رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

زمــن التنيــن.. العالم يتهيأ لعصر «ما بعد أمريكا»


17-4-2026 | 12:58

.

طباعة
بقلـم: صلاح البيلى

لم تعد آسيا مجرد رقعة للصراع، بل أصبحت مسرحا لتحولات كبرى، فالصين تطرح نفسها كبديل أوحد للقوة العظمى، واليابان تتحفز لامتلاك الردع النووي، وكوريا تقود ثورة التقنية، وفى خضم هذا السباق المحموم تبرز المفارقة الهندية بالتحالف الوثيق مع إسرائيل، مما يضعنا أمام واقع إقليمى معقد يعيد تعريف موازين القوى العالمية.

 

هنا نتحدث عن كتاب «آسيا الجديدة» أحدث مؤلفات الزميل الكاتب الصحفى محمد إبراهيم الدسوقى رئيس تحرير الأهرام المسائى وبوابة الأهرام، وهو صادر عن هيئة الكتاب المصرية ويأتى فى 200 صفحة من القطع الصغير، ويطرح آثار التغييرات السياسية والجيوسياسية التى تشهدها آسيا فى ظل نظام عالمى جديد دائم التغيير ويفتقد إلى الثبات، خاصة مع صعود اليمين المتطرف والشعبوية مع ترامب واستغلال الأقوى للضعفاء فى العالم دون اعتبار للمنظمات الأممية مثل الأمم المتحدة، ولذلك شهدنا مؤخرا الصراع الروسى – الأوكرانى دون حسم، ثم عدوان نتنياهو على لبنان وسوريا وغيرهما دون رادع، ومحاولة تطويق مصر والسعودية عبر جنوب البحر الأحمر، وتثبيت موطأ قدم فى أرض الصومال وإثيوبيا، ثم انفجار الحرب الكارثية عالميا بين إسرائيل وأمريكا من جهة وإيران من جهة أخرى، وكلها صراعات دون حسم نهائى!.

يضم الكتاب ستة فصول هى على الترتيب: (الصين حان وقت إظهار قوتنا، اليابان تخلع عباءة السلمية، كوريا الجنوبية دولة محورية عالمية، الهند وتحولات موازين القوى، مصير التكتلات الإقليمية ومستقبل الدور السياسى والعسكرى الأمريكي).

بعد الإهداء الذى قدمه الكاتب لأبيه، يقول فى مقدمته: إنه من رحم الصراع الطاحن والشرس فى منطقة المحيطين الهادئ والهندى تولد آسيا الجديدة، التى سيكون ميلادها إيذانا بمخاض النظام العالمى الجديد المرتقب؛ إما نحو تعددية قطبية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا، وإما ثنائية بين الصين وأمريكا.

إن بزوغ آسيا الجديدة بات قاب قوسين أو أدنى، فالصين حاولت نقل الثقل الحضارى والسياسى من القارة الأوربية وأمريكا إلى آسيا، وأن يصبح التنين الصينى مركزه النابض وعقله المفكر وتؤمن باستحقاقها ذلك، ومن قبلها القارة التى تقع فيها ويسكنها أكثر من نصف تعداد عالمنا، وأن لديها ما يكفيها من مقومات لقيادة النظام العالمى فى الألفية الثالثة.

ويبدو أن الكاتب كان متحمسا للصين كقطب دولى بازغ، فنجده يقول: إن فهم طريقة الصين فى الصعود يعلمنا استلهام وفهم الحكمة الصينية التى تقول: (لا تفصح عن مكامن قوتك قبل اكتمال مقوماتها ومعالمها)، فقد ظلت الصين تتمسك بخطاب تقليدى لسنوات بأنها دولة نامية حتى امتلكت قوتها وكشفت عن وجهها الحقيقى كقطب عالمي، وبأرقام عام 2022 م بلغ إجمالى الناتج المحلى الصينى 18 تريليون دولار، ويتوقع صندوق النقد الدولى أن يرتفع إلى 26 تريليون دولار سنة 2027م، وبلغت استثماراتها الأجنبية 182 مليار دولار، وبلغت صادراتها 3.6 تريليون دولار، ومن هنا أصبحنا نرى كل يوم تدفق الوفود السياسية والاقتصادية الأوربية والعربية نحو الصين، تطلب ودها وتبحث عن فرص استثمار متوازنة بعيدا عن هيمنة (أمريكا – ترامب) التى ترسخ لمبدأ (أمريكا أولا) وتخلت عن حلفائها التقليديين فى أوربا، وأكثر من ذلك تفكر فى ضم كندا وجرينلاند بعد سيطرتها على بترول فنزويلا!.

إن الصين تشهد وتقود تغييرات لم يشهدها النظام العالمى من مائة سنة، وهذا ما قاله شى جين بينج لفلاديمير بوتين فى زيارته لموسكو فى مارس سنة 2023م، ووافقه بوتين مبتسما!.

ويرى شى جين بينج زعيم الصين، أنه لا رجعة عن صعود الشرق وانحدار الغرب، وبدا ذلك فى التباين الكبير الذى يبدو من بكين مع واشنطن إزاء كل مشكلة عالمية، فنظرة أمريكا للصراع الروسى – الأوكرانى، غير نظرة الصين وكذلك أمام كل الصراعات التالية بما فيها مؤخرا الحرب مع إيران.

وتمثل سنة 1839م نقطة تحول فارقة فى الوجدان الصينى، فالهزيمة فى حرب الأفيون لم تكن عسكرية فحسب، بل كانت بداية لقرنٍ من الانكسار أمام الغرب، ووسط هذا التداعى صاغ لى هونغ تشانغ رؤيته الشهيرة، معتبرا أن الصين والعالم قد دخلا مدارا من التحولات الوجودية التى لم تتكرر طيلة ثلاثين قرنا، وهى الرؤية التى لا تزال أصداؤها تتردد فى طموح الصين المعاصرة.

ويجزم قادة الصين أن المستقبل لهم، وأن ساسة أمريكا يعرفون أنها مسألة وقت وستقود الصين النظام العالمي، ولذلك سعت الصين لضم دول جديدة لمنظمة شنغهاي، وأطلقت مبادرة طريق الحرير، وتستغل تراجع أمريكا فى أى مكان لتشغله بدلا منها، فلقد أصبحت الصين لاعبة سلام وتنظر لمشاكل الشرق الأوسط كمختبر عملى لعالم ما بعد أمريكا، وبالفعل حل اليوان محل الدولار فى تعاملاتها مع الأصدقاء مثل روسيا، وتعجز أمريكا عن عزل الصين كما فعلت مع فنزويلا وكوريا الشمالية وإيران.

أما اليابان التى عاشت 75 عاما من السلم فإن الساموراى يفكر اليوم فى خلع عباءة السلمية، خاصة مع تهديدات الصين وكوريا الشمالية، واليابان تتخوف من صراع نووى فى محيطها ولا يزال الصينيون يتذكرون حقبة احتلال اليابان للصين من عام 1937م إلى عام 1945م، وتبدى اليابان تخوفها من التقارب الصينى – الروسى، كما تتخوف من توحيد شطرى الجزيرة الكورية، هنا ستكون اليابان أمام تهديد وجودى!.

من هنا ترى اليابان أن التعهد الأمريكى بحمايتها عسكريا قد لا يدوم ولابد من التأقلم مع التنين الصيني، وأكثر من ذلك يبحثون فى تعزيز قواتهم المسلحة، وهناك تساؤل عن مدى تصنيعهم لسلاحهم النووى خاصة أن كل مقوماته متوفرة وينقصهم القرار فقط!.

أما كوريا الجنوبية فتسعى لتصبح قوة عالمية، خاصة أنها حققت معدلات كبيرة فى التصدير بفضل شركاتها العالمية، وتتمتع بسمعة طيبة فى حقوق الإنسان والقوة الناعمة، ولكنها محاطة بأعداء تاريخيين وبقوى أخرى منافسة ولابد أن تصبح رقما كقوة وليست مجرد منتج تكنولوجيا.

والهند قوة صاعدة ومن المتوقع أن تحقق المركز الخامس بعد الصين وأمريكا وأوربا واليابان اقتصاديا، وإذا كانت الجغرافيا قد منحت الهند مجالا واسعا للحركة والتأثير، فإن تعاليم جواهر آل نهرو فى احترام التعددية والتعاون والتنوع وعدم الانحياز عرقلتها عن الاشتباك الدولي، ولكن مودى ومنذ سنة 1991م وهو يحاول أن تكون الهند قائدة الجنوب العالمي، ولكنها محاطة بكل من الصين وروسيا ولها علاقات جيدة معهما وتظل حليفا لأمريكا، ولكنها وبسبب صراعها العسكرى مع باكستان على إقليمى جامو وكشمير ونشوب الحرب بينهما أكثر من مرة وصراعهما على مياه نهر السند التى قسمها بينهما البنك الدولى، ارتمت الهند ومودى فى أحضان إسرائيل واستوردت السلاح الإسرائيلى بمليارات الدولارات، وتنظر الهند لإحياء القومية الهندوسية على غرار الصهيونية، ومن هنا يتفقان فى نظرتهما للعرب والمسلمين!.

ويختتم الكتاب بطرح استفهام جوهرى حول مصير المنظمات الإقليمية التى رسمت خارطة التعاون العقود الماضية، وعلى رأسها (آسيان، أبيك، شنغهاي، والاتحاد الإفريقي)، ويرى المؤلف أن استمرارية هذه الكيانات باتت مرتبطة بمعادلة معقدة تجمع بين الاستقرار الداخلى لكل دولة والظروف الجيوسياسية المحيطة بها، مؤكدا أن النجاح حليف منْ يمتلك المرونة لاستثمار الفرص الراهنة.

وعلى الشاطئ الآخر تقف أمريكا قوة عظمى فى آسيا بانتشارها العسكرى وقوتها الاقتصادية، وانتشرت قواعدها العسكرية فى دول آسيا وبعشرات الآلاف من الجنود، ولكن أمريكا اليوم تنسحب للداخل وتعوقها المسافة الشاسعة بين المحيطين الهادى والهندى من ناحية، والأطلنطى من ناحية أخرى، هنا تظهر الصين كقيادة بديلة لآسيا وللعالم أجمع.

 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة