رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

البابا شنودة الثالث.. العملة النادرة


16-4-2026 | 18:12

.

طباعة
بقلـم: سناء السعيد

احتفل الإخوة الأقباط الأرثوذكس فى مصر بعيد القيامة المجيد الذى حل الأحد الماضى الموافق 12 من شهر أبريل الجارى، وذلك بعد انتهاء الصوم الكبير الذى استمر 55 يومًا. ويأتى الاحتفال عقب «الجمعة العظيمة» مباشرة. الذكرى تستحضر قداسته بوصفه موسوعة العطاء الفكرى النادر، وتستحضر تراثه الزاخر بالكثير، والذى تم من خلاله تعزيز قيم التسامح الدينى والوحدة والانصهار الوطنى القومى، ونبذ التعصب والتطرف، والدعوة إلى أن يسود السلام والمحبة والعدل وتحرير الإنسان، والبعد عن التوتر وإشعال الحروب. سيرته الثرية تستدعى حرصه على نشر دعاوى المحبة والتفاهم بين الكنيسة القبطية وسائر المؤسسات الدينية فى مصر والعالم لتظل للكنيسة القبطية مساهمتها القيمة فى شرح أبعاد العطاء الروحى والفكرى.

 

لم يكن من السهل نسيان هذا العملاق فكرًا وثقافة وحكمة. لقاءاتى العديدة مع قداسته تستدعى لى روحانيته الشفافة، فهو العملة الصعبة التى سكنت كل من اقترب منه وتعامل معه، اليوم أتذكر الحوارات التى أجريتها مع قداسته على مدى سنوات عديدة غمرنى خلالها بثقافة موسوعية عالية القيمة، ثقافة رائقة فى المعنى والمبنى، كان حريصا على أن يحلل كل حدث وكل قضية بموضوعية ودقة. ملك شفافية رحبة صرح من خلالها بالحقيقة. كان همه الأكبر يتركز على الوحدة الوطنية فى الداخل، والوحدة العربية فى الخارج. وكثيرا ما ردد أمامى الآية القرآنية: «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا»، ويأتى ذلك فى معرض دعوته للعرب بالتحلق حول كلمة واحدة والبعد عن الانقسام.

إنه العملة الذهبية النادرة، الشخصية الموسوعية الفريدة من نوعها، البابا شنودة الثالث كان قداسته رأس الحكمة والكنيسة معا إنه قيمة لا يستهان بها. يكفى ما قام به من ترسيخ قيم العلم والتعلم والمواطنة والتسامح الدينى ونشر دعاوى المحبة والتفاهم بين الكنيسة المصرية وسائر المؤسسات الدينية فى مصر والعالم. كان دائما وأبدا له إسهاماته القيمة فى شرح أبعاد العطاء الروحى والفكرى الذى قدمته الكنيسة القبطية للعالم عبر مراحل التاريخ الإنسانى والديني، يشهد له دعوته لحوار على أسس من الفهم المستنير لوظائف الأديان، وتعزيز جسور التواصل والتفاهم بين كافة المؤمنين فى أنحاء العالم؛ وضع الوحدة الوطنية لمصر فى مرتبة القداسة، ورأى فى الأخوة الإسلامية المسيحية عقيدة إيمان لا بد منها. دعا إلى تضافر العرب فى كل الأمور، فوحدتهم هى أساس القوة.

يمتعك الحديث مع قداسة البابا شنودة عبر الدفقات الروحية والذهنية الثاقبة؛ فهو موسوعة فكرية رائعة. جامع مانع. وجهات نظره لا يحكمها رد الفعل بل تصدر عن رؤية استراتيجية عميقة. يتمتع بقدرة فائقة على قراءة المتغيرات والمستجدات بالنسبة لأى قضية؛ يتحدث عن كل شىء بفيض من الحكمة والروية، إنه الينبوع الذى يتدفق الحكمة والنقاء والرفعة والاقتدار. مسكون بالرحمة والمحبة والود. يقف إلى جانب الحق وقوى الخير، ويرفع صوته دوما مبشرا بالسلام المبنى على العدالة والمساواة. إنه قداسة البابا شنودة القيمة والثقل الذى لا يستهان به. يكفى ما يقوم به من ترسيخ قيم العلم.

فى حواراتى معه غمرنى بفيض زاخر من المعلومات ساعده فى ذلك ذاكرته الحية اليقظة المتجددة التى تنبض بالكثير من المشاعر. كان ينبوعا من الحكمة لم يضن بها على أحد وإنما نثرها على الجميع، ولهذا جاءت عباراته وميضا من الحكمة الرائقة. حباه الله موهبة نادرة صاغ من خلالها بحرفية بليغة أجمل العبارات، فعندما يتحدث عن رجل الدين يقول: (يجب ألا يتم توظيف رجل الدين حسب الأهواء على أساس أنه قائد لا مقود)، وعن الإنسان الصالح يقول: (الإنسان الصالح يكون صالحا فى غاياته ووسائله أيضا)، وفى معرض حديثه عن معالجة الأمور يقول: (ينبغى معالجة الأسباب قبل النتائج)، وعندما يتطرق إلى عالمنا اليوم يقول: (العالم تحكمه القوة وليس السياسة ولا العدل)، ويقول عن إسرائيل: (إسرائيل واجهة للقهر والتسلط وسلب الحقوق واغتصابها)، وعن السياسة يقول: (السياسة غايتها المصلحة ووسيلتها القوة)، ويسوق نصيحة للعاقل فيقول: (فليصمت العاقل فى ذلك الزمان لأنه زمن رديء).

دعا قداسته إلى تضافر العرب فى كل الأمور حول رأى واحد، ذلك أن وحدتهم هى أساس القوة. وتحدث عن الحرية والظفر بها قائلا: «بأنها لا تؤخذ استعطافا وإنما تفرض بالقوة». وكما قال أحمد شوقى:

«وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق».

فإذا شعرت إسرائيل بأن العرب يطلبون منها تنفيذ القرارات بطريقة الاستعطاف فلن يجابوا، ولكن ومن ناحية أخرى يجب الحذر والأخذ فى الاعتبار ما قد تسفر عنه أية مخاطر غير محسوبة، ولهذا نلحظ أنه بعد حرب أكتوبر 1973 اختلفت الموازين، فقبل الحرب كان من الممكن للصواريخ الإسرائيلية البعيدة المدى أن تخرب مدن القناة. ولكن بعد حرب أكتوبر أصبحت إسرائيل تنظر لمصر نظرة أخرى، فهى تدرك أن لها جيشا قويا يتمتع بروح البطولة التى يستطيع بواسطتها مواجهتها).

وأسأله عن مشكلة حماية الأقليات فى مصر؟ فيقول:

«المشكلة حسمتها الكنيسة القبطية منذ القدم، فنحن لا نقبل أن يتم اعتبارنا أقلية داخل بلدنا، ولا نقبل حماية لنا من الخارج. نحن مصريون ونحب مصر وندافع عنها بكل قلوبنا، ولا نقبل أن يصيبها ضرر يمس سيادتها لأن أى تدخل أجنبى هو تدخل فى السيادة المصرية على أراضيها، وهذا بالقطع مرفوض».

وأسأله: ما هى الأرضية إذن التى يمكن التعويل عليها لحل أية مشاكل معلقة بالأقباط فى مصر؟ فيقول:

«مشاكلنا تحل داخل مصر وليس خارجها. وأى مطالب للأقباط تحل بروح الحب والتفاهم مع الدولة دون تدخل أى دولة أجنبية بيننا وبين بلادنا، وكما تشكلت لجنة مشتركة بين الكنيسة ووزارة الأوقاف وأمكنها حل مشكلة الأوقاف القبطية، كذلك يمكن أن تتكون لجان مشتركة فى بقية الأمور الأخرى، ويجلس المصريون مع بعضهم البعض فى حرية وصراحة يبحثون تلك المشاكل ويجرى حلها بحيث لا يتدخل أى أجنبى بينهم».

كان قداسته عملة نادرة ظفر بحب الجميع كقيمة وقامة دينية ووطنية وسياسية، إنه موسوعة العطاء النادر، أضفى بإنسانيته الرحبة شعورًا بالانتماء للوطن، كان نموذجا فى عالم القيم والمبادئ، ولهذا كثيرا ما يراود المرء شعور بأن قداسته لم يرحل عن دنيانا. إذ تبقى للعظيم بصماته وتعاليمه السمحة، ووميض نغماته الروحية. رحم الله قداسة البابا شنودة الثالث الذى لا أظن أن باستطاعة كل من تعامل معه أن يكون قادرا على أن ينسى هذا العظيم.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة