رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

قرن على معركة «الشعر الجاهلى»!


7-6-2026 | 13:22

.

طباعة
بقلـم: صلاح البيلى

نجيب البهبيتى، تلميذ طه حسين، مدحه المازنى سنة 1945م بعد نشر كتابه عن أبى تمام، ثم نشر كتابه عن الشعر الجاهلى سنة 1950م وعارض أستاذه العميد وهو وزير للمعارف ففصله من كلية الآداب، فسافر للعراق 4 سنوات، وعاش بالمغرب 55 سنة فجهلته الحياة الأدبية، وأعاده للحياة كتاب صدر حديثا!!.

 

فى مثل هذا اليوم قبل قرن كامل من الزمان نشر طه حسين كتابه (فى الشعر الجاهلى)، وقامت الدنيا ولم تقعد، وتناولته بالنقد والهجوم لدرجة الطعن فى عقيدته أقلام خصوم من الأدباء والأزهريين، وأكثر من ذلك فقد قدم فيه بلاغ رسمى للنيابة، وحقق معه (محمد نور وكيل النائب العام)، وبرأه فى النهاية، ومع ذلك أعاد طه حسين نشر كتابه باسم (فى الأدب الجاهلى)، وحذف الفقرات التى تسببت فى الهجوم عليه، واعتذر عنها!.

كان طه حسين فى مقتبل حياته الأدبية، وكان مسكونا بمبدأ (الشك الديكارتى)، فنشر كتابه (فى الشعر الجاهلى)، وأنكر فيه صلة الشعر الجاهلى بالشعراء الجاهليين، وذهب إلى أن هذا الشعر منحول على أصحابه، وقال إنه من وضع شعراء ورواة العصر الأموى والعصر العباسى الأول، وذهب إلى أن العرب القدامى لم يعرفوا فن الشعر، وأكثر من ذلك طعن فى حقيقة وجود خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، وطعن فى الروايات الشفهية، ومنها رواية (السقيفة) لمبايعة أبى بكر بالخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال خصومه إن طعنه ذلك سيكون مدخلا للطعن فى القرآن الكريم، والتشكيك فى كتاب المسلمين المقدس!.

منع كتاب طه من النشر ووصل أمره إلى قبة البرلمان، وإلى النيابة، وهاجمه كثيرون منهم :(الحكيم، ومحمود محمد شاكر، والعقاد، ومحمد فريد وجدى، ومحمد لطفى جمعة، ومحمد أحمد الغمراوى، وعلى الجندى، وأنور الجندى، ومحمود الخضيرى، والخضر حسين، وزكى مبارك، ومصطفى صادق الرفعى) وغيرهم، واضطر طه حسين لنشر كتابه بعد عام بعنوان جديد، وأجرى تعديلا قال عنه:

(هذا كتاب السنة الماضية، حذف منه فصل، وأثبت مكانه فصل، وأضيفت إليه فصول، وغير عنوانه بعض الشيء).

الجديد هذا العام أن إدارة النشر فى الهيئة العامة لقصور الثقافة برئاسة الأديب والصديق الحسينى عمان أصدرت عبر سلسلة (كتابات نقدية)، كتابا مهما عنوانه (ظلال طه حسين، خصومة مجهولة فى مرايا التأويل)، للباحث د.مصطفى سليم، وهو كتاب فى مائة صفحة من القطع الصغير ولكنه خطير جدا، إذ يكشف لنا عن خصومة أدبية وفكرية بين طه حسين وتلميذه نجيب البهبيتى، وهو التلميذ الذى ذاق الأمرين من العميد، واضطر للسفر إلى العراق ثم المغرب، وهناك استقر حتى ختم حياته، وبذلك لم يكن محمود شاكر ولا زكى مبارك ولا على الجندى فقط تلاميذ العميد الثلاثة الذين أضيروا جامعيا، وفكريا، بسبب خلافاتهم معه، بل سوف نكتشف فى البهبيتى تلميذا رابعا نابغة باعتراف أستاذه العميد نفسه، ولكنه تعرض لظلم بين دفعه للهجرة من مصر!.

ولد نجيب محمد البهبيتى فى 17 ماس عام 1908م بقرية (بهبيت الحجارة) فى الغربية، ونسب إليها، حصل على ليسانس اللغة العربية فى كلية الآداب سنة 1933م، وبعد ثلاث سنوات انتهى من أطروحته للماجستير بعنوان (أبو تمام الطائى، حياته، وحياة شعره)، أى عام 1936م، ولكنه لم يحصل على الماجستير إلا سنة 1945م، والسبب كما ذكر أن طه حسين ألقى بالبحث فى أدراجه، واضطر البهبيتى لنشر كتابه ذلك، وبعد خمس سنوات أخرى حصل البهبيتى على درجة الدكتوراه عن رسالته (تاريخ الشعر العربى حتى آخر القرن الثالث الهجرى)، وصدرت فى خمس طبعات أعوام 1950م، و61، و67، و79، و82، وتعرض البهبيتى لهجاء أستاذه طه حسين بداية من كتابه (المدخل إلى دراسة التاريخ والأدب العربيين).

وفى عام 1955م انتدب البهبيتى للعراق للتدريس بجامعة بغداد، وبعد انقلاب عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف سنة 1958م عاد للتدريس بجامعة عين شمس، وبعد عامين انتدب للتدريس بالمغرب فى 9 أكتوبر سنة 1961م، وبعد أربع سنوات انتهى انتدابه، ولكن طاب له المقام فى الرباط فعاش فيها 55 سنة، حتى بلغ من العمر 81 سنة.

وإذا كان أنور الجندى قد ألف عن المعارك الأدبية فى مصر من سنة 1914م حتى سنة 1939م، وشن هجوما عنيفا على طه حسين فى كتبه اللاحقة، فإن سامح كريم قد كتب عن معارك طه حسين الأدبية، وقام د.عبدالمنعم تليمة أحد تلاميذ سهير القلماوى تلميذة طه حسين بإصدار كتابه (فى الشعر الجاهلى، الكتاب والقضية)، وخص الأديب المبدع خيرى شلبى قضية طه حسين تلك بدراسة وافية، كذلك الصحفى النابه صلاح عيسى.

وبلغ مصطفى صادق الرافعى فى خصومته للعميد حتى اتهامه فى عقيدته، أما الدكتور زكى مبارك فقال بعد أن ضيق عليه العميد منافذ وسبل العيش، إنه سيطعم أولاده لحم طه حسين بعد شوائه!.

وكان مصطفى صادق الرافعى قد أصدر كتابه الشهير (على السفود) ضد العقاد، وذم فيه العقاد ذما خرج به عن حدود النقد، واضطر العوضى الوكيل تلميذ العقاد للرد عليه، و(السفود) هو السيخ الذى يشوى عليه اللحم!.

إن نجيب البهبيتى ليس مجرد باحث عابر، ولا ناقد فذ، ولا تلميذ تمرد على أستاذه، بل مشروع بحثى متكامل من ثلاثينيات القرن العشرين، إنه خالف المستشرقين، وخالف (ديكارت)، وأرجع شكه إلى (أبى حامد الغزالى) الذى سبقه بخمسة قرون، واختار الشك وصولا إلى اليقين، فقال البهبيتى إن (منهج ديكارت) وكتابه (مقال فى المنهج) مسروق من تراثنا العربى خاصة من الغزالى، وهو قول قال به أكثر من دارس للفلسفة، منهم الأمريكى (جورج جيمس 1893- 1956م) فى كتابه (التراث المسروق)، وأقر به د.أحمد عتمان، ووضع البهبيتى كتابه الفارق (الغزالى، حياته وفلسفته، تنحلان لديكارت)، وعبر سبعة فصول أثبت أن ديكارت نقل نقلا مشوها عن الغزالى، وأكثر من ذلك، فقد نقد الرؤية الغربية للشعر والأدب العربى، كما نقد التدليس التاريخى (بتهويد) التاريخ العربى!.

كان محمود شاكر تلميذ طه حسين قد اختلف معه ونشر كتابه (الشك فى الشعر الجاهلى) سنة 1926م، وترك الجامعة تماما، وآثر القراءة الحرة بعيدا عن قاعات الجامعة ،ثم أصدر كتابه المهم عن (المتنبى) سنة 1937م، ردا على كتاب طه حسين (مع المتنبى) والذى شكك فى أصله ونسبه وعده لقيطا، ونشرت له الهلال كتابا قيما عنوانه (رسالة فى الطريق إلى ثقافتنا)، عبر سلسلة كتاب الهلال.

أما البهبيتى فنشر كتابه المهم (المعلقات سيرة وتاريخا)، ونفى أن يكون عمر الشعر الجاهلى 150 إلى 200 سنة قبل الإسلام كما ذكر (ابن سلام الجمحى) فى كتابه (طبقات الشعراء)، وقال بقدم الشعر الجاهلى عن ذلك بقرون، كما نقد البهبيتى مصطفى صادق الرافعى وكتابه (تاريخ آداب العرب)، وهو كتاب كان يتحدى فيه الرافعى كل من العقاد وطه حسين، كما نافس العقاد على قلب مى زيادة، وكان يرتاد صالونها فى شارع المغربى (عدلى حاليا) مساء كل يوم ثلاثاء، ويأتيها خصيصا من طنطا حيث يعيش!.

البهبيتى الذى عاش 84 سنة، منها 55 سنة فى المغرب ، أصدر ستة كتب موسوعية، بعضها زاد عن ألف صفحة، وفى مارس سنة 1954م قام الضباط الأحرار فى مصر بما عرف باسم (حملة التطهير) وكان من نتيجتها طرد عدد من أساتذة الجامعة وكان من بينهم البهبيتى!.

عاش البهبيتى فى المغرب 55 سنة، وأنجب هناك (عمر وهالة)، وأصبح أحفاده مغاربة اليوم.

وكان المازنى قد قدم كتاب البهبيتى عن (أبى تمام) فى مقالين فى (البلاغ) سنة 1945م واعتبره (بحثا نفيسا)، وكان البهبيتى قد ذكر أن (مؤامرة قبيحة) حبست كتابه تسع سنوات، وألمح للعميد، وهو ما تناوله المازنى باللمز دون التصريح، لأن طه حسين فى ذلك الوقت كان قطبا مركزيا من أقطاب الثقافة المصرية والجامعة.

وفى كتابه (المدخل إلى دراسة التاريخ والأدب العربى) فى طبعته المغربية سنة 1978م شن البهبيتى هجوما عنيفا على طه حسين، وجاء كتابه فى ثلاثة أجزاء، وشن فيه هجوما على مكر المستشرقين الأوروبيين منذ ما قبل الحروب الصليبية، ويصف طه حسين بأنه نموذج كئيب للتأثير الأوروبى، ويقول إنه زعم كتابة رسالة فى علم الاجتماع، وهو لم يقرأ لابن خلدون الذى أخذ عنه الأوروبيون علم الاجتماع!.

وتحت عنوان (مغامر فى العلم) يقول البهبيتى:(طه حسين لم يقرأ شيئا إلا أتفه ما يقرأ فى سبيل ما كان يعتزم القيام به من كتابة التاريخ الإسلامى، ثم إنه كان جريئا مقداما اعتاد الوصول إلى الشهرة من أيسر السبل، وقد جرى على هذا فى كل ما كتب) .

طه حسين نفسه لم ينكر فى شيخوخته أن حماسه فى الشباب كان وراءه حب الشهرة السريعة، وأن نقده العنيف لشعر شوقى آنذاك كان من هذا الباب، ولما سئل عن سر هجومه على المنفلوطى فى شبابه قال بالحرف:(كنت شابا يريد الشهرة على حساب كاتب معروف)!.

ويقول البهبيتى إن محمود الخضيرى تلميذ طه حسين ترجم سنة 1930م كتاب ديكارت (مقال فى المنهج) عن الفرنسية فطارده العميد حتى فصله من الجامعة، وحرم عليه التعيين فى كلية الآداب، وكان طه حسين لا يجيد إلا الفرنسية كما يؤكد البهبيتى، وقد قرأ كتاب ديكارت من قبل وتأثر به!.

ويذهب البهبيتى إلى أن طه حسين لا يجيد اليونانية كما زعم، بل أجاد الفرنسية فقط، وسبق له أن هاجم سعد زغلول، وعددا من السياسيين لحساب سياسيين آخرين!.

وذهب البهبيتى فى كتاب له إلى أن ديكارت ابن القرن السادس عشر انتحل كتابه (مقال فى المنهج) من كتاب (المنقذ من الضلال) للغزالى فى القرن الحادى عشر الميلادى.

ويؤكد البهبيتى أن طه حسين حين انصرف عن السياسة كما قال، وركز فى الجامعة فى العشرينيات والثلاثينيات لم يدرس لهم قصيدة ولا بيتا واحدا من الشعر الجاهلى!.

على كل، نحن اليوم وبعد قرن كامل على هذه المعركة الأدبية الشهيرة، لا ننتصر لطرف على حساب آخر، بل استعرضنا أصداء معركة شهيرة لا تزال تتردد إلى يومنا، وبعد مائة سنة نكتشف (البهبيتى) هذا التلميذ الأقرب للعميد، وما كان بينهما من خصومة أدبية، بقيت فى سجل تاريخ الأدب!.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة