رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

حكاية 12 عاما من الإنجاز.. ملحمة التنمية الشاملة


25-4-2026 | 12:42

.

طباعة
تقرير: محمد زيدان

لم تعد سيناء مجرد «أرض الفيروز» التى تغنت بها الحكايات القديمة، ولا تلك البقعة البعيدة التى ظلت لسنوات رهينة الوعود المؤجلة وخطط لم تكتمل، بل تحولت خلال السنوات الـ12 الماضية إلى مشروع وطنى متكامل يعكس إرادة دولة قررت أن تعيد كتابة تاريخ هذه الأرض من جديد، فمنذ عام 2014، انطلقت رؤية مختلفة تتجاوز المفهوم التقليدى للتنمية، لتضع سيناء فى قلب معادلة الأمن القومى،باعتبار أن تعمير «الأرض» هو الضمانة الحقيقية لحمايتها، وأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء الطرق والمدن.

 
 

فى هذا السياق، خاضت الدولة معركة مزدوجة لم تكن سهلة فى حساباتها ولا تحدياتها، ألا وهى معركة «اقتلاع جذور الإرهاب» بالتوازى مع معركة البناء والتنمية، فى واحدة من أصعب البيئات الجغرافية والأمنية، ولم يعد الحديث عن «سيناء» يقتصر على الحملات الأمنية أو التحديات بل امتد ليشمل شبكة طرق عملاقة، وأنفاق ربطت الضفتين بعد عقود من العزلة ومدن جديدة تنبض بالحياة وتجمعات زراعية وصناعية تعيد رسم الخريطة الاقتصادية للإقليم، فالتحول الذى شهدته «سيناء»، لم يكن مجرد أرقام تعلن أو مشروعات تفتتح، بل هو تغيير جذرى فى فلسفة التعامل مع هذا الملف بعد أن أدركت الدولة أخطاء الماضى حين ظلت التنمية حبيسة الأدراج، بينما بقيت الأرض بلا استغلال حقيقى،واليوم تبدو «سيناء» نموذج حياً لكيف يمكن للإرادة السياسية والتخطيط المتكامل أن يحولا التحديات إلى فرص، والعزلة إلى انفتاح، والتهميش إلى مركز جذب للاستثمار.

ومع تدفق استثمارات ضخمة فى البنية التحتية وامتداد شرايين الطرق والأنفاق وعودة قطارات السكك الحديدية بعد انقطاع طويل، لم تعد «سيناء» مجرد موقع جغرافى استراتيجى،بل أصبحت ركيزة أساسية فى مشروع التنمية الشاملة للدولة المصرية، وواجهة تعكس طموحا يتجاوز الحاضر نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.

وضمن استراتيجية التنمية الشاملة لسيناء، أولت الدولة اهتماماً كبيراً بتنمية قطاع الثروة السمكية، فكان مشروع تطوير بحيرة البردويل بشمال سيناء فى المقدمة، فبحلول عام 2024 تم تطوير 4 مراسى صيد وتحديث معدات الصيد من شباك وأدوات، بالإضافة إلى تطهير البحيرة وإزالة نحو 3500 طن من العوائق مما أعاد للبحيرة حيويتها وإنتاجيتها، ولم تتوقف الجهود عند التطوير فقط، بل امتدت إلى إنشاء مشروعات عملاقة فى الاستزراع السمكى، أبرزها: وجود أكثر من 8000 حوض ضمن مشروعات هيئة قناة السويس، ومشروع الفيروز للاستزراع السمكى، فضلا عن مشروع الديبة للاستزراع السمكى،كما يجرى العمل حالياً على إنشاء 8 قرى متكاملة للصيادين بتكلفة تبلغ نحو 3.5 مليار جنيه، لتوفير حياة كريمة لأبناء المهنة وتحقيق تنمية بشرية متكاملة، حيث تحولت سيناء إلى منطقة واعدة فى الثروة السمكية، تعكس رؤية الدولة فى تحويل الإمكانات الطبيعية إلى مشروعات إنتاجية مستدامة

الثروة المعدنية والتنقيب

نفذت الدولة مشروعات صناعية بقيمة 6.5 مليارات جنيه، وخصصت 38 مليار جنيه للمرحلة المقبلة لخدمة سيناء ومصر والمنطقة بأكملها فى مجالات متعددة تتمتع بميزات نسبية، ومن أبرز المشروعات المُنجزة: تطوير مصنع أسمنت العريش بإضافة الخطين 3 و4 ليصل إجمالى الطاقة الإنتاجية إلى 6.9 مليون طن سنوياً، وإنشاء مجمع الرخام بالجفجافة وسط سيناء بتكلفة 805 ملايين جنيه وطاقة إنتاجية 3 ملايين متر مربع سنوياً، ومصنع الرخام والجرانيت برأس سدر بتكلفة 727 مليون جنيه يضم خطين للرخام وخطين للجرانيت بطاقة 1.5 مليون متر مربع سنوياً. كما بلغت قيمة الاستثمارات فى المناطق الصناعية بسيناء ومدن القناة نحو 73.3 مليار جنيه خلال عام 2022/2023، مما يؤكد تحول سيناء إلى منطقة جذب صناعى واعد.

مشروعات الطاقة المتجددة

بلغت الطاقة الإنتاجية للمرحلتين الثانية والثالثة من مشروع تنمية حقول شمال سيناء نحو 135 مليون قدم مكعب من الغاز يومياً، كما تم تنفيذ 3 مشروعات كبرى لتخزين وتداول المنتجات البترولية فى السويس والبحر الأحمر وجنوب سيناء بتكلفة تتجاوز مليارى دولار، شملت إنشاء أكبر مستودع بسقف عائم لخزانات الزيت الخام فى جنوب سيناء بسعة 1.1 مليون برميل، وفى مجال دعم الغاز الطبيعى خلال الفترة من يوليو 2014 حتى سبتمبر 2024، تم تنفيذ أطوال خطوط توصيل بلغت 1361 كيلومتراً ليصل الإجمالى إلى 2376 كيلومتراً، بالإضافة إلى 60 محطة جديدة لتموين السيارات بالغاز ليصبح الإجمالى 84 محطة، و8 مراكز جديدة لتحويل السيارات ليصبح الإجمالى 18 مركزاً، مما يعكس نقلة نوعية فى قطاع الطاقة بشبه الجزيرة.

الاستراتيجية العمرانية

شملت الاستراتيجية التنمية العمرانية المتكاملة كأحد محاورها الأساسية، حيث عملت الدولة على تحسين وتطوير البنية التحتية وربط سيناء بباقى مصر. فتم حتى أكتوبر 2024 إنشاء ورفع كفاءة 5000 كيلومتر من الطرق والأنفاق، بتكلفة بلغت 35 مليار جنيه للأنفاق الخمسة أسفل القناة، و990 مليون جنيه لإنشاء 7 كبارى عائمة فوق الممر الملاحى،بالإضافة إلى 4 أنفاق سيارات (2 بشمال الإسماعيلية و2 بجنوب بورسعيد)، وفى قطاع السكك الحديدية، يُنفذ مشروع القطار الكهربائى السريع (السخنة - العلمين - مرسى مطروح) بطول 675 كيلومتراً و21 محطة، وخط سكة حديد (الفردان - بئر العبد - العريش - طابا) بطول 500 كيلومتر، وجارٍ تنفيذ المرحلة الأولى من الفردان حتى بئر العبد بطول 100 كيلومتر، مما يعيد رسم خريطة المواصلات فى شبه الجزيرة.

كما اتسعت خريطة التنمية لتشمل مشروعات الإسكان الاجتماعى وتطوير المناطق العشوائية، حيث تم تنفيذ 56.3 ألف وحدة إسكان اجتماعى،إلى جانب تطوير 54.5 ألف وحدة ضمن خطة القضاء على العشوائيات غير الآمنة، لتصبح المنطقة خالية تماماً من تلك التجمعات الخطرة، وفى قطاع الخدمات الأساسية ارتفعت نسبة توصيل الغاز الطبيعى للوحدات السكنية بنسبة 70.9 فى المائة، ليصل عدد الوحدات المتصلة إلى 656.3 ألف وحدة فى سبتمبر 2024 مقابل 384 ألف وحدة فى يونيو 2014، كما زاد عدد المنشآت التجارية المرتبطة بالشبكة بأكثر من 4 أضعاف ليصل إلى 4704 منشآت مقابل 1056 فقط، مما يعكس التحسن الكبير فى البنية التحتية وتوسع نطاق التنمية العمرانية فى المنطقة.

وفى هذا الشأن، أكد الدكتور حسن مهدى،أستاذ هندسة الطرق بجامعة عين شمس، أن الدولة منذ عام 2014 أولت اهتماما كبيرا بتطوير شبكة المواصلات والبنية التحتية فى إقليم سيناء، الذى يضم محافظات شمال وجنوب سيناء، إلى جانب الإسماعيلية وبورسعيد والسويس، فهذا الإقليم يمثل نحو 6‎ فى المائة من إجمالى مساحة الجمهورية، والدولة رصدت استثمارات ضخمة لقطاعات البنية الأساسية والنقل داخل هذا الإقليم، انطلاقاً من قناعة بأنه إحدى المناطق الواعدة تنموياً، فضلاً عن ارتباطه الوثيق بملف الأمن القومى،الذى يتطلب توافر شبكة مرافق قوية، تتصدرها منظومة نقل حديثة قادرة على دعم خطط التنمية وتحقيق الاستقرار.

وأوضح أستاذ هندسة الطرق بجامعة عين شمس، أن مفهوم تطوير شبكة المواصلات فى سيناء لم يعد يقتصر على إنشاء طرق تقليدية بل أصبح منظومة متكاملة تضم محاور وأنفاقا وشرايين ربط حديثة غيرت خريطة الحركة بشكل جذرى،فالدولة نفذت شبكة طرق واسعة داخل الإقليم، إلى جانب إنشاء مجموعة من الأنفاق الاستراتيجية أسفل قناة السويس، تشمل عدد 2 أنفاق شمال الإسماعيلية وعدد 2 أنفاق جنوب بورسعيد، فضلاً عن نفق الشهيد أحمد حمدى القديم وتطويره، وإنشاء نفق الشهيد أحمد حمدى 2، ليصلv إجمالى الأنفاق الرابطة بين ضفتى القناة إلى ستة أنفاق، فكل هذه المشروعات أحدثت نقلة نوعية فى سهولة الوصول إلى سيناء، حيث تقلص زمن العبور إلى نحو 20 - 25 دقيقة فقط بعد أن كانت حركة الأفراد والبضائع تعتمد على المعديات وتستغرق ساعات طويلة بل وأيام فى بعض الأحيان، وهو ما كان يمثل عائقا كبيرا أمام التنمية.

وأضاف «مهدي»، أن هذا التطور لم يسهم فقط فى تسهيل حركة المواطنين بل انعكس بشكل مباشر على حركة التجارة ونقل البضائع، وساعد فى دمج سيناء اقتصادياً مع باقى محافظات الجمهورية، فكفاءة شبكة النقل تعد أحد أهم ركائز جذب الاستثمار وتحقيق التنمية المستدامة فى هذا الإقليم الحيوى،والدولة لم تكتفِ بالأنفاق بل أنشأت عددا من المحاور العرضية المهمة داخل سيناء مثل عرضى 1 و 2 و 3 و 4 والتى لعبت دورا حيويا فى تسهيل حركة الانتقال وربط مختلف المناطق ببعضها البعض، حيث إن هذه المحاور تحولت إلى شرايين رئيسية للتنمية؛ إذ ساهمت فى رفع القيمة الاقتصادية للأراضى التى تمر بها، وجذبت أنشطة استثمارية متعددة، كما أن لهذه الطرق بعدا أمنيا لا يقل أهمية، حيث دعمت من قدرة الدولة على فرض السيطرة وتحقيق عنصر الردع، وأسهمت فى تأمين المنطقة، وهو ما كان إحدى الركائز الأساسية فى جهود القضاء على الإرهاب داخل سيناء.

ومن جانبه أكد اللواء الدكتور رضا فرحات، نائب رئيس حزب المؤتمر وأستاذ العلوم السياسية، أن تجربة التنمية فى سيناء تمثل نموذجا متكاملا لإدارة الملفات الاستراتيجية بعقلية حديثة تقوم على التخطيط العلمى الدقيق، والتنفيذ المحكم، والمتابعة المستمرة وما تحقق خلال السنوات الاثنتى عشرة الماضية يعكس تحولا جذريا فى فلسفة إدارة الدولة لهذا الملف الحيوى، حيث لم تعد التنمية مجرد وعود مؤجلة، بل أصبحت واقعا ملموسا يستند إلى رؤية واضحة وإرادة سياسية حاسمة، فالدولة المصرية تعاملت مع سيناء باعتبارها أولوية استراتيجية، ليس فقط من منظور أمنى ولكن من زاوية تنموية شاملة تستهدف إعادة صياغة الخريطة الاقتصادية والعمرانية للمنطقة وحجم المشروعات التى تم تنفيذها يعكس إرادة سياسية واضحة فى تصحيح أخطاء الماضى،التى تمثلت فى التهميش وضعف البنية الأساسية وغياب الاستثمارات الحقيقية.

وأشار «فرحات» إلى أن إنشاء شبكة طرق ومحاور متطورة إلى جانب حفر الأنفاق التى ربطت سيناء بالوادى والدلتا بشكل دائم، كان بمثابة نقطة تحول فارقة، حيث أنهى العزلة الجغرافية التى عانت منها سيناء لعقود طويلة، فهذه المشروعات لم تكن مجرد بنية تحتية فقط، ولكنها شكلت قاعدة لانطلاق مشروعات تنموية فى مجالات الزراعة والصناعة والتجمعات العمرانية الجديدة، فالدولة تبنت نهجا متكاملا فى التنمية، يجمع بين الأمن والاستقرار من جهة، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى، وهو ما ساهم فى خلق بيئة جاذبة للاستثمار وتحقيق الاستقرار المجتمعى،خاصة مع التوسع فى إنشاء المدن الجديدة وتوفير الخدمات الأساسية من تعليم وصحة وإسكان يعكس رؤية طويلة المدى تهدف إلى توطين السكان وتحقيق تنمية مستدامة.

وأوضح «فرحات»، أن القيادة السياسية أدركت مبكرا أن التنمية هى السلاح الحقيقى لمواجهة التحديات، وأن تعمير سيناء يمثل ركيزة أساسية فى حماية الأمن القومى المصرى وما يحدث اليوم هو ترجمة فعلية لإرادة الدولة فى تحويل سيناء إلى مركز تنموى واعد قادر على استيعاب الاستثمارات وخلق فرص عمل حقيقية لأبنائها، واستمرار هذا النهج سيضمن تحقيق نقلة حضارية شاملة تعود بالنفع على الاقتصاد الوطنى وتعزز من مكانة مصر إقليميا ودوليا.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة