المطاف على السعر النهائى للوحدة، فالسماسرة فى حاجة إلى تقنين وبالفعل الحكومة بدأت خطوات لتنظيم السوق عبر إنشاء سجلات رسمية للوسطاء وتقسيمهم لفئات وأنواع، فى محاولة لضبط المهنة وربطها بالرقابة والشفافية، والسوق لا يحتاج للتنظيم الإدارى فقط بل لإعادة هيكلة كاملة لدور الوسيط نفسه، ولا بدّ من وضع إجراءات صارمة على سماسرة الشارع، بلطجية العصر الجديد، لأن السمسار يخلق طلبًا ولا ينقله فقط، وتنظيم المهنة سيخفض الأسعار.

فيما أكد وليد عباس، نائب وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، أن الدولة حمت المواطن من مافيا السماسرة، بتفعيل الضبطية القضائية، وأن الإسكان الاجتماعى خالٍ من السماسرة تمامًا، وأنه لا يمكن المساس والمتاجرة بأحلام الغلابة وأحقيتهم فى الدعم، فهناك قيود صارمة تضمن وصول الدعم لمستحقيه، والضبطية تلاحق أى تلاعب بالوحدات سواء بالبيع أو تغيير النشاط، وتسحب الوحدة من صاحبها، ويتم حرمانه من التمتع بغيرها فيما بعد.

فى المقابل، أوضح أحد الشباب الباحثين عن وحدة سكنية بغرض الزواج عن معاناته الممتدة مع سوق السمسرة، قائلًا: إن مشروع زفافه تعطل أكثر من مرة بسبب تجاربه مع الوسطاء، فأسعار الوحدات غالبًا ما ترتفع نتيجة سعى بعض البائعين إلى تحميل المشترى كامل تكلفة عمولات السماسرة، ما يدفع المالك إلى رفع السعر النهائى المعروض، والسماسرة تحولوا إلى عبء إضافى على المشترين، ويجب على الدولة وضع خطط واضحة لتقنين المهنة وإصدار تراخيص إلزامية تنظم عمل الوسطاء وتضبط نسب العمولات بدلا من تركها لآليات السوق غير المنظمة، فنشاط السمسرة جزء من الاقتصاد غير الرسمى، ويسهم بشكل مباشر فى تغذية التضخم داخل القطاع العقارى.

وتابع: «أبحث عن سكن منذ عام كامل، وأشعر أن الأسعار يتم التلاعب بها بشكل واضح، نفس الشقة تُعرض بأسعار مختلفة من سمسار لآخر؛ مرة بعشرة ومرة باثنى عشر، دون معيار واضح. ولا نعرف مَن يحدد السعر فى الأصل، فكل طرف يسعى لرفعه للحصول على عمولة أكبر، وفى النهاية يتحمل المشترى التكلفة كاملة».

على الجانب الآخر، ومن داخل سوق العقارات يتكشف عالم السمسرة الممتد بين الشوارع والمكاتب حيث تتباين الروايات وتتعدد وجهات النظر، لكن يظل السمسار حاضرا فى كل مشهد يظهر أحيانا ببدلة أنيقة داخل مكتب مكيف، وأحيانًا أخرى على ناصية شارع ممسكًا بهاتفه يلاحق فرصة لإتمام صفقة جديدة، ومن داخل أحد مكاتب الوساطة بمنطقة التحرير، أشار سمسار شاب إلى أن طبيعة العمل تقوم على المكسب اليومى غير المستقر كما يتردد «رزق يوم بيوم»، ومن الممكن تحقيق ما يعادل راتب موظف لشهر كامل فى يوم واحد، بينما تمر أيام أو حتى أسبوع دون إتمام أى صفقة، بسبب أن التعاملات أصبحت عبر الإنترنت.

وفى تعليق على ذلك، قال عادل فودة، الخبير الاقتصادى المتخصص فى الشأن العقارى: إن السمسار فى الأصل يؤدى دور الوسيط بين البائع والمشترى، إلا أن هذا الدور شهد تحولاً ملحوظًا داخل السوق المصرى غير المنظم مع اتساع نطاق نشاطهم واعتماد المكاتب العقارية عليهم بشكل أكبر، فالسماسرة لا يصنعون الأسعار من فراغ لكنهم يسهمون فى تسريع وتيرة ارتفاعها من خلال تغذية المضاربات وتضخيم الطلب داخل السوق.

وأشار إلى تنظيم المهنة سيقلل الفوضى لكن لن يحل أزمة الأسعار لأن المشكلة فى الأساس عرض وطلب، وبين كل هذه الأصوات يبقى السمسار فى المنتصف ليس هو المتهم وحده ولا هو البريء تماما، بل جزء من سوق أكبر تتحرك فيه الأسعار والعلاقات والقرارات فى دائرة واحدة معقدة، والغالبية من الناس تعمل دون أى ترخيص والسوق مفتوح، ومن يعرف تقفيل الصفقة فهو الكسبان، ويبقى المواطن مكلومًا بين المكتب والشارع عبر شبكة غير مرئية من الوسطاء، بعضهم يعمل تحت مظلة رسمية، وآخرون يتحركون بحرية كاملة عبر الإعلانات الرقمية والسوشيال ميديا.

وشدد على أن تنظيم المهنة ربما يحد من الفوضى، لكنه لن يحل أزمة الأسعار، لأن جذور المشكلة مرتبطة بالعرض والطلب والتكلفة الحقيقية للبناء، لذلك لجأ الأغلبية من المواطنين لوحدات إسكان الدولة، والتى غطت كافة الطبقات.

وأكد الدكتور أحمد البحيرى، أستاذ القانون المدنى، والمحامى بالنقض والمحكمة الدستورية العليا، أن «أى قول يصدر عن السمسار (صاحب واقعة الطبيبة) يتضمن تهديداً أو ابتزازاً يعد جريمة مكتملة الأركان وفقا للقانون»، موضحاً أن هذه الأفعال تندرج تحت مسمى «البلطجة» المنصوص عليها فى قانون العقوبات، وتحديدا المادتان 375 مكرر و375 مكرر (أ)، والتى تُعاقب بالحبس لمدة قد تصل إلى سنة، وغرامة تتراوح بين ألف إلى عشرة آلاف جنيه، فضلاً عن وضع المتهم تحت المراقبة الشرطية لمدة مساوية لمدة العقوبة، وهو ما يعكس تشدد المشرع فى مواجهة مثل هذه السلوكيات الخارجة عن القانون.

وأضاف «البحيرى» أن التكييف القانونى لهذه الأفعال لا يتغير حتى لو جاء ذلك فى سياق خلاف على عمولة السمسرة، مشدداً على أن اللجوء إلى التهديد أو الضغط بأى صورة لا يمكن تبريره تحت أى ظرف، وأن الطريق القانونى الوحيد لحسم النزاعات هو الاحتكام إلى العقود والاتفاقات المبرمة بين الأطراف، وليس فرض الأمر الواقع بالقوة أو الترهيب.

وأوضح أن مهنة السمسرة فى مصر ليست عشوائية كما يعتقد البعض، بل هى منظمة منذ سنوات طويلة، حيث تخضع لأحكام القانون رقم 120 لسنة 1982 الخاص بالوكالة التجارية وبعض أعمال الوساطة التجارية، والذى تم تعديله بالقانون رقم 21 لسنة2022، ولفت إلى أن الجهة المختصة بتنظيم هذا النشاط، هى الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، والتى تشرف على قيد السماسرة ومنحهم التراخيص اللازمة لمزاولة المهنة بشكل قانونى.

وأشار أستاذ القانون المدنى إلى أن مسئولية الدولة فى هذا الإطار تتركز فى وضع الأطر التشريعية المنظمة، بينما يقع على عاتق المواطنين الالتزام بهذه القواعد، وعدم اللجوء للسمسار العشوائى، وهو سمسار الشارع الذى يعمل بلا مكتب وأوراق، مؤكداً أن الرقابة الكاملة على جميع التعاملات اليومية أمر صعب عمليا، وهو ما يجعل الوعى القانونى للمواطن عنصرا حاسما فى تجنب الوقوع ضحية للاستغلال أو النزاعات.

وفيما يتعلق بنسبة السمسرة التى طالب بها السمسار فى الواقعة، أوضح «البحيرى» أن القانون لم يحدد نسبة ثابتة أو ملزمة وإنما تترك هذه المسألة للاتفاق بين الأطراف، أو لما جرى عليه العرف، والذى يتراوح عادة بين 1.5 إلى 2.5 فى المائة من قيمة الصفقة، مؤكدا أن وجود عقد مكتوب يحدد هذه النسبة بشكل واضح هو الضمان الحقيقى لحقوق جميع الأطراف، وأوضح أن استحقاق السمسار لعمولته يرتبط بشكل مباشر بإتمام الصفقة محل الوساطة، سواء كانت بيعا أو شراء، لافتاً إلى أنه فى حال عدم إتمام التعاقد، فلا يحق للسمسار المطالبة بأى عمولة، إلا إذا كان هناك اتفاق صريح على خلاف ذلك، وهو أمر نادر فى التطبيق العملى، وشدد «البحيرى» على أن حماية المواطن تبدأ من اختيار التعامل مع سماسرة معتمدين لديهم مكاتب رسمية ومقيدين فى السجلات القانونية، مع ضرورة توثيق كل الاتفاقات من خلال عقود مكتوبة تتضمن تفاصيل العمولة وشروط الاستحقاق، بما يضمن حقوق جميع الأطراف ويمنع أى خلافات مستقبلية.

وأكد أن أى محاولة لفرض عمولة أو ابتزاز العميل خارج إطار الاتفاقات القانونية تُعد جريمة يعاقب عليها القانون، داعيا المواطنين إلى عدم التردد فى تحرير محاضر رسمية ضد أى شخص يمارس هذه الأفعال، مشيراً إلى أن القانون الجنائى يوفر حماية واضحة وصارمة فى مثل هذه الحالات، ويكفل ردعا لكل من تسول له نفسه استغلال الآخرين أو التعدى على حقوقهم تحت أى مسمى.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة