رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«عيون الكاميرات».. استراتيجية أمنية لتأمين «الشوارع المصرية»


23-4-2026 | 17:04

.

طباعة
تقرير: وائل الجبالى

فى مشهد إنسانى امتزجت فيه دموع الفرح بدقات القلوب الواجفة، أعادت أجهزة الأمن بوزارة الداخلية طفلة رضيعة إلى حضن أمها، بعد ساعات قليلة من اختطافها من داخل مستشفى الحسين الجامعى، بعد أن أمر اللواء محمود توفيق وزير الداخلية رجاله بعودة الطفلة المخطوفة وضبط الجانى. لم تكن مجرد عملية ضبط عادية، بل كانت ملحمة تكنولوجية وبشرية، تثبت أن حماية المصريين هى الأولوية القصوى لرجال الشرطة الذين سخّروا أحدث كاميرات المراقبة وجهد المئات من الضباط لاستعادة الأمان؛ رجال مباحث القاهرة أعادوا الطفلة الرضيعة لأمها بعد ساعات من خطفها من مستشفى الحسين، الفرحة عمت القلوب، وعادت البسمة للأسرة.

منذ اللحظة الأولى، تعاملت الأجهزة الأمنية مع بلاغ الاختطاف بمنتهى الجدية والسرعة، حيث تتبع رجال المباحث خط سير الخاطفة، عن طريق 8 فرق بحث جنائى محترفة وأكثر من 122 كاميرا راقبت الطريق مسافة 60 كيلومترا قطعوها خلف الجانية، لم يهدأ لهم بال، ولم تغمض لهم عين حتى تم ضبطها وإعادة الطفلة سالمة، ليتضح فى البداية أن الخاطفة فور انهيارها توالت اعترافاتها، ولعل أغربها إشارتها إلى أنها نفذت خطة قديمة عمرها 44 سنة، نفس خطة خطف الطفل إسلام من مستشفى الشاطبى، وكأن الزمن يعيد نفسه فى حكاية تشبه الدراما، نفس تفاصيل مسلسل «حكاية نرجس» الذى عُرض فى رمضان الماضى.

وفى هذا السياق، قال اللواء أمجد شافعى، مساعد وزير الداخلية الأسبق، أن «واقعة خطف رضيعة من داخل أحد المستشفيات لم تكن مجرد حادث عابر، بل اختبار حقيقى لمدى يقظة الأجهزة الأمنية، ولطبيعة التحولات التى يشهدها المجتمع فى التعامل مع الجرائم مؤخرا، خاصة تلك التى تُرتكب تحت غطاء الثقة والود أو المظهر الخارجى».

وأضاف: منذ اللحظة الأولى، بدأت القصة باستغاثة، حين نشرت سيدة مقطع فيديو تستنجد فيه بعد اختطاف ابنة شقيقتها –رضيعة- لم يتجاوز عمرها عشر ساعات من داخل مستشفى الحسين، هذه الاستغاثة لم تمر مرور الكرام؛ إذ رصدتها أجهزة وزارة الداخلية فور تداولها، لتبدأ واحدة من أسرع عمليات التتبع الأمنى التى انتهت خلال 48 ساعة فقط، بعودة الطفلة إلى أحضان أسرتها وضبط المتهمة فى مدينة بدر شرق القاهرة، غير أن ما يستحق الوقوف عنده، ليس فقط سرعة الضبط، بل تفاصيل الجريمة ذاتها، التى تكشف عن قدر من التخطيط المسبق، واستغلال الثغرات الإنسانية.

اللواء «الشافعى»، لفت إلى أحداث الواقعة تبدأ قبل التنفيذ بوقت، حين كانت المتهمة البالغة من العمر 40 عاما تمر بأزمة نفسية حادة بعدما تعرضت للإجهاض، لكنها أخفت الأمر عن زوجها خوفًا من الطلاق بسبب عدم إنجابها، وقررت الاستمرار فى ادعاء الحمل حتى موعد الولادة المفترض، ومع اقتراب الموعد لم تجد أمامها سوى خيار إجرامى، وهو البحث عن رضيع حديث الولادة واختطافه لتدعيم روايتها الكاذبة، وفى يوم الواقعة، توجهت المتهمة إلى مستشفى الحسين الجامعى فى توقيت مدروس فى يوم الثلاثاء الموافق 14 إبريل الجارى، وتواجدت منذ الرابعة فجرًا، وقد بيتت النية على اختطاف طفل عقب ولادته، وبالفعل رصدت بحاستها الإجرامية أسرة جاءت من محافظة الشرقية، تحديدًا من مدينة العاشر من رمضان، بعد أن داهمت الأم آلام مفاجئة ظنتها إرهاقًا عاديًا، فذهبت للكشف مع زوجها ووالدتها، ليبلغها الطبيب بضرورة خضوعها لولادة قيصرية، لتخرج من غرفة العمليات مع ابنتها فى الساعة السابعة مساء.

وبحسب المساعد الأسبق لوزير الداخلية، فإن «الظروف المحيطة بالأسرة لعبت دورًا حاسمًا فى الجريمة؛ أم تحت تأثير البنج والإجهاد، وجدة مسنة وحيدة، وزوج منشغل بتوفير المستلزمات الطبية، هنا، وجدت المتهمة بيئة مثالية لتنفيذ خطتها الشيطانية، خاصة مع ارتدائها النقاب الذى حجب ملامحها تمامًا، حيث جلست إلى جوار الجدة، مدعية أن شقيقتها تلد داخل المستشفى، وبدأت فى نسج خيوط الثقة بهدوء وصبر شديدين، عبر الحديث الودى، وتقديم المساعدة، والتظاهر بالصلاح، بل وتعمدت الاختفاء والعودة على فترات لإحكام كذبتها مدعية ذهابها كل حين للاطمئنان على أختها ومولودها، ومع مرور الوقت، ظن الموجودون فى المستشفى أنها أحد أفراد الأسرة المرافقة مع الأم».

اللواء «الشافعى»، أكمل: جاءت لحظة التنفيذ فى توقيت بالغ الدقة حددته الخاطفة، حين طُلب من الزوج إحضار أدوية من خارج المستشفى، ثم دفعت الجدة للخروج من الغرفة بحيلة شيطانية، حين طلبت منها إعداد مشروب ينسون للرضيعة بحجة إصابتها بمغص وبكائها، هنا استغلت المتهمة انشغال الجميع، وتألم الأم نتيجة الجراحة القيصرية، وإجهادها، فما كان منها إلا أن حملت الطفلة وخرجت بها من المستشفى واستولت كذلك على هاتف الجدة، بينما كان هاتف الأم غير مشحون، لتعطيل أى محاولة استغاثة فورية، بالزوج، أو بأى أحد.

وأكد «الشافعى» أن الأجهزة الأمنية اعتمدت على منظومة تكنولوجية متكاملة، شملت تتبع مئات الكاميرات والرادارات على الطرق، وتحليل خط السير بدقة عالية، وقد شارك فى هذه العملية أكثر من 100 ضابط من قطاعات الأمن العام ومديرية أمن القاهرة، ضمن خطة استراتيجية محكمة، انتهت بتحديد مكان المتهمة خلال ساعات لم تتجاوز الـ48 ساعة، مشيرًا إلى أنه فى سياق هذه الواقعة، تتأكد حقيقة لم تعد محل نقاش، وهى أن فكرة الإفلات من الجريمة عبر التخفى بأى وسيلة، سواء بالنقاب أو بتغيير المظهر أو حتى بتبديل خط السير، لم تعد قائمة كما كانت فى السابق، ما حدث يوضح أن الجريمة لم تعد تُواجه وتُحل فقط بالتحريات التقليدية، بل بمنظومة متكاملة تعتمد على الرصد اللحظى، وتحليل الحركة، وربط الأحداث فى زمن قياسى.

بدوره، قال اللواء بهاء حلمى، مساعد وزير الداخلية الأسبق: الشرطة المصرية هدفها الأول والأخير حماية الناس، وتعمل فى كل مناحى الحياة وعلى مدار الساعة، لا تفرق بين قرية ومدينة ولا بين شارع وزقاق. واليوم، الأدوات اختلفت والفكر الأمنى تطور، فالشرطة تستخدم أحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا، مع الأخذ فى الاعتبار أن التقدم التكنولوجى الكبير له وجهان؛ وجه سلبى يستخدمه المجرمون فى تطوير أفكارهم العبثية، ووجه إيجابى مكّن رجال الشرطة من كشف غموض الجرائم المستحدثة، سواء كانت بلطجة أو دعارة أو سطوًا على أموال الناس أو حتى ترويج الشائعات والأكاذيب على صفحات التواصل، الهدف واحد وهو بثّ الفتنة وزعزعة أمن المواطنين، لكن الشرطة المصرية كانت ولا تزال سدًا منيعًا لكل هذه المحاولات.

وفى هذا السياق، أكد اللواء محمد نور الدين، مساعد وزير الداخلية الأسبق، أن «توافر الإمكانات اللوجستية يساعد الشرطة فى الإسراع بالوصول إلى المطلوبين، لكن الأهم يقظة رجال المباحث وخطة البحث الموضوعة وإخلاص الضباط فى تنفيذها، وفى قضية طفل مستشفى الحسين، اعتمدت الخطة على الكاميرات، ولكن تتبع خطوط السير ونظرية الاحتمالات التى تم وضعها فهى شغل بحث جنائى، وقد تمكن فريق البحث الموسع من إعادة الطفلة المخطوفة من أمها فى وقت قياسى، وهو ما يعطى نوعًا من الاطمئنان لقوة أجهزة الأمن فى الدولة.

أخبار الساعة