رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

اغتيال وزير الدفاع وانسحاب الروس من الشمال: هل بدأت ساعة السقوط في مالي؟


26-4-2026 | 17:15

.

طباعة
بقلم: د. محمد اليمني

تشهد مالي اليوم واحدة من أخطر لحظاتها منذ اندلاع أزمتها الأمنية في عام 2012، حيث تتقاطع عدة تطورات دراماتيكية في توقيت واحد، لتطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الدولة وقدرتها على البقاء موحدة. فبين اغتيال وزير الدفاع في قلب العاصمة، وتصاعد الهجمات المسلحة، وانسحاب القوات الروسية من الشمال، تبدو البلاد وكأنها تدخل مرحلة جديدة عنوانها “تفكك مراكز القوة” وانكشاف الهشاشة الأمنية والسياسية.

اغتيال وزير الدفاع، الجنرال ساديو كامارا، في هجوم بسيارة مفخخة داخل قاعدة عسكرية في كاتي، لا يمكن اعتباره مجرد عملية إرهابية عابرة، بل يمثل تحولًا نوعيًا في طبيعة الصراع. فاستهداف شخصية بهذا الوزن، داخل منشأة يفترض أنها الأكثر تحصينًا، يعكس اختراقًا عميقًا للبنية الأمنية، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن الجماعات المسلحة باتت قادرة على الوصول إلى قلب النظام، وليس فقط أطرافه.

هذا التطور يضع المؤسسة العسكرية في موقف حرج، إذ لم تعد قادرة على تقديم نفسها كضامن للاستقرار، خاصة بعد سنوات من الاعتماد عليها كعمود فقري للسلطة عقب الانقلابات المتتالية. كما أن اغتيال شخصية محورية مثل كامارا قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية على النفوذ، ما يزيد من تعقيد المشهد ويضعف تماسك القيادة العسكرية.

في موازاة ذلك، جاءت الهجمات المنسقة التي استهدفت مطار باماكو ومواقع استراتيجية أخرى لتؤكد أن الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة لم تعد تعمل بأسلوب حرب العصابات التقليدية، بل انتقلت إلى مرحلة العمليات المركبة التي تهدف إلى شل مؤسسات الدولة وإرباكها. هذا التصعيد يعكس أيضًا تنامي قدرات هذه الجماعات، سواء من حيث التخطيط أو التسليح، وربما يشير إلى حصولها على دعم لوجستي أو استخباراتي من أطراف إقليمية أو دولية تسعى لإعادة تشكيل موازين القوى في الساحل.

لكن التطور الأكثر إثارة للقلق يتمثل في إعلان انسحاب القوات الروسية من مدينة كيدال في الشمال، وهو ما يمثل تحولًا استراتيجيًا كبيرًا. فهذه القوات، التي جاءت تحت مظلة “فيلق أفريقيا” كبديل عن الوجود الفرنسي، كانت تُعد ركيزة أساسية في استراتيجية المجلس العسكري لمواجهة التمرد والجماعات الجهادية. انسحابها المفاجئ يطرح تساؤلات حول أسباب هذا القرار، وما إذا كان يعكس فشلًا ميدانيًا، أو إعادة تموضع ضمن حسابات أوسع تتعلق بالسياسة الروسية في أفريقيا.

انسحاب الروس يخلق فراغًا أمنيًا خطيرًا في منطقة تعد من أكثر المناطق حساسية، حيث تنشط جماعات الطوارق والمسلحون المرتبطون بتنظيم القاعدة. هذا الفراغ قد يؤدي إلى إعادة رسم خطوط السيطرة على الأرض، وربما يمنح هذه الجماعات فرصة لاستعادة مواقع استراتيجية فقدتها في السنوات الأخيرة.

في هذا السياق، تبرز فرضية أن ما يحدث في مالي ليس مجرد تصعيد داخلي، بل جزء من صراع أوسع على النفوذ في منطقة الساحل. فبعد تراجع الدور الفرنسي، ودخول روسيا على الخط، وتحركات قوى إقليمية أخرى، أصبحت مالي ساحة مفتوحة لتنافس دولي وإقليمي معقد. هذا التنافس قد يفسر جزئيًا التغيرات السريعة في التحالفات، وكذلك طبيعة الهجمات التي تبدو أكثر تنظيمًا وتنسيقًا.

من ناحية أخرى، لا يمكن إغفال البعد الداخلي للأزمة، حيث تعاني مالي من ضعف مؤسسات الدولة، وتدهور الوضع الاقتصادي، وتزايد الاحتقان الاجتماعي. هذه العوامل تشكل بيئة خصبة لتنامي الجماعات المسلحة، التي تستغل حالة الفراغ والحرمان لتوسيع نفوذها وتجنيد المزيد من العناصر.

كما أن العلاقة المتوترة بين الحكومة المركزية وبعض المكونات العرقية، خاصة في الشمال، تضيف بعدًا آخر للأزمة. فإعلان انسحاب الروس من كيدال، وما تلاه من تحركات للمتمردين، قد يعيد إحياء النزعات الانفصالية، ويدفع نحو سيناريو تقسيم فعلي للبلاد، حتى وإن لم يُعلن رسميًا.

أمام هذا المشهد المعقد، تبدو الخيارات المتاحة أمام القيادة في باماكو محدودة وصعبة في آن واحد. فإعادة بناء الثقة داخل المؤسسة العسكرية تتطلب وقتًا وجهدًا، بينما يستمر التهديد الأمني في التصاعد. كما أن البحث عن حلفاء جدد قد لا يكون كافيًا، في ظل بيئة دولية متغيرة وحسابات متشابكة.

في المقابل، قد يكون الحل الأكثر استدامة هو تبني مقاربة شاملة تعالج جذور الأزمة، وليس فقط مظاهرها الأمنية. هذه المقاربة يجب أن تشمل إصلاحات سياسية حقيقية، وتعزيز الحكم المحلي، وإطلاق حوار وطني يضم مختلف المكونات، بما في ذلك الجماعات التي يمكن إدماجها في العملية السياسية.
كما أن الدور الإقليمي والدولي يظل حاسمًا، إذ تحتاج مالي إلى دعم متوازن لا يكرس التبعية، بل يعزز قدراتها الذاتية. وفي هذا الإطار، قد يكون من الضروري إعادة النظر في نماذج التدخل السابقة، التي أثبتت محدوديتها في تحقيق الاستقرار.

في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل بدأت ساعة السقوط في مالي؟ الإجابة ليست بسيطة، لكنها تميل إلى أن البلاد تقف بالفعل على حافة مرحلة مفصلية. فإما أن تنجح في احتواء هذه الصدمات المتتالية وإعادة ترتيب بيتها الداخلي، أو تنزلق نحو مزيد من الفوضى التي قد تمتد تداعياتها إلى كامل منطقة الساحل.
ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل لحظة اختبار حقيقية لقدرة الدولة المالية على الصمود في وجه عواصف داخلية وخارجية متشابكة. وبين دوي الانفجارات في باماكو وصمت الانسحاب في كيدال، تتشكل ملامح مرحلة جديدة قد تعيد رسم خريطة النفوذ في القارة الأفريقية بأكملها.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة