رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

موسم «الذهب الأحمر».. حكايات «الشقيانين» فى مزارع الفراولة


17-4-2026 | 12:58

.

طباعة
تقرير: محمد زيدان عدسة: ناجي فرج

فى قرية كفر الصهبى بمحافظة القليوبية، لا تنتظر “الفراولة” كثيراً لتصل إلى الأسواق لكنها تمر برحلة شاقة تبدأ مع أول ضوء للفجر وتنتهى على عربات البيع فى القرى المجاورة، وهناك حيث تختلط رائحة الطين بـ”الذهب الأحمر”، قضت “المصور” يوماً كاملاً بين المزارعين والعمال، ترصد تفاصيل رحلة “الفراولة” من لحظة جمعها من الأرض وحتى وصولها إلى المستهلك فى مشهد يكشف ما وراء هذا المحصول الذى يبدو بسيطاً على موائدنا، ففى هذا العالم الصغير لا مجال للصدفة فكل خطوة محسوبة، وكل تأخير قد يعنى تلف المحصول وكل تفاوت فى الجودة ينعكس مباشرة على السعر، وبين هذه التفاصيل تتشكل قصة الفراولة المصرية، ليس فقط كمحصول تصديرى مهم، بل كمرآة حقيقية لواقع الزراعة فى القرى، بما تحمله من طموح وتحديات.

منذ الساعات الأولى للصباح، تبدأ الحركة داخل مزارع الفراولة فى كفر الصهبي، عمال ونساء يفترشون الحقول وينحنون لساعات طويلة لقطف الثمار الحمراء بعناية شديدة وكأنها تلتقط رزق يوم كامل، ويمثل موسم الفراولة شريان حياة لأهالى هذه القرى، إذ يعتمدون عليه كمصدر دخل أساسى يمتد لنحو سبعة أشهر متواصلة ما يمنح الاقتصاد المحلى حالة من النشاط المستمر، كما تسهم طبيعة زراعته التى تعتمد على عمالة كثيفة فى مراحل الزراعة والجمع والفرز فى توفير فرص عمل واسعة لتصبح البطالة شبه غائبة خلال الموسم، فى مشهد يعكس الأهمية الاجتماعية والاقتصادية.

وسط الحقول الممتدة فى كفر الصهبي، وقف سعيد سالم، المشرف على واحدة من أكبر مزارع الفراولة بالقليوبية، يتابع حركة العمال وهم ينحنون لقطف الثمار، قبل أن يلتفت قائلاً: إن الفراولة هنا ليست مجرد محصول موسمى بل مصدر رزق يمتد لأشهر طويلة، فهى تضمن موردًا مستمرًا لسبعة أشهر، وهذا يؤثر بشكل مباشر على استقرار معيشة أهالى القرى، وفى الحقل الشغل قائم على الأيدى العاملة فى كل مرحلة، وهو ما يجعل فرص العمل متوفرة بشكل كبير لدرجة أن البطالة شبه منعدمة وقت الموسم، والفراولة من المحاصيل ذات جدوى اقتصادية كبيرة، وبها أصناف عديدة مثل فورتونا، فستيفال، فلوريدا، فريجو، فريش، وصن سيشن، ما يعطى مرونة للمزارع للعمل بحسب طلب السوق”.

وأشار إلى أن المكسب الحقيقى يرتبط بتوقيت الإنتاج خصوصاً من نوفمبر حتى إبريل، وهى فترة التصدير التى تشهد أسعاراً أفضل وزيادة فى الطلب الخارجى، والمنافسة فى هذا المجال لم تعد سهلة، قائلاً: “لازم المنتج يخرج بمواصفات دقيقة، سواء من حيث الشكل والجودة، أو خلوه من أى تلوث بيولوجى أو كيماوى، ليكون قادراً على المنافسة فى الخارج”، وقبل أن يختتم حديثه، عاد للحديث عن البداية، موضحاً: “إحنا فى الأساس نعتمد على شتلات تُنتج محلياً تحت إشراف مديرية الزراعة، لضمان أنها من الأصناف الموصى بها. فهذا يساعدنا فى الحفاظ على جودة الإنتاج وكفاءة المحصول من أول خطوة حتى وصوله للسوق”.

وعلى طرف الحقل وبين صفوف الفراولة، كانت رشا عبدالمنعم، تنحنى بهدوء لالتقاط الثمار قبل أن ترفع رأسها لتروى حكاية يوم يبدأ قبل شروق الشمس، فهى تعمل فى هذه المهنة منذ 17 عامًا قائلة: “أنا من الزقازيق، وباصحى كل يوم الساعة 4 الفجر، أنزل على الطريق أستنى “المقاول” اللى بيجمعنا، بنيجى من الشرقية على القليوبية فى عربية، الرحلة بتاخد حوالى ساعتين، لحد ما نوصل هنا على الساعة 6 الصبح، ونبدأ يوم العمل فوراً حيث يتم توزيعنا على الحقول، كل حسب المهمة المطلوبة.

وأوضحت “رشا” طبيعة يومها قائلة: “مفيش شغل ثابت، كل يوم حقل مختلف وشغل مختلف. ساعات بنقى حشيشة من الأرض، وساعات بنجمع الفراولة، على حسب احتياجات المزرعة”، وبين الانحناء والانتقال من صف لآخر تمر الساعات سريعاً لكنها ليست سهلة، ومع اقتراب الساعة الحادية عشرة صباحاً تبدأ ملامح اليوم فى الانتهاء، حيث يعود المقاول لجمع العمال من الحقول، تمهيداً لرحلة العودة فى تمام الساعة 11، ثم يعودون إلى الشرقية، فى رحلة يومية شاقة تقطعها “رشا” وزميلاتها منذ سنوات بين محافظتين لتكون واحدة من مئات الأيدى التى تصنع “الذهب الأحمر” فى مشهد إنسانى يعكس الوجه الآخر لزراعة الفراولة، حيث تختلط لقمة العيش بتفاصيل التعب اليومى.

بالقرب منها، كانت نورا عاطف، 48 عاما، تتحرك بخطوات هادئة بين الخطوط الخضراء، تحمل فى ملامحها سنوات من العمل فى الحقول وهى أم لثلاثة أبناء، أشارت لـ«لمصور» إلى أنها تعمل فى هذه المهنة منذ نحو 10 سنوات، ولم تعد ترى فى الأرض مجرد مصدر رزق بل حياة كاملة، فهى تعمل مع مجموعة كبيرة من الستات حوالى 40 واحدة من قريتها، ينزلن سويا فى الموسم خاصة فى الفراولة، والعمل لا يقتصر على محصول واحد ففى موسم الفراولة يجمعن المحصول، وبعده يعملن فى أعمال أخرى مثل زراعة الغلة وحصد القمح والذرة، وزرع الرز والبسلة، وطوال العام فى عمل، والأجر اليومى ثابت رغم اختلاف المهام، فاليومية تصل إلى 150 جنيها سواء جمع فراولة أو أى عمل آخر فى الأرض.

وعلى مقربة من الحقل، كان محمد عصام، أحد مزارعى كفر الصهبي، يتابع تحميل الصناديق بعين قلقة قبل أن يبدأ حديثه كمن يروى حكاية موسم كامل، قائلا: “أنا زارع 4 أفدنة فراولة والشغلانة دى عايزة صبر بننزل من بدرى لحد الضهر وكل حباية لازم تتقطف بإيدينا عشان ما تبوظش بينما تتحرك الأيدى حوله بسرعة، فى سباق دائم مع الوقت، لأن الفراولة لا تحتمل التأخير”، موضحاً أن الرحلة تبدأ مبكراً من شهر أغسطس، مع متابعة المحصول بالرش والرى بالتنقيط، حتى يصل لمرحلة الجمع، ووقت الحصاد يستعين بعمالة كتيرة، تجمع الفراولة وتعبئ فى أقفاص بلاستيك، وبعدها تحمل وتباع، لكن هذه الرحلة كما يؤكد ليست سهلة، فالفراولة محصول مكلف جداً ومن أول شراء الشتلات وزراعتها ومتابعتها يومًا بيوم وحتى الحصاد مرهقة جدًا.

وأشار محمد عصام إلى أن كثيرًا من المزارعين يربطون حياتهم بموسم الفراولة، والعديد من الأسر تعتمد على هذا المحصول فى جميع التزاماتها المالية، فهم يحملون المحصول على العربات ليتم بيعه فى مزاد يعرف باسم “الشنيش”، حيث يتنافس التجار على رفع السعر إلى أن يصل إلى أعلى قيمة ثم يقوم التاجر بشراء البضاعة وبيعها فى أسواق ومحافظات أخرى.

