«عمل يتجاوز الدراما إلى مساحة الشهادة التاريخية».. بهذه الكلمات يصف الدكتور صلاح عبدالعاطي، رئيس الهيئة الدولية لدعم الشعب الفلسطيني، مسلسل «صحاب الأرض»، الذى اعتبره شهادة حية على معاناة الفلسطينيين وحقوقهم التاريخية.
من منظور فلسطيني، يشدد «عبدالعاطي» على أن العمل لا يكتفى بسرد الأحداث، بل يمنح الفلسطينى وجهه المفقود، محولًا الألم إلى صوت وصورة وملامح حياة، خصوصًا فى أعقاب الحرب الأخيرة على غزة وما خلّفته من شهداء ودمار واسع.
فى هذا الحوار، يكشف «عبدالعاطي» عن الرسائل الجوهرية للمسلسل، من ربط القضية الفلسطينية بحقوق الإنسان إلى تعزيز التضامن العربي، مشددًا على أن للدراما قدرة على كسر الحواجز وتقديم صورة إنسانية حقيقية للعالم عن الفلسطيني، بعيدًا عن الصور النمطية والسرديات الإسرائيلية المضللة.. وإلى نص الحوار:
ما انطباعك الأول عن مسلسل «صحاب الأرض» من منظور فلسطينى؟
من منظور فلسطينى، يُعد «صحاب الأرض» عملًا يتجاوز الدراما إلى مساحة الشهادة التاريخية، وأهميته لا تكمن فقط فى سرد الحكاية الفلسطينية وما نعيشه حاليًا، بل فى إعادة الاعتبار للإنسان الفلسطينى بوصفه صاحب أرض وذاكرة وحق، وليس أرقامًا فى نشرات الأخبار.
وبعد حرب الإبادة الجماعية فى قطاع غزة، التى خلّفت عشرات الآلاف من الشهداء والضحايا والدمار الواسع الذى طال المجتمع بكل مكوناته، تأتى الدراما هنا كفعل أخلاقى يعيد تسمية الألم، ويمنح الضحية صوتًا وصورة وملامح حياة، وبالتالى فهذا العمل شديد الأهمية يأتى للتذكير بأن للقضية الفلسطينية مسارًا تاريخيًا متواصلًا من النكبة إلى اليوم، وأن الذاكرة الفلسطينية لا تُختزل فى مشهد، بل تتجدد مع كل جيل.
برأيك، ما الرسالة الرئيسية التى يحاول المسلسل إيصالها للعالم العربى والدولي؟
الرسالة الجوهرية أن القضية الفلسطينية هى قضية حقوق إنسان وحق تقرير مصير قبل أن تكون ملفًا سياسيًا، فالمسلسل يربط بين المعاناة اليومية للفلسطينى وبين المبادئ الكونية للعدالة والكرامة الإنسانية، كما يؤكد أن التضامن العربى ليس موقفًا عاطفيًا مؤقتًا، بل امتداد لوحدة المصير والتاريخ.. وهو يذكّر الجميع بأن معركة الرواية لا تقل أهمية عن المعركة القانونية أو الدبلوماسية؛ فحين تنتصر الرواية العادلة، تتقدم معها فرص العدالة.
كيف يمكن أن يؤثر عرض المسلسل على الصورة الفلسطينية فى الإعلام العالمي؟
الدراما قادرة على اختراق الحواجز التى تعجز عنها البيانات السياسية، فمع ترجمة العمل ووصوله إلى منصات دولية، يمكن أن يسهم فى أنسنة الصورة الفلسطينية، وتفكيك الصورة النمطية التى حصرت الفلسطينى بين ثنائية الضحية الصامتة أو الفاعل الأمني.. لأن الفن الصادق يصبح سفيرًا بلا جواز سفر، ويمنح الجمهور العالمى فرصة لرؤية الإنسان الحقيقى وليس صورته التى جاءت فى العناوين الإخبارية، خاصة أننا فى زمن تتزاحم فيه السرديات، لكن تبقى الرواية الأقوى هى التى تنحاز للإنسان.
وبالتأكيد يأتى مسلسل «صحاب الأرض» ضمن سياق أوسع يعكس دور مؤسسات الإنتاج العربية فى توظيف الفن كجزء من القوة الناعمة، خاصة أن الدراما المصرية تاريخيًا شكّلت وجدانًا عربيًا مشتركًا، واليوم تؤكد أن الفن يمكن أن يكون أداة دعم للقضايا العادلة، وبالتالى يمكن اعتبار العمل لبنة فى مشروع ثقافى عربى مطلوب لتعزيز الرواية الوطنية والقومية فى مواجهة محاولات الطمس.
ويأتى عرض هذا المسلسل فى أعقاب الحرب الإسرائيلية على غزة وما خلّفته من تداعيات إنسانية وسياسية عميقة، لتتحول هنا الدراما إلى أداة توثيق ومقاومة ثقافية فى الوقت نفسه، وهذا هو دور القوة الناعمة، وبالتالى يثبت المسلسل أن الفن قادر على أن يكون شاهدًا على العصر ومنبرًا للحق، لإبقاء القضية الفلسطينية حية فى وجدان الإنسان حول العالم.
هذا المسلسل يأتى فى وقت تتصاعد فيه لهجة التهجير الإسرائيلية لسكان غزة والضفة الغربية.. ما دلالة التوقيت؟
توقيت العرض شديد الدلالة، ففى ظل تصاعد سياسات فرض الوقائع على الأرض عبر التوسع الاستيطانى فى الضفة الغربية، ومحاولات إعادة هندسة الواقع الديموغرافى فى غزة بعد الحرب، يصبح عرض المسلسل رسالة ثقافية مضادة لمحاولات الطمس، كأن الدراما تقول إن الأرض ليست فقط مساحة جغرافية، بل هوية وحق تاريخى وقانوني.. وكما ذكرنا فالفن يصبح جزءًا من معركة الوعي؛ ففى الوقت الذى تُفرض فيه إجراءات ميدانية، تُبنى فى المقابل جبهة ثقافية تحمى السردية وتُحصّن الذاكرة من التزييف.
المتحدثة باسم جيش الاحتلال هاجمت المسلسل.. كيف تنظر لرد الفعل الإسرائيلي، وهل يعكس قلقًا حقيقيًا من التأثير؟
أى اعتراض رسمى أو إعلامى على عمل درامى يعكس إدراكًا لقوة التأثير الثقافي، فالحساسية تجاه السرد تعنى أن معركة الوعى حقيقية، وفى تقديرى يجمع الأمر بين قلق فعلى من تأثير العمل على الرأى العام، ورد فعل متوقع تجاه أى إنتاج يعيد تسليط الضوء على الانتهاكات أو يطرح الرواية الفلسطينية بوضوح، فالدراما حين تمس جوهر الرواية تتحول من عمل فنى إلى عنصر فى ميزان القوة الناعمة كما سبق أن ذكرت.
كيف تابعت تفاعل الجماهير الفلسطينية مع المسلسل على وسائل التواصل؟
التفاعل الفلسطينى مع مسلسل «صحاب الأرض» كان إيجابيًا فى الغالب، مع تقدير واضح لأى جهد عربى يعيد طرح القضية الفلسطينية فى إطار إنسانى ووطني.. وفى الوقت نفسه أثيرت نقاشات بناءة حول دقة التفاصيل وعمق الطرح، وهو مؤشر صحى يعكس وعيًا مجتمعيًا ورغبة حقيقية فى تقديم سردية دقيقة ومتماسكة، وهذا التفاعل يؤكد أن الجمهور الفلسطينى لا يبحث عن خطاب تعبوي، بل عن تمثيل صادق لمجده وتاريخه وواقعه، وهو ما نجح «صحاب الأرض» فـــــى تقديمه بجدارة.
هل تعتقد أن الدراما التلفزيونية يمكن أن تكون أداة لتعزيز الوعى السياسى لدى الشعب العربي؟
نعم، وبقوة.. فالتاريخ يثبت أن الدراما كانت دائمًا جزءًا من تشكيل الوعى الجمعي، والجميع يعرف أن الأعمال الوطنية الجادة تصنع وعيًا نقديًا وتحمى المجتمعات من التضليل الإعلامي.
وبعد حرب الإبادة فى غزة، يصبح توثيق الأحداث من خلال الدراما وسيلة لحفظ التاريخ حيًا ومنع إعادة كتابته بصورة منحازة، فالقوة الناعمة هنا ليست شعارًا، بل استراتيجية طويلة الأمد تتراكم آثارها مع مرور الوقت.
ما اقتراحاتك للكتاب والمخرجين لتقديم أعمال درامية فلسطينية جديدة يكون لها تأثير ومصداقية؟
أولًا، يجب الاستثمار فى البحث الميدانى والشهادات الحية من الناجين والمتخصصين، فهذا يعطى العمل مصداقية حقيقية، كما أن إشراك خبراء فى القانون الدولى الإنسانى يساعد على ضبط المصطلحات والسياقات بدقة.
ومن المهم أيضًا التركيز على السرد الإنسانى العميق بدل الاعتماد على الخطاب المباشر أو الشعاراتي، وتقديم شخصيات متعددة الأبعاد تعكس تنوع المجتمع الفلسطيني، ولا يقتصر الهدف على التأثير محليًا فقط، بل ينبغى بناء شراكات إنتاج وترجمة دولية لضمان وصول العمل إلى جمهور عالمي، وصناعة خطاب بصرى قادر على مخاطبة الضمير الإنسانى حول القضية الفلسطينية.
إذا انتقلنا من الدراما إلى أرض الواقع.. ما تعليقك على السياسات الإسرائيلية الأخيرة فى الضفة وكيف تسعى لتغيير الهوية؟
ما يجرى من توسع استيطاني، وتقييد للحياة المدنية، وإعادة تشكيل للحيز الجغرافي، يندرج ضمن سياسة فرض أمر واقع طويل الأمد.. وهذه السياسات تمس جوهر الهوية الوطنية الفلسطينية، وتتعارض مع قواعد القانون الدولى الإنساني، خصوصًا ما يتعلق بحماية السكان الواقعين تحت الاحتلال ومنع التغيير الديموغرافى القسري.
ومحاولة تغيير الهوية لا تتم فقط عبر السيطرة على الأرض، بل أيضًا عبر التحكم فى السرد والتاريخ، وهنا يتقاطع السياسى مع الثقافي.
هل تعتقد أن إدارة ترامب ترفض «كلامًا» لكنها لا تتخذ إجراءات على الأرض لوقف تلك الإجراءات الإسرائيلية؟
فيما يتعلق بمواقف ترامب وإدارته مما يجرى فى الضفة، فالتجربة أثبتت أن معيار التقييم ليس التصريحات بل النتائج، فقد اتسمت إدارة ترامب بانحياز واضح لإسرائيل تُرجم فى دعم سياسى وعسكرى وغطاء دبلوماسى حدّ من المساءلة عن انتهاكات جسيمة، بما فى ذلك سياسات الاستيطان والضم.
وبالتالى فإن تحركها نحو وقف إطلاق النار جاء فى إطار حماية الأمن الإسرائيلى وتثبيت روايته، دون معالجة جذور الصراع المتمثل فى إنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان، وضمان حماية متكافئة للمدنيين، لذلك بدا الأمر كأنه إدارة للأزمة لا حلًّا لها.
واستمرار الدعم الأمريكى فى ظل اتهامات بجرائم دولية يثير مسؤولية قانونية تتصل بمبدأ عدم الإعانة على الأفعال غير المشروعة، ومع غياب بدائل دولية فاعلة، اضطر الفلسطينيون والعرب للتعاطى براجماتيًا مع مبادرات ناقصة درءًا لاستمرار الكارثة الإنسانية، فأى وقف لإطلاق النار لا يقترن بإنهاء الاحتلال والمساءلة يظل هشًا، والسلام القائم على موازين القوة يجمّد النزاع مؤقتًا، أما السلام القائم على الحقوق فهو وحده القابل للاستدامة.
ما الدور الذى يمكن أن يلعبه المجتمع الدولى لمنع تفجر الأوضاع فى الضفة؟
المجتمع الدولى عليه واجبات والتزامات قانونية وأخلاقية وإنسانية للتصدى لجرائم الحرب، وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة الجماعية، ومنع مصادرة أراضى الغير بالقوة.. وأيضًا لديه مسؤوليات باتجاه إنهاء أطول احتلال فى هذه المنطقة، وهو الاحتلال الإسرائيلي، وتمكين الشعب الفلسطينى من نيل حقوقه.
هذا هو المفترض من المجتمع الدولي، الذى حاول سابقًا مساندة كل المقاربات الممكنة لعملية التسوية، ولكنه مُنى بانتهاكات دائمة سببها الدعم الأمريكى لإسرائيل، واستخدام حق النقض (الفيتو) فى الأمم المتحدة، والدعم العسكري، وتماهى الولايات المتحدة الأمريكية مع سياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.
وفى ذات الوقت، إصرار الحكومة الإسرائيلية على سباق الزمن من أجل تثبيت وقائع على الأرض تمنع قيام أى دولة فلسطينية مستقلة.. وإسرائيل منذ البداية لم تكن يومًا من الأيام فى وارد الوصول إلى تسوية سلمية مع الفلسطينيين، ولذلك فهى تسابق الزمن من أجل ضمان تفريغ أى مضامين للحديث عن دولة فلسطينية مستقلة فى حدود الرابع من حزيران 1967.
الإدارة الأمريكية، وإن كانت تقول إنها ضد الضم وضد ما يتعلق بذلك، فكيف نفسر أنها تفتح قنصلية الآن فى أحد المستوطنات؟ هذا ترسيخ للاستيطان.. وكيف نفسر سلوك نقل السفارة إلى القدس الشرقية، التى تُعد منطقة محتلة بنظر القانون الدولى وحتى بسياسات الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.
نحن أمام خطورة حقيقية على سيادة القانون وعلى النظام الدولى الذى لم يعد موجودًا، حيث تثبت أمريكا وإسرائيل شريعة الغاب، والإدارة الأمريكية تغطى الإدارة الإسرائيلية بالحديث دائمًا عن السلام ورفض الضم، لكنها فى الواقع تقبل يوميًا كل هذه الجرائم والانتهاكات التى تحدث فى الضفة، وجملة من الخروقات لوقف إطلاق النار، ومن عمليات ضم متسارع لأراضى المواطنين فى الضفة الغربية.