الشيخ عيسى الخرافين يؤكد أن تحرير سيناء هو يوم العزة والكرامة للمصريين، فلا يوجد شيء أغلى على الإنسان من استعادة أرضه المغتصبة من قِبل محتل، فالأرض عرض، فأبناء سيناء بعد نكسة 67 انخرطوا مع الجيش فى جمع المعلومات عن مواقع العدو وتوصيلها إلى رجال الجيش، وهذه المعلومات كانت واحدة من العوامل التى قلبت المعركة على رأس العدو الإسرائيلى، ويشدد على أنه كان هناك تعاون بين أبناء سيناء والجيش المصرى فى الكثير من الخطوط، وأن أبلغ مثال على ذلك مؤتمر الحسنة الذى كشف من خلال ما أذاعه الاحتلال فى ذلك الوقت عن رغبة أبناء سيناء فى الانفصال عن مصر وتكوين دولة مستقلة، ليخرج فى المؤتمر الشيخ سالم الهرش، وكان الإعلام العالمى كله ينقله مباشرة ليؤكد أن سيناء مصرية ويرددها ثلاث مرات، وأن الرئيس جمال عبدالناصر هو رئيس مصر، ومن أراد أن يتفاوض فى أى أمر يخص سيناء فليذهب إلى عبدالناصر. ويؤكد الشيخ عيسى أن موشيه ديان وزير الدفاع الإسرائيلى عندما سمع تلك الكلمات اصفر وجهه، وارتبك، وقام مهرولا، واقتاد طائرته الخاصة، وهرب سريعا، بعد صدمته أمام وسائل الإعلام التى أحضرها، ويؤكد الشيخ عيسى أن أبناء سيناء لن تتغير وطنيتهم لبلدهم جيلاً بعد جيل، فأهل سيناء دائما يحكون لأبنائهم البطولات والتضحيات التى قام بها أجدادهم وآباؤهم، ليؤكدوا لهم أنهم ضحوا من أجل بلدهم، وليزرعوا فيهم حب الوطن وترابه.
ويؤكد «الخرافين» أن السيناوية لم يترددوا لحظات بعد نكسة 67 فى التعاون والتنسيق مع الجيش المصرى، حيث عرضوا الأمر على الرئيس عبدالناصر من خلال أحد الضباط الذى كان يتواصل معهم، فأصدر الرئيس عبدالناصر قرارًا بإنشاء منظمة سيناء العربية التى انضم إليها 775 مجاهداً لم يكن فيهم مجاهد يعرف الآخر أو يعرف أنه من ضمن المجاهدين فى المنظمة، وكانت وجهة نظر المخابرات فى ذلك الشأن أنه إذا سقط واحد من المجاهدين، وقام الإسرائيليون بتعذيبه لن يعترف على الآخرين، وظل المجاهدون يعملون منذ النكسة حتى حرب أكتوبر، ويقول: «أنا تخفيت فى دور تاجر خضار، وكنت أتحرك داخل الأراضى الإسرائيلية. وفى إحدى المرات طُلب منى استطلاع معسكر إسرائيلى جنوب النقب، فدخلت بعربة الخضار من بوابة المعسكر، وبعد أقل من دقيقة وجدت سبع سيارات للعدو تجرى خلفى، فقلت لهم إننى تاجر خضار ولا أعرف الطريق وإننى تائه، فحذرونى من الاقتراب مرة ثانية من أى مكان به قوات للجيش الإسرائيلى، ولكن فى هذا الوقت كنت وصلت إلى المعلومات المطلوبة منى.
وفى إحدى المرات، طُلب منى استطلاع معسكر فى شرق بئر السبع بثلاثين كيلو مترًا، وطلبوا منى أن يكون بصحبتى أحد المجاهدين من أبناء سيناء، وكانت المرة الأولى التى أعرف أنه أحد أعضاء منظمة سيناء العربية؛ أخذنا السيارة التى كنا نتحرك بها، ولبسنا الزى الإسرائيلى، ووصلنا إلى المعسكر بعد أذان العشاء، ولكننا وجدنا كلابًا تحيط بالأسوار من كل ناحية، فاقترح زميلى أن نحضر سمًا للكلاب، ولكن قلت له إذا أحضرنا سماً للكلاب وأكلت السم، فالأمر يستغرق أربع ساعات حتى تموت، وقد ينكشف الأمر؛ فعدنا إلى سيناء فى اليوم الثانى. وفى معبر كرم أبو سالم، أوقفتنا قوات العدو، وقالوا لنا أين أنتم ذاهبون؟، وما أمر هذه الكلاب؟، فقلنا لهم إننا ذاهبون إلى الحاج إبراهيم، وكان تاجرًا يعرفه كل أفراد الجيش الإسرائيلى، وهذه الكلاب لأننا نرعى الأغنام، والذئاب تحاول افتراسها فى الليل ونحن نائمون، فسمحوا لنا بالمرور، أخذنا كلبتين وربطناهما أمام الكلاب الذكور، واستطعنا الدخول إلى المعسكر من خلال القفز على الأسوار، ووجدنا المعسكر كله عنابر، فقلت لزميلى: «أنت تتحرك على الناحية الشرقية وتحصر كم عدد العنابر، وأنا سأذهب إلى المنطقة الغربية وأحصر عدد العنابر فيها، ونرصد فى أقرب عنبر للسور كم عدد الدبابات فيه، وبالتالى يتم حصر عدد الدبابات فى العنابر ولم يستغرق هذا الأمر أكثر من خمس دقائق، وعدنا إلى غزة ومنها إلى سيناء، وتواصلت مع المندوب الذى أخبرنى أنهم يعرفون أنه معسكر احتياطى للمدرعات، ولكن لا يعرفون عدد المعدات به، وبهذه المعلومات اتضح الأمر لهم، ولكن عندما حكيت للضابط كيف نفذنا المهمة، قام ووضع قبلة على رأسى، وقال لى جيش به رجال أمثالكم لن يُهزم أبدا، وكانت تلك المهمة قبل حرب أكتوبر بسبعة أيام.
ويؤكد شيخ مشايخ سيناء أن المرأة السيناوية كان لها دور كذلك فى حرب الاستنزاف من خلال إخفاء أثر أفراد القوات المسلحة وتحركاتهم من خلال قطيع من الأغنام، حتى لا يتبعهم العدو أو يرصد تحركاتهم، وكذلك دورها فى توصيل المعلومات المهمة من رجال البدو إلى القوات المسلحة، والتى كان يصعب على الرجال التحرك فى أماكن محددة، فكانت المرأة السيناوية على قدم وساق بجانب الشباب والشيوخ.
الشيخ عيسى يؤكد أيضا أن سيناء غالية، وكل حبة رمال فيها ارتوت بدماء مصريين، سواء خلال حرب الاستنزاف أو فى معركة النصر فى 1973، والتى أعادت سيناء إلى المصريين.
حينما أوضح الشيخ عبدالعال أبو السعود الأخرسى أيضا أن عودة أرض سيناء جاءت بعد سلسلة كبيرة من الملاحم والبطولات التى سطرها الجيش المصرى، فبعد نكسة 67 والتى كانت انكسارا كبيرا لكل مصرى وخاصة أهالى سيناء، فبعد صدور أوامر الانسحاب بعد النكسة، كانت كمائن الإسرائيليين لهم بالمرصاد، وفى هذا التوقيت من شهر يونيو هو توقيت انتهاء المحاصيل الشتوية وبداية المحاصيل الصيفية، فكانت الأرض فى سيناء ليس بها أى أشجار أو مزارع يستطيع جنودنا الاختباء فيها، وكان اصطيادهم من قِبل العدو سهلاً للغاية، فهنا كان دور قبائل سيناء الذين شكلوا مجموعات عمل لحماية هؤلاء الجنود وتخبئتهم بعيدا عن دبابات وطائرات العدو وكذلك علاج المصابين، وبعد حرب 67 كانت هناك محاولات من قِبل العدو فى تغيير الهوية لأهالى سيناء، وتم عمل مؤتمر الحسنة، وكان هناك الكثير من الوعود من قِبل العدو الإسرائيلى لأبناء سيناء، فى مقدمتها أنهم سيجعلون سيناء دولة مستقلة، وقالوا لنا: «كل الخيرات الموجودة فى سيناء لكم فقط وسندعمكم بكل ما نستطيع وغيرها من عشرات الوعود»، وأكد قادة الجيش الإسرائيلى لنا أنه من سابع المستحيلات أن يستطيع المصريون عبور خط بارليف المنيع، وأن سيناء أصبحت تحت السيادة الإسرائيلية، ومن الأفضل لنا كأبناء سيناء أن يتم التعاون، ولكن كان هناك رفض قاطع من كل شيخ وسيدة وشاب وطفل من أهالى سيناء، لذلك كنا على يقين أن سيناء مصرية وستعود مصرية».
يتذكر الشيخ عبدالعال معركة الاستنزاف، وكيف كان يتعاون أهالى سيناء مع الجيش فى المعارك خلف خطوط العدو، فيؤكد أن كل عمليات الجيش المصرى خلف خطوط العدو كانت ناجحة لأن أهالى سيناء يعرفون كل شبر فى الأرض، وبالتالى فإن التخطيط الجيد كان وراء نجاح تلك العمليات، ويؤكد أنه فى تلك الفترة كان هناك عدد من ضباط المخابرات الحربية يتخفون فى وسط أهالى سيناء، ولم يحدث أن تم الكشف عن هوية أى منهم، ولم يحدث مثلا أن يقوم أحد من أهالى سيناء ببيع ضابط للعدو على الرغم من المكاسب التى كان يرصدها العدو لمَن يقوم بذلك، هذه هى وطنية أبناء سيناء، مشددا على أن حرب الاستنزاف كانت ثقيلة على جيش المحتل وتكبدوا خسائر فادحة على مدار ست سنوات، حتى وصلنا إلى السادس من أكتوبر عام 1973 وهو العام الذى استرد فيه المصريون جيشًا وشعبًا كرامتهم، فالتلاحم بين المصريين عامة كان أول سبب للنصر واسترداد الأرض الغالية التى رُويت بدماء شهدائنا، فلا يوجد بيت أو شارع أو حارة أو قرية لم يكن منها جندى أو ضابط فى الجيش، ويؤكد أن هذه الحرب لم تعرف عنها الأجيال الحالية الكثير عنها، ولا كمّ التضحيات والدماء التى بذلها المصريون من أجل هذه البقعة الغالية.
ويشدد «الأخرسى» على أن تحرير سيناء لم يكن حربا عادية، بل كانت حرب كرامة للمصريين الذين هتفوا «الله أكبر»، واستطاعوا عبور أكبر ساتر ترابى أنفق عليه العدو المليارات، وكان يُعرف بأقوى الحصون المنيعة، وأن الجيش الإسرائيلى هو الجيش الذى لا يُقهر فكانت مهمة الجيش المصرى بالحسابات العسكرية صعبة للغاية، فكيف يمكن لجيش أن يعبر قناة السويس، ومن بعدها خط بارليف، وينتصر على الجيش الذى كان يقول على نفسه إنه الجيش الذى لا يُقهر ومدعوم من الدول العظمى، ولهذا فإن عودة سيناء من المحتل هو يوم عيد للمصريين، فتحية لجيش مصر وشعبها، وأدام الله التلاحم والترابط بينهم.
ويضيف الشيخ عبدالله جهامة، رئيس جمعية مجاهدى سيناء أن تحرير سيناء أعاد العزة والكرامة للمصريين بعد النكسة التى كسرت ظهورنا فى 67، فتحرير الأرض من أيدى العدو المتغطرس الذى كان يؤكد كل قيادته فى ذلك الوقت أنه الجيش الذى لا يُقهر، وأن المصريين لن يمكنهم استعادة سيناء مرة أخرى، وأنها أصبحت جزءًا من إسرائيل، وحول دور المجاهدين وأبناء سيناء فى تحرير سيناء وما فعلوه ضد العدو خلال فترة الاستنزاف، أكد أن هذا الدور لا ينكره إلا جاحد، مشيرا إلى أن 5 يونيو كانت حربا غير متكافئة تماما، والعدو كان بقوة دولية وكان يومًا مشؤومًا علينا، حيث حصلت النكسة، لكن أبناء سيناء ومدن القناة جزء أساسى من نصر أكتوبر، موضحا أن الدور الوطنى لأبناء سيناء مع القوات المسلحة دور مهم جدا، وأبناء سيناء يتوارثونه جيلاً بعد جيل، فبعد النكسة لم يعد فى سيناء سوى أبنائها وبعض رجال المخابرات، وأنشأ الرئيس عبدالناصر فى ذلك الوقت منظمة سيناء العربية التى انخرط فيها كل أبناء سيناء ومدن القناة، مضيفا أن المجاهدين جعلوا سيناء كتابا مفتوحا أمام القوات المسلحة، من خلال رصد تحركات العدو وأماكن وجوده، وإرسالها للمخابرات المصرية، علاوة على أنه كانت هناك مجموعات كبيرة جدا من المجاهدين منهم مخصصون للتفجير، وآخرون لرصد معلومات وغيرها من العمليات.
وقال إن هناك عمليات كبيرة وبطولية لا تعد ولا تحصى، موثقة لدى القوات المسلحة، منها على سبيل المثال، عندما دمرت إسرائيل مطار جبل عتاقة بالسويس، تم الرد عليه من خلال مجموعة منظمة سيناء العربية، وفى العمق الإسرائيلى، كما أن أبناء سيناء نسفوا ودمروا خطوط الوقود وصهاريج البترول ومطار العريش، وأدوا أداء جيدا جدا من خلال مئات العمليات الفدائية خلف خطوط العدو.
ويضيف الشيخ جهامة أنه كانت هناك محاولات كثيرة من قِبل العدو فى محاولة السيطرة على أبناء سيناء، وجلعهم ينقلبون على الدولة المصرية خلال حرب الاستنزاف، وذلك من خلال الوعود البراقة، لكن الوطنية كانت الدافع المتأصل داخلهم بأن مصر لا تفرط فى شبر واحد من أرضها، حتى إنه فى مؤتمر الحسنة الذى كانت تخطط إسرائيل من خلاله لعزل سيناء عن مصر من خلال إعلان رغبة أبنائها فى الانفصال وتكوين دولة مستقلة، وهو ما يعنى أن مصر ليس لها الحق فى استعادة سيناء مرة أخرى، وتم استدراج موشيه ديان وزير الدفاع الإسرائيلى فى المؤتمر والذى كان يجمع كل وكالات الأنباء العالمية، لينقل إلى العالم أن أهالى سيناء يرغبون فى الانفصال عن مصر وتكوين دولة مستقلة، ليخرج رؤساء القبائل فى المؤتمر ليقولوا إن سيناء مصرية وإن أهالى سيناء لا يقبلون وطنا غير مصر، فسيناء أرض مصرية وستظل مصرية، وأوضح أن التنسيق والتعاون بين الجيش وأبناء سيناء لم ينقطع خلال سنوات الاستنزاف الذى تكبدت فيه قوات العدو الضربات القاصمة، واستمرت البطولات والملاحم، حتى تحقق النصر، وكُسرت كرامة الجيش الذى كانوا يقولون عنه إنه لا يُقهر، فأبناء مصر لا يعرفون المستحيل، ومصر لا تفرط فى شبر من أرضها، موضحا أن الرئيس عبدالناصر كرمهم وكذلك الرئيس السادات والرئيس مبارك، وتم منحهم نوط الامتياز من الطبقة الأولى.