رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الأمن السياسى والأمن الاجتماعى معًا


23-4-2026 | 17:07

.

طباعة
بقلـم: حلمى النمنم

نجح ضباط ورجال الأمن فى العثور على الرضيعة التى اختُطفت من مستشفى الحسين الجامعى وإعادتها إلى والدتها، اللافت فى الأمر هو سرعة الوصول إلى السيدة التى اختطفت الرضيعة، تم ذلك خلال 72 ساعة، رغم أن السيدة كانت منتقبة، ومن ثم فإن ملامح الوجه وبصماته كان من الصعب الوصول إليها، وقد تعمدت السيدة أن لا تترك خلفها أثرا أو خيطًا متصلاً يسمح بالوصول إليها. استقلت تاكسى من أمام المستشفى، ثم غادرته وركبت وسيلة أخرى، وهكذا عدة مرات، كى لا يستدل أحد عليها أو يكتشف أمرها، لكن عبر مجهود جبار ومتابعة متصلة، فضلا عن اتباع تقنيات حديثة فى تحليل صور السيدة، كما وضحت فى بعض كاميرات الشوارع.. وفى النهاية تحقق ذلك النجاح، وعادت الطفلة إلى حضن والدتها وأسرتها، وتولت النيابة العامة التحقيق فى الأمر.

 

هذا النجاح السريع يأتى بعد أسبوعين من نجاح رجال الأمن فى استعادة الإرهابى على عبد الونيس أحد قيادات حركة حسم، وهى واحدة من إفرازات جماعة حسن البنا الإرهابية، كان الإرهابى هاربًا فى إحدى الدول الإفريقية، أمكنت متابعته هناك، وبجهود جبارة تم تسليمه ليُحاكم على ما اقترفت يداه هو وجماعته من جرائم بحق مصر والمصريين.

ينبغى أن نضع العمليتين إلى جوار بعضهما، كل منهما جريمة نكراء مع فارق كبير، الإرهابى ومَن هم على شاكلته، يدخلون تحت مسمى «الأمن السياسى» ومتابعة الجريمة السياسية، أما السيدة التى خطفت الطفلة الرضيعة، فهى تدخل فى باب الجريمة الاجتماعية، ومن ثم «الأمن الاجتماعى».

المشهد أمامنا يقول إن وزارة الداخلية فى عملها، خاصة منذ سنة 2014، تتابع الأمن السياسى وكذا الأمن الاجتماعى والاقتصادى وكل جوانب الأمن، والنجاح يتحقق فى كل مجال، وهذا يعكس التوجه السياسى العام لدى الدولة ويؤكد عليه الرئيس السيسى باستمرار.. أمن المواطن والإنسان المصرى، وحماية كرامته وسلامته، من أى تهديد، سواء كان تهديد الجماعة الإرهابية أو تهديد لص ومجرم محترف. ويُحسب لرجال «الداخلية»، خاصة مع وجود وزير هادئ وصامت يعمل بدأب، بعيدا عن منطق «الشو» هو اللواء محمود توفيق وفريق العمل معه من معاونيه ومساعدين وضباط فى كل موقع وفى أنحاء مصر.

والحق أن ما تعرضت له وزارة الداخلية فى يناير 2011، تحديدًا يوم 28 يناير، ثم محاولة العبث بأمن البلاد فى العام الأسود الذى حكمت فيه الجماعة الإرهابية البلاد، وما قامت به وزارة الداخلية خلال هذه السنوات يستحق أن يسجل وأن يدون، نتذكر المحاولة الفاشلة لاغتيال اللواء محمد إبراهيم وزير الداخلية، ثم الجهد الذى بُذل فى التصدى لجرائم حركة حسم والجرائم التى كان يخطط لها ويأمر بتنفيذها محمود عزت زمن الوزير السابق الرجل الكفء والخلوق اللواء مجدى عبدالغفار، وصولًا إلى اليوم مع اللواء محمود توفيق.. دور متواصل وعمل مؤسسى كفء ومحترف، فى القيام بالمهام الأمنية، على أوسع نطاق وفى مواجهة الجريمة والخروج على القانون.

هذا الدور يستحق أن نتوقف عنده، نحن الذين عايشنا تجربة مصر مع الإرهاب والإرهابيين، خاصة سنوات الثمانينيات وما بعدها، حين عاد إلينا مَن أطلق عليهم وقتها «الأفغان العرب»، وسقط من رجال الأمن شهداء كثر، وبدا أن ملف الأمن السياسى صارت له الأولوية الأولى، وعلى صفحات هذه المجلة «المصوّر» نشرنا فى أكثر من تحقيق صحفى ملاحظة عدد من خبراء المركز القومى للبحوث الاجتماعية من تجاهل ملف «الأمن الاجتماعى»، وطرحنا ذلك على اثنين من وزراء الداخلية، فى جلسة «حوار الأسبوع» التى كانت «المصوّر» تعقدها –أسبوعيا- زمن رئيس التحرير الراحل أستاذنا مكرم محمد أحمد، الوزيران هما اللواء محمد عبد الحليم موسى ثم اللواء حسن الألفى، والحق أن كلاً منهما كان فى موقف صعب، كانت الإمكانات محدودة بالنسبة لرجال الأمن، والنخبة كانت منقسمة، ولم تحسم أمرها بعد من جماعات الإرهاب..

والواقع أن تاريخ رجال الأمن ودورهم يشهد بنجاحهم فى مواجهة الجريمة والمجرمين.. فى سنة 1921 أمكن لرجال الأمن بالإسكندرية الوصول إلى عصابة اختطاف النساء وقتلهن، التى عُرفت إعلاميا وصحفيا باسم عصابة «ريا وسكينة»، وهناك قضية «خط الصعيد»، وقد أمكن للضابط العظيم صالح حرب الوصول إليه والقبض عليه حيًّا وتجنب استعمال السلاح خوفًا على زوجة الخط ووليدها، ثم هناك «السفاح» الشهير محمود أمين سليمان، الذى استقى نجيب محفوظ منه رائعته «اللص والكلاب»؛ كان السفاح قد تخصص فى السطو على بيوت علية القوم وسرقتها، بدءًا من فيلا مدير مكتب المشير عبدالحكيم عامر وحتى فيلا كوكب الشرق أم كلثوم.. والمعنى أنه تاريخيا كان الأمن الاجتماعى له الأولوية ويحقق رجال الأمن فيه نجاحات عديدة، وكانت الجرائم السياسية محدودة فى ذلك الوقت، كان معظمها يدور فى نطاق مواجهة الاحتلال البريطانى، ثم راح بعض المواطنين يتجهون إلى الانتقام من أولئك الذين عُرفوا بأنهم «أعوان الاستعمار» أو «رجال الاستعمار».

ويجب القول إن الجرائم السياسية فى ذلك الوقت كانت تتعلق بمواجهة الاستعمار والاحتلال الأجنبى، وكانت تجاه أفراد من السياسيين، لكنها لم تكن بقصد هدم مؤسسات الدولة ولا تقويض الدولة الوطنية ولا ترويع عموم المصريين.. انطلقت من دافع وطنى وليس وفق أيديولوجية سياسية تريد تأديب المواطنين وهدم الوطن بأكمله، كما تفعل وتخطط جماعة حسن البنا.

