دخلت المفاوضات الهادفة إلى إنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة، مع بحث تفاصيل اتفاق يتناول وقف إطلاق النار وحرية الملاحة فى مضيق هرمز وتخفيف القيود الاقتصادية المفروضة على طهران، وفى هذا السياق، كشف تقرير لشبكة «سى إن إن» الإخبارية، أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب يتمهل فى إقرار اتفاق محتمل مع إيران، رغم التقدم فى المفاوضات، بانتظار استيفاء «شرط أساسى» يتعلق بموافقة القيادة الإيرانية على التفاهم المطروح.
اتفاق «ترامب» يُخيّر طهران بين القبول باتفاق يحرمها من امتلاك سلاح نووى أو التعامل مع وزارة الحرب الأمريكية، وتنص المسودة الحالية على تمديد وقف إطلاق النار القائم لمدة 60 يومًا إضافية، بعدما تعرض هذا التفاهم خلال الأيام الأخيرة لضغوط متزايدة مع تبادل الولايات المتحدة وإيران إطلاق النار فى مضيق هرمز، وبحسب مسئول أمريكى، تتضمن الخطة إعادة فتح المضيق بشكل فورى أمام حركة الملاحة، من دون فرض رسوم عبور أو قيود على السفن، على أن تلتزم إيران بإزالة الألغام التى وضعتها فى الممر المائى خلال مهلة لا تتجاوز 30 يومًا.
كذلك، تقضى الخطة ببدء رفع الحصار الأمريكى المفروض على الموانئ الإيرانية بصورة تدريجية، بالتوازى مع عودة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى مستوياتها الطبيعية، كما تتضمن الترتيبات المقترحة آلية مرحلية تسمح لإيران بالحصول على تسهيلات مالية تدريجية، شرط استمرارها فى الالتزام بالمطالب الأمريكية.
وفى المقابل، تطالب إيران باستعادة مليارات الدولارات المجمدة للتوصل إلى اتفاق مع ترامب، وقد أصبحت هذه الأموال نقطة خلاف رئيسية فى المحادثات؛ إذ تصرّ طهران على أنه لا يمكن بدء مفاوضات جادة دون الإفراج عنها، مع الأخذ فى الاعتبار إشارة مسئولين من كلا الجانبين إلى إحراز تقدم، رغم استمرار وجود خلافات جوهرية عالقة.
ورغم التقدم فى الملفات الأخرى، لا يزال البرنامج النووى الإيرانى يمثل القضية الأكثر تعقيدًا فى المفاوضات؛ إذ تؤجل المسودة الحالية العديد من التفاصيل المتعلقة بهذا الملف إلى جولات تفاوض لاحقة، لذلك فى خضم المفاوضات النووية المتعثرة بين الولايات المتحدة وإيران بشأن مصير مخزون طهران من اليورانيوم المخصب، أعربت كازاخستان، بشكل غير متوقع، عن استعدادها لقبول هذه المواد النووية الحساسة فى حال التوصل إلى اتفاق، وهى خطوة يُنظر إليها على أنها قد تفتح مسارًا جديدًا أمام المفاوضات.
ولا يزال من غير الواضح موعد الإعلان عن اتفاق فعلى، إن حدث أصلاً. حيث فاجأ ترامب مبعوثيه بطلب تعديلات جديدة على مسودة الاتفاق المرتقب، ما أفسح المجال لجولات إضافية، يريد ترامب كذلك الظهور أمام ناخبيه بمظهر القائد القوى الذى يفرض الشروط ولا يقدم تنازلات وحرمان إيران من ورقة المماطلة. وقال كبير المفاوضين الإيرانيين، الجنرال محمد باقر قاليباف، فى منشور على وسائل التواصل الاجتماعى: إن «طهران لا تثق بواشنطن، ولن يتم اتخاذ أى خطوة قبل أن يتحرك الطرف الآخر أولاً».
فى هذا السياق أوضح الدكتور إسلام المنسى، الخبير فى الشأن الإيرانى، أن «الحرب مع إيران أدت إلى إضعاف النظام والدولة الإيرانية، وهما أمران مختلفان فالدولة الإيرانية أصبحت أضعف كثيرًا؛ إذ يعانى الاقتصاد من حالة تراجع حادة وصلت إلى حد الانهيار فى بعض جوانبه، كما تدهورت العملة وتعرضت مناطق صناعية وبنى تحتية للتدمير، أما النظام الإيرانى نفسه، فرغم مما تعرض له من ضربات وعمليات اغتيال طالت عددًا من قادته، فإنه أصبح أكثر شراسة».
وأضاف أن «واشنطن تسعى بالتأكيد إلى استغلال هذا الضعف لصالحها، لكنها فى الوقت نفسه لا تريد تكرار سيناريو الفوضى. فقد صرح ترامب بأنه لا يرغب فى تكرار الأخطاء التى حدثت فى العراق عندما جرى تفكيك مؤسسات الدولة وحل الجيش، ما أدى إلى تحول البلاد إلى ساحة من الفوضى المستمرة حتى اليوم، ولذلك، فإن الإدارة الأمريكية لا تريد فوضى فى مضيق هرمز أو فى الشرق الأوسط عمومًا، بل تسعى إلى وجود نظام ضعيف يمكن انتزاع تنازلات منه، لكن ما حدث هو أن الدولة الإيرانية ضعفت بشدة، فى حين أصبح النظام أكثر شراسة وتشددًا وتصلبًا، وهذه هى معضلة ترامب فى الملف الإيرانى؛ إذ يسعى إلى الخروج من هذه الورطة وتقييد إيران باتفاق جديد».
وأشار «المنسى» إلى أن «الطرف الأمريكى يمتلك أوراق ضغط دبلوماسية أكثر بكثير من الطرف الإيرانى، لكن طهران تتمتع بميزة مهمة تتمثل فى قدرتها على تحمل الخسائر، فقد اعتمدت خلال الحرب على امتصاص الضربات، ولم يكن لديها الكثير لتخسره، كما ركزت على الحفاظ على قدراتها العسكرية، خاصة الصواريخ والطائرات المسيّرة، واعتبرت أن ذلك كفيل بتعزيز موقفها فى أى مسار تفاوضى، أو حتى فى حال اندلاع مواجهة عسكرية جديدة. وهو ما عبر عنه رئيس البرلمان الإيرانى، محمد باقر قاليباف، بقوله: لا نكسب الامتيازات عبر المفاوضات، بل نكسبها عبر الصواريخ».
«المنسي» أكد أن «إيران تستغل الوقت لتعزيز قدراتها العسكرية والوصول إلى منصات الصواريخ المدفونة تحت الأرض لإنتاج مزيد من الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب إصلاح ما أصاب بعض معداتها العسكرية من أضرار وأعطال»، لكنه أشار إلى أن قدراتها النووية تعرضت لانتكاسة كبيرة بعد دفن مواقعها الرئيسية الثلاثة تحت الركام الناتج عن الضربات الأمريكية فى يونيو الماضى.
وأضاف أن «إيران ممنوعة حاليًا من تطوير أى قدرات نووية جديدة، فى ظل المراقبة المستمرة عبر الأقمار الصناعية وعمليات التجسس. كما أن إطالة أمد الأزمة تمنح واشنطن مزيدًا من الوقت لحشد التحالفات وزيادة الضغوط، لكنها تمنح إيران الفرصة نفسها».
كما أوضح أن «الطرفين دخلا فى ما يشبه «استراحة محارب»، لكنها استراحة طويلة جاءت بعد حرب استمرت 40 يومًا. وخلال هذه الفترة، يعمل كل طرف على تعزيز قدراته العسكرية؛ فالمخزون الأمريكى من الأسلحة تراجع بشكل ملحوظ ويحتاج إلى سنوات لتعويضه، كما أن إيران كانت بحاجة ماسة إلى فرصة لالتقاط الأنفاس، وحساب خسائرها، وإعادة ترتيب أوراقها. وفى ضوء ذلك، يبدو أن الطرفين يستعدان لجولة عسكرية جديدة خلال فترة الهدنة الممتدة».