وتوقف قليلاً قبل أن يتحدث عن التصدير، وكأنها لعبة مختلفة تماما، مشيرا إلى أن “فراولة التصدير” تتطلب معايير دقيقة، فلا بد أن تكون خالية من المبيدات والأسمدة الضارة وأن تكون النباتات صحية مع استخدام مبيدات آمنة لضمان منتج قادر على المنافسة فى الأسواق الخارجية رغم أن ذلك يرفع التكاليف بشكل كبير، فتكلفة زراعة الفدان أحيانا تصل إلى نحو 600 ألف جنيه.

ورغم هذه التكاليف العالية، جاء الصادم مع نهاية الموسم، حيث أوضح أن الأسعار هذا العام انخفضت بشكل كبير ولم تغطِ حتى تكاليف الزراعة والنقل، وزيادة المعروض مع ضعف الطلب أدى إلى هذا التراجع والخسائر كارثية على كل المستويات، ففى الماضى كان الفدان يحقق أرباحاً جيدة، أما الآن فلا يغطى حتى أجور العمال، فأقل عامل يتقاضى حوالى 200 جنيه مقابل أربع ساعات عمل، أيضا نقص ثلاجات التخزين أدى إلى شراء التجار للمحصول بأسعار منخفضة يوميا، وتأثير الطقس على جودة المحصول ما أدى إلى إنتاج ثمار لم تنضج جيدا وأحجامها صغيرة ومتوسطة تباع بثلاثة جنيهات للكيلو من الأرض.

وأضاف أن غياب التصدير هذا العام أدى إلى زيادة المعروض فى السوق المحلى خاصة مع توسع الزراعة فى مناطق جديدة مثل محافظة البحيرة، بالإضافة إلى تخزين بعض الأسر لكميات ما سبب ركودا كبيرا فى السوق، والحقيقة أننا فى حاجة لتدخل من الدولة لدعم المزارعين، لأن استمرار الوضع الحالى يدفع كثيرين للتخلى عن زراعة الفراولة فى الموسم المقبل.

لم تتوقف الرحلة عند حدود الحقل، بل أخذت مسارا جديدا، حين رافقت “المصور”، أحد أصحاب الأراضى وعددا من العمال على متن سيارة ربع نقل تكدست فوقها الصناديق البلاستيكية المليئة بالفراولة فى طريقها إلى بيعها فى الشنيش فى قرية الدير، فلم يكن الطريق ممهداً بالكامل فاهتزت السيارة مع كل مطب، بينما انشغل العمال بمحاولة تثبيت الصناديق خشية أن تتعرض الثمار للتلف وبصوت يحمل خبرة الطريق، قال السائق “أى خبطة ممكن تضيع تعب يوم كامل”، ومع الوصول إلى قرية الدير يتبدل المشهد كليا، فضجيج الباعة يملأ المكان وحركة البيع والشراء لا تهدأ ومساومات مستمرة تحدد مصير المحصول فى دقائق، هنا لا تحكم الجودة وحدها بل يفرض السوق كلمته وفقا لقواعد العرض والطلب، وعلى بعد نحو 40 كيلومترا من القاهرة تقع قرية “الدير” التابعة لمركز شبين القناطر بمحافظة القليوبية، تلك القرية التى تتحول مع بداية شهر يناير من كل عام إلى خلية نحل لا تهدأ، فمع انطلاق موسم الحصاد ينشغل أغلب سكانها فى زراعة وجمع وتجارة الفراولة.

وعلى الطريق الزراعى، تتسارع السيارات المحملة بالمحصول فى سباق يومى نحو منافذ البيع، وما إن تقترب من مدخل القرية عبر طريق “بنها - القاهرة” ثم تنحرف إلى طريق شبين القناطر، حتى تفرض الفراولة حضورها على المشهد، تنتشر على جانبى الطريق، وتتصدر عربات النقل، فى لوحة تعكس حجم النشاط الذى صنعه هذا “الذهب الأحمر”، وبداخل أحد “الشنيش”، حيث تفرغ الصناديق تباعاً وتتصاعد رائحة الفراولة الطازجة، وقف أحمد منصور، صاحب ساحة بيع الفراولة، يتابع حركة الدخول والخروج بعين خبيرة، قبل أن يبدأ فى شرح ما يدور خلف الكواليس، قائلا: “أول ما العربيات بتوصل من المزارع، بنبدأ نشوف البضاعة على طول.. كل صندوق له تقييمه حسب الحجم واللون ونسبة الاستواء”، يلتقط إحدى الحبات ويتفحصها سريعاً، “الفراولة هنا مفيهاش هزار الجودة هى اللى بتحدد كل حاجة”.

وأضاف وهو يشير إلى تجمع من المزارعين حوله: “بعد المعاينة يبدأ التفاوض على السعر مع المزارع.. كل واحد عايز يبيع بأعلى سعر، وإحنا بنحاول نوصل لسعر مناسب للطرفين”، لحظات من الشد والجذب تنتهى باتفاق سريع فى ظل حركة لا تتوقف، ومع استقرار السعر تبدأ مرحلة جديدة حيث يتم شراء الكمية ويتم تجهيزها للعرض”، وبينما ترص الصناديق فى صفوف منتظمة داخل الشنيش يأتى التجار إليها من الأقاليم والمحافظات من القاهرة، الجيزة، الشرقية بحثا عن بضاعة جيدة وسعر مناسب.

وأوضح أن الساحة تتحول إلى ما يشبه سوقاً مفتوحاً حيث يتفحص التجار الصناديق ويبدأون بدورهم فى التفاوض، وبين دخول شحنة وخروج أخرى تستمر الدورة طوال اليوم فى إيقاع سريع لا يحتمل التوقف، قائلاً: “دى شغلانة يوم بيوم.. السوق هو اللى بيحكم، وممكن السعر يتغير فى ساعات، بس فى الآخر كلنا شغالين عشان البضاعة دى توصل للناس فى كل المحافظات”.

على الجانب الآخر، قال حاتم نجيب، رئيس شعبة الخضروات والفاكهة بالغرفة التجارية بالقاهرة، إن التعامل مع محصول الفراولة لم يعد مجرد خبرة زراعية تقليدية بل أصبح قائما على أسس علمية دقيقة تبدأ من اختيار الصنف المناسب مروراً بطرق الزراعة الحديثة وصولاً إلى مراحل الحصاد وما بعده، فالفراولة من المحاصيل شديدة الحساسية وتتأثر بعوامل متعددة مثل درجات الحرارة ونوعية التربة ونظم الرى، ما يتطلب إدارة علمية لكل مرحلة لضمان إنتاج ثمار بجودة عالية، حيث إن الاعتماد على نظم الرى بالتنقيط وبرامج التسميد المتوازنة والمكافحة الحيوية للآفات أصبح أمرا ضروريا للحفاظ على جودة المنتج وتقليل نسب الفاقد.

وأشار “رئيس شعبة الخضراوات والفاكهة بالغرفة التجارية بالقاهرة، إلى أن العلم يلعب دور محورياً أيضاً فى مرحلة ما بعد الحصاد، حيث تعتمد جودة الفراولة فى الأسواق على سرعة التبريد، ودقة عمليات الفرز والتعبئة، وطرق النقل، مؤكداً أن أى خلل فى هذه المنظومة قد يؤدى إلى تراجع القيمة التسويقية للمحصول، والتوسع فى تطبيق المعايير العلمية الحديثة هو السبيل للحفاظ على تنافسية الفراولة المصرية فى الأسواق المحلية والعالمية، خاصة فى ظل اشتداد المنافسة وارتفاع متطلبات الجودة، كما يجب الاهتمام بالإرشاد الزراعى ونقل الخبرات الحديثة للمزارعين لضمان استدامة هذا القطاع الحيوى.

وأوضح أن سوق الفراولة يشهد حالة من الوفرة فى المعروض خلال الفترة الحالية، نتيجة زيادة الإنتاج واتساع المساحات المزروعة، وهو ما أدى إلى تراجع ملحوظ فى الأسعار، حيث إن أسعار الفراولة داخل سوق العبور تدور حالياً ما بين 10 و 15 جنيها للكيلو فى الجملة قبل أن تصل إلى المستهلك بنحو 20 جنيها، وتسعير المحصول يخضع بشكل كامل لآليات العرض والطلب دون أى تدخلات مباشرة فى تحديد الأسعار.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة