فى تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائى والصادر وسط شكوك حول وقف إطلاق النار وضبابية مستقبل هذه الحرب، حذر البرنامج من أن العالم يواجه «صدمة ثلاثية» تشمل الطاقة والغذاء والنمو الاقتصادى، حيث أوضحت الوكالة والتى تعنى بمكافحة الفقر أن الصراع يقوض المكاسب التى تحققت فى التنمية الدولية، وإن كان تأثيره متفاوتا بين الدول.
كما ذكر إلكسندر دى كرو، مدير البرنامج الإنمائى، رئيس وزراء بلجيكا السابق، أن «صراعًا كهذا يعد تراجعًا للتنمية حتى لو توقفت الحرب فإن آثارها باتت واضحة، وحذر دى كرو من الآثار البالغة التى سيشهدها العالم لا سيما فى الدول الفقيرة، وهذا هو الجانب الأكثر إيلامًا» على حد تعبيره عن هذه الحرب، فالذين يدفعون إلى الفقر غالبا هم مَن كانوا يعيشون فى الفقر، ثم انتشلوا أنفسهم منه، ليعودوا إليه الآن.
ومن أبرز هذه الأسباب هى ارتفاع أسعار الطاقة بشكل حاد خلال الأسابيع الستة التى تلت أولى الغارات الأمريكية الإسرائيلية الجوية على طهران، حيث أدى ذلك إلى إغلاق مضيق هرمز من قِبل إيران وبالتالى انقطاع إمدادات النفط والغاز عن الاقتصاد العالمى، وما تبع ذلك من آثار سلبية على إمدادات الأسمدة والشحن العالى، الأمر الذى دفع العديد من الخبراء للتحذير من أن «قنبلة موقوتة للأمن الغذائى» قد زُرعت فى العالم النامى.
التقرير الذى نشره البرنامج الإنمائى بالتزامن مع اجتماع قادة العالم فى واشنطن لحضور اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولى، أكد ضرورة استجابة عالمية لدعم الدول الأكثر تضررًا من التداعيات الاقتصادية، وأشار البرنامج إلى الحاجة إلى التحويلات الموجهة والمؤقتة لحماية الأسر الأكثر ضعفا فى الدول النامية، بتكلفة تقدر بنحو 6 مليارات دولار أمريكى للتخفيف من آثار الصدمات على مَن يقعون تحت خط الفقر.
ووجه «دى كرو» أن «الوكالات الدولية وبنوك التنمية يمكنها المساعدة وتقديم هذا الدعم المالى، مضيفًا أن «هناك عائدا اقتصاديا إيجابيا من تقديم تحويلات نقدية قصيرة الأجل، لتجنب عودة الناس إلى براثن الفقر، ويمكن أن تشمل التدخلات البديلة تقديم إعانات مؤقتة أو قسائم للكهرباء أو غاز الطهى».
وفى الوقت ذاته، حذر البرنامج من الدعم الشامل لأنه سيدعم الأسر الأكثر ثراءً دون داعٍ، وسيكون غير مستدام ماليًا على المدى الطويل، وبعد عرض ثلاثة سيناريوهات للحرب، وجد البرنامج أنه فى أسوأ الحالات التى تضمن ثمانية أشهر من ارتفاع التكاليف المستمر سيقع ما يصل إلى 32.5 مليون شخص حول العالم إلى براثن الفقر.
استخدم التقرير خط الفقر للفئة المتوسطة العليا، وهو معيار دولى يستخدمه البنك الدولى، ويقدر أنه الدخل الذى يقل عن 8.30 دولار أمريكى للفرد يوميا. وسيتركز نصف الزيادة للفقر العالمى فى مجموعة الدول 37 المستوردة الصافية للطاقة فى منطقة الخليج وإفريقيا وآسيا والدول الجزرية الصغيرة النامية.
وأشار البرنامج إلى أنه «فى حين أن الدول الغنية فى وضع أقوى للتخفيف من التداعيات الاقتصادية للحرب، فإن دول الجنوب العالمى تعانى من وضع أصعب وأضعف وتواجه قيودًا مالية شديدة».
ويأتى هذا الخبر فى وقت تخفض فيه الحكومات الغربية، بما فيها الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، إنفاقها على المساعدات وسط ارتفاع مستويات الاقتراض والديون حتى فى الاقتصادات المتقدمة، والاتجاه إلى زيادة الإنفاق الدفاعى.
وأظهرت بيانات منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية التى نُشرت الأسبوع الماضى، أن الدول الأعضاء فى لجنة المساعدة الإنمائية التابعة لها خفضت إنفاقها على المساعدات بمقدار 174.3 مليار دولار أمريكى فى عام 2025، أى أقل بنحو الربع من عام 2024، غير أن هذه الدول تعانى هى الأخرى من آثار هذه الحرب، وأولها زيادة أسعار المحروقات لأكثر من ثلاثة أضعاف فى أكثر هذه الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة، وإذا استمر إغلاق إيران لمضيق هرمز ستقع أمريكا وأوروبا فى مأزق، وربما لن تجد سوى روسيا لاستيراد النفط منها ما يعزز الموقف الروسى فى المنطقة.
بدورها، المديرة العامة لصندوق النقد الدولى، كريستالينا جورجيفا، حذرت على هامش ختام اجتماعات الربيع يوم الجمعة الماضى من أن الأزمة فى الشرق الأوسط ستظل تشكل تهديدا خطيرا للاقتصاد العالمى، حتى لو انتهى الصراع غدا.
وقالت «جورجيفا»: إن «هناك نحو اثنتى عشرة دولة قد تحتاج لدعم إضافى من المقرضين الرسميين فى حال تدهور الأوضاع»، موضحة أن «معظمها فى إفريقيا، وما بين خمس إلى ثمانى دول مشاركة فى برامج صندوق النقد الدولى التى قد تتطلب زيادة فى التمويل».
كذلك، سلطت المديرة العامة لصندوق النقد الدولى، الضوء على الضغوط التى تعانى منها البلدان الأفقر والتى لديها حاجز مالى ضيق، وبالتالى تكون أكثر عرضة للصدمة التضخمية، مضيفة أن «غالبية بلدان إفريقيا جنوب الصحراء تقع فى هذا الربع من الهشاشة، وقد خفض صندوق النقد توقعاته للنمو فى الاقتصادات الناشئة بمقدار 0.3 نقطة مئوية، بينما ظلت التوقعات للاقتصادات المتقدمة ككل دون تغيير، على الرغم من أن أغلب هذه الدول تأثر هو الآخر بالحرب وارتفاع الأسعار ونقص الوقود».
وفى السياق، أفاد تقرير الصندوق بأن أكثر من ثلث دول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى معرضة لخطر كبير من أزمة الديون، فى حين أن العجز المالى فى 21 دولة منها يتجاوز المستويات اللازمة لتحقيق استقرار الديون، ومن المقرر أن يجتمع صندوق النقد الدولى والبنك الدولى لتقييم الدول الأكثر عرضة للخطر وحجم الدعم المطلوب، وذلك فى إطار دراسة مجموعة من خيارات التمويل المتاحة.
ومع ذلك، صرحت إيزابيل ماتيوس إى لاغو، كبيرة الاقتصاديين فى بنك بى إن بى باريبا، بأنها تتوقع أن تؤدى صدمة الطاقة إلى تفاقم الفجوة ليس فقط بين الدول الغنية والفقيرة، بل داخل الولايات المتحدة نفسها -وهو اتجاه يُشار إليه غالبًا باسم الاقتصاد ذى الشكل K. يقع جزء كبير من عبء ارتفاع أسعار الوقود على عاتق الفقراء الأمريكيين، الذين يميلون إلى إنفاق نسبة أكبر بكثير من دخلهم على الوقود مقارنة بنظرائهم الأكثر ثراءً.
وهذا اتجاه آخر يحذر منه أغلب الفقراء وهو اتساع الفجوة، ليس بين الدول نفسها بل بين الفقراء والأغنياء فى نفس الدول، حتى فى الولايات المتحدة والدول الأوروبية ذاتها، ففى المملكة المتحدة حيث يتم توليد معظم الكهرباء من خلال الغاز الطبيعى والطاقة المتجددة، وصلت أسعار البنزين إلى أعلى مستوى لها منذ 18 شهرًا بسبب ارتفاع أسعار النفط العالمية، وفقًا لمنظمة السيارات راك.
والحال لم يختلف كثيرا فى الولايات المتحدة التى ارتفع سعر النفط فيها إلى 4 دولارات للجالون بزيادة بنحو 40 فى المائة قبل اندلاع الحرب، هذا بالإضافة إلى ارتفاع معدل التضخم إلى مستوى غير مسبوق، ما يزيد الفجوة بين الطبقات فى أمريكا.
آسيا لم تنجُ هى الأخرى من هذه الحرب، حيث تستورد الدول الآسيوية كميات كبيرة من النفط من منطقة الخليج، أما الصين فيُصدر إليها نحو 90 فى المائة من الخام الإيرانى، وزيادة أسعار هذه الإمدادات من الطاقة تعنى زيادة أسعار العديد من المنتجات والسلع، لأن أغلب هذه الدول تستخدم هذا النفط فى المصانع التى تصنع بدورها سلعًا يتم تصدير جزء كبير منها إلى الخارج، ما يعنى أنها حلقة متواصلة سيدفع فيها الفقير الثمن مهما كان موطنه.