رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

طبيب عاش ويلات الحرب فى رسالته إلى د. بيتر ميمى..د. محمود رمضان سعد الدين: «شكرًا لأنك وصفت ما عانيناه في غزة»


7-3-2026 | 12:01

.

طباعة
حوار: إيمان النجار

أن يتابع الأطفال والمراهقون فى سن الـ 15 والـ 20 عاما عملًا دراميًا من نوعية مسلسل «صحاب الأرض» ويتفاعلون معه، أن يعرف هذا الجيل ما تحدثه آلة الاحتلال الإسرائيلية فى الأراضى الفلسطينية بطريقة درامية مبسطة بعيدا عن متابعة الأحداث والأخبار الجافة فهذا نجاح، وأن ينال العمل الدرامى إعجاب وامتنان فلسطينيين لنقله قضيتهم ومعاناتهم فهذا نجاح آخر. نجاح ثالث جاء لينتصر لدور الفريق الطبى باعتباره أحد العناصر المهمة داخل هذه الحرب، فكان الأطباء وباقى أعضاء الفريق الطبى بحق جنود فى ساحة القتال، وقدموا بطولات تستحق الإشادة والتقدير، قدموا واجبهم فى ظروف قاسية من نقص الإمكانيات والمستلزمات الطبية، فقدان الأمان والعمل تحت الحصار، لدرجة إجراء جراحات على ضوء أجهزة الهاتف، تاركين خلفهم أمهات وآباء وزوجات وأبناء فى مواجهة الخطر، وعن هذه الظروف وغيرها تحدث الدكتور محمود رمضان سعد الدين استشارى التخدير بمجمع الشفاء الطبى بمدينة غزة لـ «المصور» .

 
 

« د.بيتر، بصفتى أحد الناجين من مذبحة غزة ومن المعايشين لها بكل تفاصيلها إلى الآن أقول لك شكرا، لقد وصفت فعلا وإن لم يكن بكامل التفاصيل جزءا كبيرا مما عانيناه فى غزة خلال فترة الحرب بل وحتى الآن، التفاصيل لها حكايات أخرى لكنكم فى العموم وصفتم حياتنا بنوع ما من الدقة، أنا أحيانا لا أقوى على مشاهدة الحلقات كاملة لأنها تعيد إلى أوجاع لا أريد أن أتذكرها كطبيب قضى كامل فترة الحرب فى المستشفيات وكمواطن عاش الخوف والألم لحظة بلحظة»، بهذه الكلمات جاء نص رسالة الدكتور محمود رمضان سعد الدين استشارى التخدير بمجمع الشفاء الطبى بمدينة غزة للدكتور بيتر ميمى مخرج مسلسل صحاب الأرض، معبرا عن امتنانه وشكره للقائمين على المسلسل الذى ينقل معاناة الشعب الفلسطينى خلال الحرب الإسرائيلية.

«د. محمود»، أضاف: «مسلسل صحاب الأرض من كتر ما قرب من الواقع اللى عشناه، ما قدرتش أكمله، الحلقة الأولى رجعت لى المواجع، والمسلسل رجع لى ذكريات للأمانة لم أكن أريد أن أتذكرها مرة ثانية من كثرة الوجع، والحديث فى هذا الموضوع ذو شجون، وفى الحقيقة البطولات لم تكن للأطباء فقط، لكن كل المنظومة الصحية من أطباء و تمريض و ضباط إسعاف حتى الإداريين والعمال، كانت فعلا جبهة مفتوحة، أرض معركة حقيقية كل واحد فيها يقوم بدوره بقدر الإمكان و بالتزام لم أرى مثله، فكيف لطبيب أو ممرض أو سواق إسعاف يترك بيته وأهله و يذهب للمستشفى، فهو مخاطر بروحه أولا، ترك وراءه عائلة فى خطر، فى لحظات لم يكن هناك إدارة أو وزارة صحة تحاسب من يتأخر أو من لم يحضر الشفت، ومضت شهور لم نتقاض راتبا، لكن فى الغالب كلنا كنا متواجدين فى أماكن عملنا وهذا يدعو للدهشة لدى البعض، فالطبيعى أن الإنسان يخاف ويقولك بيتى أولى بي، أنا مطلوب منى أمور صعبة مطلوب منى أملأ المياه لبيتي، أبحث عن مكان أحصل منه على خبز أو أكل للبيت، أو على الأقل أبقى معهم حتى لا يشعروا بالخوف، لكن ما يحدث مختلف، كل يوم الصبح كلنا نذهب للعمل، نتوجه لعملنا ونترك وراءنا زوجاتنا وأطفالنا، كنت أقول لزوجتى أشوف وشك على خير، كانت فى معظم الأوقات تقول لى «قوم روح شغلك ما تخافش علينا ربنا معانا»، بالنسبة لى كانت زوجتى دافع من أهم الدوافع التى جعلتنى أصمد، الحمد لله لا أتذكر أننى تغيبت مرة عن شفت فى الحرب إلا اليوم الذى دفنت فيه والدتي، الله يرحمها كانت مريضة، كانت بتغسل كلى».

«د. محمود»، انتقل بعد ذلك للحديث عن ظروف العمل، وقال: الظروف التى كنا نعمل بها قصة ثانية، لا يوجد إمكانيات، أعداد الإصابات كبيرة، المستشفى امتلأ 10 مرات فوق طاقته الاستيعابية، المرضى فى الممرات وفى كل مكان داخل وخارج المستشفى، على الأرض، ليس مرضى فقط، لكن أيضا آخرين بحثا عن الحماية بالمستشفى اعتقادا منهم أن المستشفى مكان آمن، ولن يتم استهدافه!.

وأضاف: نظام دوامنا كان 24 ساعة كل 24 ساعة، بمعنى الحضور للمستشفى الصبح الساعة 8 حتى اليوم التالى الساعة 8 ، فقط الذهاب للبيت للراحة قليلا، تدبير أمور البيت والنوم قليلا للذهاب للعمل اليوم التالي.

وبحزن شديد يتذكر «د. محمود» مشاهد مؤلمة لم تزل حاضرة فى الذاكرة عن أيام العدوان الغاشم على القطاع، وقال: كثير من زملائنا استقبلوا أهاليهم مصابين أثناء عملهم بالمستشفى، يتم ضرب بيوتهم وهم مناوبون بالمستشفى، أيضا كثير من زملائنا ذهبوا لبيوتهم للراحة تم ضرب بيوتهم وعادوا للمستشفى إما شهداء أو مصابين، أتذكر زميلنا د. مدحت صيدم، ذهب لبيته من المناوبة وتم قصف بيته وجاء شهيدا وهو بالبيجامة.

وتابع: ظروف العمل كانت قاسية جدا، من أول يوم ظهر النقص الشديد فى المستلزمات، مهما كنا مجهزين أنفسنا كان من غير الممكن القدرة على استيعاب الأعداد المهولة من الإصابات التى كانت تصل المستشفيات، عدد غرف العمليات فى مستشفى مجمع الشفاء الطبى الذى كنت أعمل به كان 18 غرفة عمليات وهذا أكبر مستشفى فى كل أراضى السلطة الفلسطينية حتى فى الضفة، ورغم هذه السعة الكبيرة كنا نجرى عمليات الناس على الأرض، و فى الممرات، و كان هناك مرضى بأعداد كبيرة تنتظر دورها، جاءت لحظات وانفلت الأمر و الأهالى دخلت غرف العمليات مع مرضاها وكانوا يتشاجرون معنا حتى نشتغل أولادهم قبل أى حالة أخرى، جاءت لحظات و تركنا حالات تموت لعدم توفر مكان لهم أو لأن إصاباتهم بالغة و الأمل بالنجاة منها معدوم، أحيانا أعصابى كانت تفلت منى وأفقد السيطرة على أعصابى عندما أكون أمام مصاب يموت وأنا غير قادر على مساعدته وتقديم شىء له.

«د. محمود»، استعادت ذاكرته تفاصيل أحد أيام عمله بمستشفى شهداء الأقصى، وقال: «القصف اقترب كثيرا من المستشفى، وتم إطلاق نار فى محيط المستشفى، الناس هربت كلها، والطواقم أيضا خرجوا، كل أطباء وممرضى الاستقبال خرجوا، الرعاية تبقى فيها طبيب واحد بدون أى ممرض، الجراحون و المرضى الجميع أخلى المكان، فكرت أيضا فى الإخلاء والخروج، لكن كان يوجد فى العلميات طفل مصاب فى بطنه والجراح شغال معه و طفل آخر ينتظر دوره بطنه مفتوح، فهل أخلى أنا أيضا؟، تبقى فى المستشفى 6 أطباء فقط و 3 ممرضين عمليات، يومها ظللت بالمستشفى، روحت الأطباء الصغار حتى إدارة المستشفى يومها أخلت».

وحول ما ينقله المسلسل من مشاهد تتعلق بظروف العمل فى ظل الحرب قال : «بالنسبة لظروف العمل يكفى أن نقول إنه كان العمل لمدة 24 ساعة، لا يوجد مكان للراحة فيه، لا يصلك أكل، المكان من كثرة الشغل والحالات لم يكن التنظيف جيدا، فكانت الرائحة مش طبيعية، ما يتم تخريبه ليس له بديل، الضوء الذى يتعطل يظل عطلان».

كما أوضح أن «مستشفى شهداء الأقصى كان فيه غرفتين عمليات متوسطة الحجم و3 غرف كانت أكشاك ولادة طبيعية حولناها لغرف عمليات صغيرة الحجم، يعنى أن كل المنطقة الوسطى من قطاع غزة كانت معتمدة على 5 غرف عمليات صغيرة الحجم، مستشفى شهداء الأقصى تقريبا المستشفى الوحيد الذى لم يدخله الإسرائيليون، أما باقى المستشفيات فكلها دخلها الجيش الإسرائيلى ودمرها، الشفاء وكمال عدوان والأندونيسى والنصر والرنتيسى فى غزة، ناصر فى خان يونس، الأوروبى والنجار فى رفح كلهم دخلها الجيش ودمرها تقريبا ماعدا ناصر فى خان يونس تدمر جزئيا».

وعن فكرة تناول وعرض معاناة غزة فى مسلسل مصرى قال” : بالتأكيد خطوة إيجابية ومهمة، وكنت شاهدت مسلسل اسمه «كان ياما كان» للممثل ماجد الكدوانى، فى تتر المسلسل لفتة حلوة، معبرة عن فلسطين، تظهر علم فلسطين والكوفية الفلسطينية، لفتة صغيرة جعلتنى للأمانة فرحان ومبسوط، فإذا كانت لفتة مثل هذه رمزية جدا، لكن كان لها تأثير كبير على شخصيا، فما بالنا بمسلسل كامل عن معاناتنا، وأنا كتبت للمخرج بيتر ميمى على صفحته على الفيس بوك تعليق صغير يوضح رأيى”.

وعن مشاهد الرعب بالمستشفيات والخوف من القصف والتى تعرض لها المسلسل قال «د. محمود» : “فى أحد الأيام وأنا فى طريقى إلى المستشفى، حصل استهداف، يومها ارتعبت رعبا ليس له حدود، شاهدت الطائرة وهى تضرب والصاروخ أثناء نزوله، فقط 200 متر بعيد عني، أيضا فى أطباء تم حصارهم داخل المستشفيات خصوصا فى مستشفى الشفاء، الحصار كان حصارا مطبقا وخانقا، لا يوجد أكل ولا شرب ولا شيء يدخل أو يخرج من محيط المستشفى، كانوا يوزعون الأكل المتبقى حصص بينهم وكل واحد نصيبه بالكاد رغيف خبز وكل 4 أفراد لهم علبة جبنة صغيرة وكل 3 أفراد لهم قزازة ميه لتر ونص، وخلال الأيام الأخيرة لم يتبقى أكل، انقطعوا عن الأكل و الشرب لمدة يومين على الأقل، وأغلقت العمليات تماما فى مجمع الشفا قبل ما يدخلوه بعدة أيام .”

وأنهى «د. محمود» حديثه قائلا : «يارب الحرب لسه ما خلصتش ... لسه شغالة بس من تحت لتحت .. الوضع الاقتصادى والمعيشى كما هو وصعوبات الحياة كما هى».

أخبار الساعة

الاكثر قراءة