رغم الحرب الدائرة فى المنطقة والهدنة المؤقتة وتوابعها على وسائل التواصل الاجتماعى، ورغم ارتفاع الأسعار وتصاعد الأزمة الاقتصادية عالميا، ورغم حالة الهجوم الممنهجة التى يتعرض لها النجم المصرى العالمى محمد صلاح، ورغم شعور المصريين بالاكتئاب نتيجة قرارات توفير الطاقة وغلق المحلات؛ فإن الملكة المصرية ترفض أن تستسلم وتواصل طريقها لإشعال نور الأمل عند الشعب المصرى، ولنبدأ بالأسبوع الماضى بالملكة هنا جودة بطلة مصر فى لعبة تنس الطاولة، تلك اللعبة التى كانت متعة لأبناء جيلنا فى الطفولة وبداية الشباب، وجميعنا يعلم أنها لعبة ليست لها شعبية جماهيرية فى مصر، ولكن كانت هناك متابعة من الكثيرين لمباريات هنا جودة فى مشوارها بالبطولة، ووضح ذلك على مواقع التواصل الاجتماعى.
وعندما نجحت أن تكون أول لاعبة مصرية وعربية وإفريقية تصل إلى ربع نهائى كأس العالم للكبار وهى ابنة الثامنة عشرة؛ استطاعت أن تُدخل الفرحة والبهجة على قلوب المصريين، التف حولها الشعب المصرى بأكمله، خاصة بعد المباراة الكبيرة التى قدمتها أمام الفرنسية جيا نان يوان المصنفة 24 عالميًا، وحوّلت الخسارة إلى مكسب، رغم أنها وقتها كانت المصنفة 26 عالميا، ولكن حظها العاثر أن تقع فى مواجهة الصينية سن ينج شا، المصنفة الأولى عالميًا، ورغم خبرتها الكبيرة، فإن الملكة المصرية استطاعت أن تقدم مباراة قوية تتسم بالإثارة، ولم تكن خصما ضعيفا، وكانت على خطوة بسيطة من المكسب لتنتهى المباراة بنتيجة 4-3 لبطلة العالم، ولكن هذا لا يمنع أن تكسب الملكة المصرية احترام الجمهور الموجود فى الملعب وإشادة عالمية، وهو الأمر الذى عكسه استقبال وزير الشباب والرياضة لها فى مطار القاهرة، وأنا شخصيا أتابع هنا جودة منذ أن كانت طفلة صغيرة تلعب تنس الطاولة فى النادى الأهلى، نظرا لأنها فى مثل سن ابنتى الكبيرة، وكنت أراها فى النادى أثناء التدريبات، وأصبحت متابعًا لأخبارها فى البطولات المختلفة للسيدات، وهى ما زالت طفلة، فهى أصغر لاعبة تصل إلى نهائى بطولة إفريقيا للسيدات وذلك فى سن 13 عامًا، كما تُوجت ببطولة إفريقيا فى منافسات فردى السيدات وفرق السيدات أكثر من مرة، ولذلك لم يكن من الغريب أن تتصدر التصنيف العالمى للناشئات تحت 15 عامًا لتصبح الأولى عالميًا فى هذه الفئة العمرية وغيرها من الألقاب التى حصدتها فى بطولات كثيرة.
وللحق يجب أن نذكر مكتشفها المدرب عادل شومان بالنادى الأهلى وهى طفلة عمرها أربع سنوات فقط، ومنذ هذا اليوم ودعم أسرتها لا يتوقف من خلال التدرب كثيرا بشكل منفرد مع مدربين خارج النادى بجانب تدريبها داخل النادى وهو ما يزيد من مستواها الفنى، بالإضافة إلى تحمل أسرتها لفترات طويلة تكلفة المعسكرات والاشتراك فى البطولات، فكان دعم الأسرة ماديا ومعنويا، وهذا الأمر يتكرر مع العديد من المواهب من الناشئين الذين لا يجدون أن اتحادات الألعاب قادرة على توفير ميزانيات خاصة بتلك المواهب، ولا تستمر أغلبها إلا إذا كانت أسرتها قادرة على رعايتها رياضيا حتى تصل إلى المستوى العالمى مثلما حدث مع هنا جودة التى ما زالت تملك من العمر ما يؤهلها للوصول إلى لقب العالم، وتكون أول مصرية وعربية وإفريقية تصبح المصنفة الأولى عالميا فى لعبة تنس الطاولة، ويجب أن يتم التركيز على تدريبها نفسيا، خاصة أن مَن يتابع «هنا» سيجد أنها دائما تقع تحت ضغط نفسى وعصبى رهيب وهو ما ظهر فى حالتين؛ الأولى بعد الفوز على اللاعبة الفرنسية والتأهل إلى ربع نهائى كأس العالم للكبار وأثناء إجراء مقابلة تليفزيونية معها لم تستطِع هنا الحديث مع المذيعة بسبب حالة البكاء المستمرة التى انتابتها، واستمرت معها لدقائق طويلة، وحتى عندما أجرت لقاءً مع قناة أخرى تحدثت قليلا وهى تبكى مرة أخرى.
قد يقول البعض إن البكاء نتيجة ما حققته من إنجاز عالمى، ولكن دليل قوى على مدى الضغط النفسى الذى تعانى منه، خصوصا أنها ما زالت صغيرة لم تتخطَّ 18 عاما، والحالة الثانية التى توقفت عندها أثناء مباراتها أمام بطلة العالم فى الشوط الفاصل، وكانت هنا جودة متقدمة بنتيجة 10-8، واعتقدت أنها اكتسبت النقطة 11 لصالحها بأن الكرة لمست طرف الترابيزة وأنها فازت بالمباراة، ولكن الحكم أعلن أنها نقطة لصالح المنافسة الصينية، واعترضت هنا وكانت فى حالة ذهول بعد أن كانت سعيدة بالوصول للنهائى، وبعد هذا الاعتراض تراجع أداء هنا جودة بسبب الحالة النفسية التى سيطرت عليها، بالإضافة إلى فارق الخبرة مع اللاعبة الصينية التى استطاعت الفوز بالمباراة فى النهاية بنتيجة 13-11، فهذان المشهدان يؤكدان مدى احتياج الملكة المصرية لإحداث توازن نفسى لتخفيف الضغط عليها، خاصة أنها تعانى من هذا الضغط على مدار سنوات من خلال مشاركتها فى بطولات سيدات، وهى لا تزال ناشئة.
الملكة هنا جودة فخر لكل المصريين مثلها مثل بقية الملكات المصريات اللاتى يسعدن الشعب المصرى أمثال ملكات العالم فى لعبة الإسكواش، فهذا الأسبوع واصلت الملكات المصريات الهيمنة واحتكار اللعبة وكأنها لعبة مصرية، فالأولى على العالم هى هانيا الحمامى 25 سنة، والثانية نور الشربينى 31 سنة، والثالثة هى أمل مصر الجديد فى احتكار اللعبة أمينة عرفى 19 سنة، والسابعة عالميا هى فيروز أبو الخير 20 سنة، ولسن هؤلاء فقط، فهناك آخريات يتقدمن فى الترتيب مما يؤكد أن المصريات هن ملكات لعبة الإسكواش عالميا، ونوران جوهر الخامسة على العالم رغم الابتعاد لتحقيق حلم الأمومة، وللحق يجب أن نقول إن لاعبات الإسكواش أكثر حظا من هنا جودة لأنهن أجيال يسلمن أجيالاً وبينهن حب وصداقة ونقل خبرات وتشجيع دائم حتى لو كن متنافسات، والملكات المصريات لسن فى تنس الطاولة والإسكواش فقط، ولكن فى ألعاب أخرى كثيرة لا توجد مساحة لذكرهن جميعا، ولكن يمكن أن نذكر بعضهن مثل سارة سمير فى رفع الأثقال وفريـال أشرف فى الكاراتيه وخديجة أبوعلم وعنان حازم فى السلاح وفريدة عثمان فى السباحة وهداية ملاك فى التايكوندو، وغيرهن كثيرات.
ولا يمكن أن نغفل الملكة فاطمة سعيد صاحبة أفضل صوت سوبرانو فى العالم، مما يؤكد أن مصر تملك الكثير والكثير من المواهب فى كل المجالات، ويجمعهن أنهن ملكات مصريات، فهناك عنصر آخر مشترك بينهن وهو إيمان أسرهن بموهبتهن والعمل على تنميتها والوصول للقمة. وهنا يقع العبء الأكبر على الأم المصرية، تلك الملكة المتوجة التى تعمل فى صمت من متابعة الدراسة والدروس الخصوصية إلى الجرى للحاق بموعد التمرين إلى السفر فى البطولات، كل هذا بجانب مسئوليتها فى البيت، حتى وإن كانت تعمل، لذا علينا جميعا قبل أن نفخر ببطلة أن نتقدم بالشكر للملكة الأم التى أسهمت فى ظهور هذه البطلة.