والذى حدث فى الثمانينيات كان غير مسبوق فى تاريخ مصر، ميليشيا مسلحة، خلايا عنقودية، تم تدريبها وتجهيزها، وكان هناك مناخ سياسى منذ منتصف السبعينيات يميل إلى التسامح مع تلك الجماعات، واعتبارهم خطرا مؤجلا أو يمكن ترويضه والتفاهم معه، لكن اكتشف صانع القرار متأخرا جدا سنة 1980 خطورة الموقف، وأن مَن جرى النظر إليهم والتعامل معهم باعتبارهم «أولاد طيبين» صاروا إرهابيين بالفعل، وتم اغتيال الرئيس السادات، ثم وقعت مذبحة رجال الأمن فى مديرية أمن أسيوط بعد اغتيال الرئيس مباشرة، وهكذا لم تعد مسألة الأمن السياسى تتعلق بأفراد أو مجموعة صغيرة هنا أو هناك تناوئ الدولة أو أحد سياسييها، وقد يصل الأمر إلى حدود العنف، مع جماعة الإرهاب. كان وما زال الأصل لديهم هو العداء الوجودى للدولة والعمل على إسقاطها نهائيا، وكانت البداية برجال الأمن ورجال الفكر والعلم.. معظم وزراء الداخلية جرت محاولات اغتيالهم، حيث تم اغتيال رئيس الوزراء ووزير الداخلية محمود فهمى النقراشى سنة 1948 واللواء سليم زكى حكمدار العاصمة، ومنذ مطلع الثمانينيات تعرض كل وزير للداخلية تقريبا إلى محاولة اغتيال، محاولة واحدة على الأقل.. فضلاً عن امتداد جرائم الإرهاب إلى مؤسسات المجتمع، استحلال محال الذهب المملوكة لمصريين أقباط، تدمير أبراج الكهرباء، إشعال النار فى عدد من المبانى، وغير ذلك كثير.. وهكذا توجه جهد رجال الأمن لمواجهة ذلك السرطان الذى حاول أن يلتهم الدولة والمجتمع.

هذا التركيز خلق وقتها إحساسًا لدى بعض الكتاب والمحللين أن هناك تجاهلاً لقضايا الأمن الاجتماعى، خاصة أن تلك الفترة شهدت انتشار بعض موجات العنف المجتمعى وجرائم المخدرات.

ويجب القول إن المناخ العام فى تلك الفترة كان مضطربا، مما أثر على التعامل مع ملف الإرهاب والإرهابيين، كان الأمن يواجه الإرهابيين، وكان رجال الصحافة والفكر يواجهون الفكر الذى يحرك جماعات الإرهاب، مما عرض بعضهم إلى انتقام الإرهابيين؛ اغتيال د. فرج فودة، صيف سنة 1992 أمر كاشف، محاولة اغتيال نجيب محفوظ بعده بعامين 1 أكتوبر 1994، حالة هزت الدنيا يومها.

رغم هذا كان الأمر مربكًا، كانت الجماعة التى هى أصل الإرهاب فى مصر وفى المنطقة كلها، يسمح لرجالها بدخول البرلمان ويصبحون هم رموز المعارضة.. كان لهم 88 نائبا، كانت علاقة عرفية غريبة، الحظر القانونى والتواجد الفعلى فى البرلمان حيث النفوذ والسطوة.

وبعد ثورة 30 يونيو والمواجهة الشرسة التى خاضتها الدولة مع جماعة الإرهاب وذيولها، تكونت فلسفة جديدة للأمن عموما، يتبناها الرئيس السيسى، تتركز فى أن الهدف النهائى الحفاظ على مؤسسات ومقدرات الدولة، وذلك يتمثل فى حماية المواطن أولا، حماية حياته وأمنه وصيانة كرامته وإنسانيته.. وبهذا المعنى، فإن أطرافًا كثيرة وجهات عدة تقوم بواجبها، بدءًا من إثارة الوعى العام بالمخاطر المخيفة وضرورة مواجهتها.. إثارة الوعى هو الشغل الشاغل للصحف وأجهزة الإعلام والثقافة والشباب والأوقاف، أما الأمن فى الجانب المباشر منه أو العمل على الأرض فيتولاه رجال الداخلية.

على مستوى الأمن كاختصاص واحتراف، فإن أجهزة الدولة تتعاون لتحقيق، كلٌّ فيما يخصه ونطاق عمله، وبالنسبة لرجال الداخلية وعليهم العبء الأكبر، إن لم يكن كله ثم تحديث كافة الأجهزة وإمدادهم بالوسائل التكنولوجية الحديثة، فضلا عن التدريب المستمر ومواكبة الطرق العصرية.. وإذا كانت حياة المواطن وأمنه وسلامه هى الهدف، هنا تستوى القضايا الجنائية، السياسى منها والاجتماعى.. والحق أن رجال الأمن نشطوا فى السنوات الأخيرة فى كثير من الجوانب، لم تكن موضع اهتمام كبير من قبل، صحيح أنه لم يكن هناك تجاهل لها، لكن لم تكن ذات أهمية لدى المجتمع ولدى الدولة؛ من ذلك ظاهرة التحرش فى الشوارع والميادين العامة وأماكن التجمعات فى الأعياد والعطلات الرسمية والإجازات، النموذج وقائع التحرش الشائنة فى ميدان التحرير عامى 2012، 2013 وكانت ممنهجة، وقف خلفها تيار الفوضى وجماعة الإرهاب وما كان يحدث أمام دور السينما لحظة بدء الحفلات والخروج منها وغير ذلك.. كل هذا تراجع بقدر كبير جدا بفضل المتابعة الأمنية الدقيقة.

ونشط رجال الأمن فى السنوات الأخيرة وراحوا يتابعون بجدية استغاثات وشكاوى بعض المواطنين مما يتعرضون له من مضايقات، انتشرت تلك الحالات على السوشيال ميديا وتقوم جهات الأمن بالتعامل الجاد معها والوصول إلى الحقيقة فيها.

وما يُحسب الآن لهذه المنظومة، أنه حين يقع تجاوز من أحد أفرادها تتم محاسبته فورا، لم يكن ذلك يحدث من قبل بهذه السرعة ولا كان يُعلن للرأى العام.. الآن اختلف الأمر كثيرًا.

المسألة الأمنية تتعلق بأطراف عديدة؛ الطرف الأول هو المواطن والمجتمع مع رجال الأمن.. والملاحظ –الآن- أن هناك حالة من الثقة بين الطرفين، فضلا عن التعاون- تتبدى الثقة فى لجوء المواطن إلى رجال الأمن بمجرد أن يتعرض لمشكلة، ليس بالضرورة أن يتقدم ببلاغ ولا حتى أن ينشر شكوى عبر الصحف كما كان يحدث من قبل، بل يكفى أن يبث شكواه عبر السوشيال ميديا.

وفى ظل الظروف التى تمر بها المنطقة، وانتشار الميليشيات والجماعات التى تحاول أن تعمل خارج إطار الدولة وتصبح كيانًا موازيًا، على المستويين السياسى والوطنى، أو حتى على المستويين الاقتصادى والاجتماعى.. تجار المخدرات الذين يعملون على جعل المخدرات مزاجًا لكل مواطن، المحتكرون الذين يقومون بتهريب وتخزين المواد الغذائية أو مواد الطاقة وغيرها، فضلا عن المشاكل التى تقع بين الأفراد فى التعاملات اليومية، وما يصاحبها من خلافات وصراعات، حتى داخل الأسرة الواحدة.. فى ظل هذا كله يصبح الأمن مسألة جوهرية لحماية المجتمع وأمن أفراده، فضلاً عن الحفاظ على هيبة الدولة ورسوخ مؤسساتها.

عودٌ على بدء، فإن استعادة الطفلة الرضيعة التى اختُطفت من داخل مستشفى الحسين الجامعى تعد ملحمة حقيقية، ملحمة نجاح لضباط ورجال الداخلية، وقبل أسبوعين إلقاء القبض على الإرهابى الخطير على عبدالونيس، والحصول منه على اعترافات تفصيلية بأحوال التنظيم وخططه وتمويلاته والضالعين فيه.. كل هذا يجعلنا نثق فى أولئك الذين يتولون الملف الأمنى، بدءًا من اللواء محمود توفيق وزير الداخلية وسائر رجاله من ضباط وجنود.. حمى الله مصر والمصريين.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة