رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

بيان الأزهر وحده لا يكفى


6-3-2026 | 13:39

.

طباعة
بقلـم: محمد الحنفى

كم كنت أتمنى ألا تكتفى مؤسسة الأزهر الشريف وعلماؤها الأجلاء، «بوصفهم سدنة الدين الإسلامي»، فى الرد على مثيرى الجدل، المشككين بثوابت العقيدة الإسلامية، ببيان مكتوب فقط، بل كان الأجدر التعامل مع هؤلاء بنفس لغتهم.. لغة العصر.. لغة السوشيال ميديا، التى يجيدونها عن جدارة.

وأتساءل: هل لدى الأزهر الشريف مَن تخصصوا فى وسائل التواصل الاجتماعى، لا سيما اليوتيوب والتيك توك ومقاطع الريلز، بعدما أصبحت الأخطر والأكثر تأثيرًا من الوسائل الإعلامية التقليدية؟

 

فبعض برامج التوك شو ببعض الفضائيات التى أصبحت تعوِّل كثيرًا على الفقرة الدينية المستباحة من قِبل هؤلاء المشككين فى ثوابت الإسلام بشكل فج، حتى باتوا ضيوفًا دائمين مع مقدمى تلك البرامج، الذين كثيرًا ما يعترفون بأنهم ليسوا متخصصين فى الدين، بعدما تحول ما يدَّعيه هؤلاء إلى «تريند» يحقق مئات الآلاف من المشاهدات فى سويعات معدودات، باعتبارهم يروجون لأفكار ورؤى تحت عنوان التفكر والتدبر العصرى لما ورد فى الكتاب والسنة، حتى إن منهم مَن أصبح يُنكر السنة النبوية كاملة ويكفُر بما ورد بتفاسير بعض الأئمة أصحاب المذاهب الفقهية الأربعة، لا سيما الإمام الشافعى، مستغلين حالة الفقر الثقافى، وربما الجهل بتفاسير وتعاليم الدين الإسلامى التى اعترت عددًا كبيرًا من جيل الشباب المسلم فى هذا الزمان.

أقول فقرًا وجهلًا حقيقيين دون مبالغة، مستشهدًا على ذلك بواقعة غريبة سمعتها من الدكتور سالم عبدالجليل، حين قال إن شابًا اتصل بالعالم الأزهرى الراحل الدكتور محمود عاشور، رحمه الله، يستفسر منه عن مدى صحة صلاته ركعتين فقط يوم الجمعة وليس أربع ركعات، معتقدًا أن الإمام قد أخطأ حين سلَّم قبل أن يُكمل الركعات الأربع باعتبارها صلاة ظهر! واستهجن الشاب صمت جموع المصلين الذين لم ينبهوا الإمام أو يصححوا له خطأه! هذا الشاب المسلم «بكل أسف» لا يعلم أنه لا صلاة ظهر بالمسجد يوم الجمعة، وأن صلاة الجمعة ركعتان فقط تسبقهما خطبتان.

لقد خاض مَن ادَّعوا القراءة المعاصرة للنصوص فى ثوابت العقيدة الإسلامية مثل أركان الإسلام الخمسة، وحدود الردة والزنا، وتحريم الخمر، وعذاب القبر، وقصة الإسراء والمعراج، وفرض الحجاب، وبعضهم أنكر السنة النبوية وما ورد بها من أحاديث يرونها ضعيفة أو مدسوسة، مكتفين بالقرآن الكريم، وهى أمور جد خطيرة تثير الشبهات وتزعزع ثقة الناس فى دينهم، وتستوجب وقفة حاسمة وحازمة من الأزهر الشريف، ليس بالملاحقة القضائية، بل بصفته المسئول عن تخريج آلاف الأئمة سنويًا، حتى لو اقتضى الأمر تطوير مناهجهم وإخضاعهم لدورات كثيرة، بعد أن فقد الكثير منهم القدرة على جذب جموع المصلين، حتى انفضوا من حولهم عندما حولوا رسالتهم إلى وظيفة.

وأتصور أن المهمة باتت سهلة، فقط عليهم اكتساب القدرة والحجة فى الرد على هؤلاء المشككين بأساليب وأسانيد ولغة جسد أكثر قوة من أولئك الذين يملكون أدوات ربما تدخل منطقة البلطجة اللغوية والجسدية فى التعبير عن أفكارهم ورؤاهم، من أجل وصول مشاهديهم ومستمعيهم إلى مرحلة الإقناع، كما أن وزارة الأوقاف هى الأخرى مطالبة بتنقية الدعاة وأئمة المساجد ممن فقدوا القدرة على الخطابة أو حتى توصيل رسائل وموضوعات الخطب للمصلين، وإخضاع الأئمة والدعاة الجدد لاختبارات ومعايير صعبة!.

إن ما يثيره المشككون فى ثوابت العقيدة من قضايا وموضوعات جوهرية يحتاج إلى رد فورى، قوى ومستمر من قِبل علماء الأزهر الشريف، ليس كلهم بالقطع، بل مَن لديهم فقط ملكة السماحة والجذب والإقناع والثقة، حتى لا يقع ضعاف الثقافة الدينية فى براثن هؤلاء المشككين الذين بسَّطوا ويسَّروا الأمور.. فمن وجهة نظرهم لا رجم لزانٍ، ولا قتل لمرتد، ولا فرض لحجاب، ولا عذاب بالقبر، حتى الأركان الخمسة للإسلام تحولت إلى شعائر، وشتان ما بين الركن والشعيرة، مستندين إلى آيات قرآنية مجتزأة، ناهيك عن إنكارهم لكون السنة النبوية مكملة للقرآن الكريم، فضلًا عن دأبهم الإساءة للصحابة والخلفاء الراشدين بقصص لا سند لها!.

بعض هؤلاء المشككين فى ثوابت العقيدة خرجوا من عباءة علمانى سورى الجنسية اسمه الدكتور محمد شحرور، وهو مهندس وكاتب سورى وأستاذ جامعى أثارت كتاباته عن القرآن الكثير من الجدل. شحرور بدأ كتاباته عن القرآن والإسلام بعد عودته من الدراسة فى موسكو، فاتهمه الرافضون لأفكاره باعتناق الفكر الماركسى الشيوعى إبَّان إقامته فى الاتحاد السوفيتى لمدة 40 عامًا، واشتهر بكتبه «الكتاب والقرآن قراءة معاصرة» الذى أصدره سنة 1990 فى (822) صفحة، وقدَّم فيه تفسيرًا جديدًا للقرآن مخالفًا المعهود فى كتب التفسير، زاعمًا أنه وصل إليه من نظرات عصرية فى اللغة العربية.

ومن أهم مؤلفاته التى أثارت جدلًا شديدًا أيضًا: (الإسلام والإيمان – منظومة القيم) عام 1996، و(نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي)، و(فقه المرأة: الوصية – الإرث – القوامة – التعددية – اللباس) عام 2000، و(الكتاب والقرآن – رؤية جديدة) عام 2011، و(السنة الرسولية والسنة النبوية – رؤية جديدة) عام 2012، و(الإسلام والإيمان – منظومة القيم) عام 2014.

و(فقه المرأة – نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي) عام 2015، و(أمُّ الكتاب وتفصيلها: قراءة معاصرة فى الحاكمية الإنسانية – تهافت الفقهاء والمعصومين) عام 2015.

لقد أثارت آراؤه لغطًا شديدًا استمر لسنوات، وصدرت العديد من الكتب فى الرد على كتبه ودحض أفكاره.

وفى السنوات الأخيرة من عمره، الذى انقضى فى شهر ديسمبر عام 2019، ظهر فى عدد من البرامج على القنوات الفضائية، فتجدد الجدل بشأنه وشأن فكره، بين منتصر له ومدافع عنه، وبين طاعن فيه ومحذر منه، باعتباره كافرًا وزنديقًا جاء ليهدم ثوابت الإسلام تحت مسمى تجديد الخطاب الديني.

لا شك أننى أُثمِّن بيان الأزهر الشريف الذى رد فيه على ادعاءات بعض المشككين فى أصول الدين، واسمحوا لى أن أعيد نشره:

تابع الأزهر الشريف ما تمَّ تداوله من مقاطع فيديو ومنشورات، حاول بعضهم من خلالها الترويج لأفكار تدعو إلى الاكتفاء بالقرآن الكريم كمصدر وحيد للتشريع الإسلامى، وإنكار السنة النبوية كليًّا أو جزئيًّا، والدعوة إلى القطيعة التامة مع التراث الإسلامى، بالإضافة إلى الطعن فى كبار الأئمة، وتشكيك الناس فى أمور دينهم؛ مثل: أركان الإسلام الخمسة، وحرمة الخمر، وفرضية الحجاب، وذلك تحت شعارات ما يُسمَّى بـ»القراءة المعاصرة للنصوص».

ويؤكد الأزهر الشريف أن السنة النبوية المطهرة هى المصدر الثانى من مصادر التشريع الإسلامى، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]، وقوله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]، وليست مجرد تراث تاريخى كما يزعم هؤلاء. وإنكار السنة النبوية ما هو إلا محاولة خبيثة لهدم منظومة أصول الفقه الإسلامى، فالقرآن الكريم والسنة النبوية يتكاملان فى التشريع انطلاقًا من اعتماد الفكر الإسلامى على نظام دقيق من «الحوكمة المعرفية» التى ضبطت رواية السنة وتفسير النصوص، كما أن السنة تأتى مبينة ومفصلة لما جاء فى القرآن، ومنشئة لأحكام سكت عنها القرآن، كما جاء فى قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157].

كما يؤكد الأزهر الشريف أن هذا المسلك الفكرى يقوم على اجتزاء النصوص وقراءات تفتقر إلى أبسط أصول الاستدلال المنضبط، بهدف إثارة البلبلة فى أوساط المسلمين، وهو منهج لا يتوافق مع ما استقر عليه إجماع الأمة عبر قرونها المتعاقبة، مهيبًا بوسائل الإعلام المختلفة أن تتحرى الدقة والموضوعية فيما يُتناول أو يُعرض من قضايا دينية، ومراعاة أحوال الناس ومشاعرهم، وعدم إتاحة المنابر الإعلامية لطرح آراء شاذة؛ صونًا لوعى المجتمع وحفاظًا على استقراره الفكرى والدينى.

والأهم من البيان كان توجيه الإمام الأكبر، فضيلة الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، المتخصصين فى هيئات الأزهر المختلفة، بنشر ردود علمية وافية ومفصلة على ما أُثير من شبهات، وتقديمها من خلال شباب الباحثين بالأزهر، بأسلوب علمى رصين ولغة ميسّرة تناسب فئات الجمهور، وبخاصة الشباب، بما يسهم فى ترسيخ الفهم الصحيح للدين.

إذًا نحن فى انتظار تفعيل ما وجَّه به الإمام الأكبر، ولا ضير من تكليف كبار العلماء، وإذا لزم الأمر يخرج الإمام الطيب بنفسه للرد على مزاعم هؤلاء، ولا ضير أيضًا من تشكيل لجان إلكترونية تابعة لمؤسسة الأزهر، تكون مهمتها الرد السريع المقنع على هؤلاء المشككين فى ثوابت الدين، عبر وسائل السوشيال ميديا التى بات تأثيرها أخطر بكثير من بيانات مكتوبة عفا عليها الزمن!.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة