الفن هو مرآة المجتمع ولكى تتعرف على هوية وثقافة وحضارة أى دولة عليك أن تشاهد أعمالهم الفنية المتنوعة لأنه انعكاس حقيقى للشعوب وللتراث وللقيم السائدة، لذا كان الفن وما زال من أهم عناصر القوة الناعمة فى العالم لكى يؤثر على المتلقى بثقافته التى قد تكون مختلفة عنه، وهنا أذكر مثلاً فى فترة الثمانينيات والتسعينيات عرض المسلسل الأمريكى فالكون كريست بأجزائه والذى كان نقلة نوعية صادمة للمشاهد المصرى للتعرف على قيم وعادات مجتمع مختلف تمام الاختلاف عما نعيش، ورغم الحالة التى صاحبت إذاعة المسلسل إلا أن المجتمع المصرى كان صامدًا أمام هذا الغزو الفكرى نتيجة وجود قاعدة فنية قوية فى مصر فى ذلك الوقت مثلها مثل فترات الاحتلال الأجنبى لمصر لم يتأثر الشعب بثقافة المحتل، بل على العكس كانت الشخصية المصرية أقوى، وبعد عقود من الزمن أصبح أغلبية الفن المصرى يهرب من هويته ويبحث عن ثقافة مغايرة أو يطرح سلبيات فى المجتمع بشكل فج بدون أن يطرح الحل فأفرز لنا فناً لا نستطيع الحكم عليه! رغم أنه مصرى ولكن بفكر
لا يتناسب مع الشخصية المصرية وعاداتها وتقاليدها ولا ينتمى إلينا أو يتحدث عن أحوالنا.
ولا أعرف لماذا أتذكر الآن مسلسل هو وهى الذى عرض عام 1985 رغم أن الجيل الحالى لا يعرف شيئا عن هذا المسلسل إلا الأغنية الخاصة به «هو وهى .. لاء هى وهو» وإن كنت أتذكر أن هذا المسلسل أحدث ضجة كبيرة قبل عرضة لأنه كان أول مسلسل للسندريلا سعاد حسنى أيقونة السينما المصرية فى ذلك الوقت، ولم تكرر التجربة بعد ذلك المسلسل الذى كان يضم نجومًا كبيرة فى كل التخصصات وليس التمثيل فقط، بداية من العملاق أحمد زكى ونجوم مثل تحية كاريوكا وحسن عابدين وأبوبكر عزت ووداد حمدى وزهرة العلا وثريا حلمى وعزيزة راشد ونبيلة السيد وعبدالحفيظ التطاوى ومحمود الجندى وعلى الشريف وزيزى مصطفى وأنعام سالوسة وسميرة عبدالعزيز وسامى العدل ومحسن سرحان وأحمد بدير وأحمد حلاوة وأحمد خميس وشوقى شامخ وغيرهم، وكانت بداية الطفلة لقاء سويدان وقصة الكاتبة الكبيرة سناء البيسى وسيناريو وحوار وأغانى العملاق الكبير صاحب المواهب المتعددة صلاح جاهين وألحان كمال الطويل وعمار الشريعى وموسيقى تصويرية عمارالشريعى ومعالجة درامية وإخراج يحيى العلمى.
والمسلسل عبارة عن حلقات منفصلة تناقش كل حلقة قضية مختلفة من قضايا الرجل والمرأة وعلاقة كل منهما بالآخر، ويحكى المسلسل عن واقع الحياة فى ذلك الوقت من الزمن بمعالجة درامية خفيفة ذات مغزى من خلال عرض بعض الأغانى الاستعراضية خلال الحلقات.
والجدير بالذكر أن المسلسل لاقى نجاحاً جماهيرياً واسعاً، حيث كان فى وقت عرضه يكاد أن تخلو الشوارع من الناس وتتوقف الحياة فيها لحين انتهاء عرض الحلقة.
والتليفزيون المصرى فى ذلك الوقت رصد ميزانية ضخمة للعمل حيث تم اختيار المخرج يحيى العلمى الذى كان يعد أهم مخرج تليفزيونى فى ذلك الوقت، خاصة بعد النجاح الكبير لمسلسل الأيام الذى أخرجة وبطولة أحمد زكى، كما تم اختيار كمال الطويل وعمار الشريعى، ورغم كل مقومات النجاح التى تم توفيرها للعمل أثناء التجهيز الذى أخذ فترة طويلة جدًا إلا أن سعاد حسنى كانت مترددة وخائفة من التجربة جدًا، لدرجة أنها اشترطت أن الذى يكتب السيناريو والحوار يكون الكبير صلاح جاهين، لأنه يفهمها جيدا، وكان الجميع يعرف أنهم مقربون جدا ويمكن جاهين كان أقرب شخص لها، وبدأوا الإعلان عن المسلسل وعند عرضة نجح نجاحا رهيبا لعدة أسباب أهمها تشكيلة النجوم والأغانى والقصص وكان مسلسلاً بالنسبة للأغلبية اجتماعيا خفيفا وفيه كوميديا جميلة، ولكن عندما تقدم بى العمر وشاهدت المسلسل مرات أخرى اكتشفت أنه كان مسلسلاً متفردًا بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، لأن فى هذا التوقيت لم تكن القضايا الاجتماعية المطروحة بالمسلسل تناقش بهذه الطريقة ولكن «هو وهى» رسخ مفاهيم جديدة للمجتمع بشكل بسيط ومحبب وبطريقة غير مباشرة.
المسلسل فيه مجهود جبار من الجميع، وخصوصا سعاد وأحمد زكى، لأن كل حلقة شخصية مختلفة، بمعنى أن كل حلقة كأنها فيلم؛ والعبقرية فى العمل كانت فى البساطة، لذلك هو «مازال عايش مع الناس»، وعندما نتحدث عن العبقرية فهو العملاق الكبير صلاح جاهين الذى كانت سعاد حسنى تثق به ثقة عمياء، وللحق عم صلاح كان بخلاف إنه فنان متعدد المواهب كان إنسانا طيب القلب وكان بيته مفتوحا للجميع وكان مكتشفا نجوما كبارا جدا وكثيرين جدا ومنهم أحمد زكى نفسه.
العبقرى صلاح جاهين كان متفردا فى كل شىء بداية من كلمات أغنية المسلسل التى ما زلنا نحفظها حتى يومنا وأراهن لو أحد منا يتذكر تتر مسلسل يلخص القضايا والمشاكل التى يناقشها بهذا الأسلوب والواقعية أن الذى يغنى ويؤدى هم أبطال العمل نفسه، فمن منا لا يتذكر أغنيات العمل مثل البنات البنات ألطف الكائنات أو بابا زمانو جى، أو جرس الفسحة، أو جلابية بارتى أو خالى البيه أو عيد ميلاد سعيد يا نسمة أو أغنية ياتجيب لى شوكولاتة يابلاش ياوله، وهذه الأغنية لها قصة ظريفة حكتها الكاتبة الكبيرة سناء البيسى عندما اتصل بها العملاق صلاح جاهين الساعة 2 بالليل لأنه يريد كتابة كلمات أغنية بها دلع ومختلفة، فـقال لها يا سناء هو لما بـتحبى جوزك يدلعك بـتطلبى منه إيه، فقالت له شوكولاتة.
فعم صلاح جاهين كمل مع سناء، وافرضى الشوكولاتة ساحت، فـهى ردت: خلاص يبقى راحت مطرح ما راحت، فـكتب جاهين الغنوة اللى كلنا سمعناها.
وفى لقاء نادر لبطلة المسلسل سعاد حسنى سندريلا الشاشة العربية روت كواليس مشاركتها بالعمل الدرامي، قائلة إن مسلسل «هو وهي» يعد بمثابة مجموعة أفلام منفصلة لا يربطها ببعض سوى هى والبطل أحمد زكي، بجانب ضمه عدداً من الشخصيات المستمرة وغيرها المتغيرة.
وأن العمل مرتبط بمواقف الحياة بشكل بسيط وطبيعى فى بهجة وأشبه بالإيقاع السينمائى.
وقالت سعاد حسنى إنها تهتم بتقديم الموضوعات المتعلقة بالجانب الإنسانى والقصص الحقيقية، واصفة نفسها فى بداية الأمر أنها ممثلة وفنانة لا تساوى شيئا، مستكملة حديثها بأنه بدون فريق العمل المتميز المنوع ما بين المخرج ومساعد الإضاءة والمؤلف والألحان والموسيقى والديكور لن ينجح العمل.
وآخذ من كلام السندريلا التى كانت فى عز مجدها روشتة لمن يريد علاج الدراما حاليا.