فى الأقصر.. حين تتكئ الشمس على كتف الجبل، وتستيقظ الحجارة كل صباح على نور التاريخ، كأنه خارج لتوه من بردية قديمة، وجدت الفرنسية «مارى دربيكورت» ما كانت تبحث عنه منذ طفولتها، فلم يكن الأمر مجرد زيارة عابرة أو انبهار سائحة، بل سحر خفى تسلل إليها أمام مقبرة رمسيس الثانى، وفى حضرة الإله آمون، وعلى مدرجات معبد حتشبسوت، حيث شعرت أن الأرض تناديها باسمها، وأن الخطوة الأولى التى خطتها فوق تراب الأقصر لم تكن وصولا بل عودة لروحها التى كانت تبحث عنها.
فى حوارها معنا اختزلت «ماري» رحلتها كلها فى جملة واحدة بدت كأنها خلاصة عمر، حين قالت: «أنا هنا مثل السمكة خروجى من مصر يعنى خروج سمكة من المية، وهذا يمثل الموت لا الحياة».
ثم حسمت موقفها بلا تردد، وبلهجة مصرية اكتسبتها من العيش بين الأقصر والقاهرة، قائلة بابتسامة واثقة: «لن أعود إلى فرنسا إلا كزائرة أريد البقاء هنا فى مصر. أرجع فرنسا؟ فى المشمش».
ثمانى سنوات مضت منذ تابعنا نشاطها البيئى، وهى تقود مبادرات لحماية النيل من التلوث، تجمع المتطوعين، وتنحنى على الشاطئ لتلتقط ما يسيء إلى النهر الخالد، كأنها تدافع عن كائن حى تحبه.. واليوم نعود إليها من زاوية أخرى، فـ«مارى» لم تكن فقط سيدة تحمل أكياس النظافة دفاعا عن النهر، بل فنانة تشكيلية اختارت أن تترجم حبها لمصر فى لوحات وألوان، وأن تجعل من الفن جسرا بين ثقافتين، وضفتين، وحضارتين.
تحكى مارى أن أول خيط يربطها بمصر كان فى طفولتها، حين وقعت عيناها على كراسة مدرسية قديمة تخصّ والدتها، تتضمن فقرة صغيرة عن تاريخ مصر القديمة، لم تكن سوى أسطر قليلة، لكنها تركت أثرا عميقا فى نفسها، تقول: «رأيت حاجة صغيرة عن مصر وشعرت أنها جميلة جدا وكنت عايزة أتعلم كل حاجة عن تاريخ وجمال مصر، لأن الفن المصرى مختلف خالص عن الفن اللى كنت بشوفه فى الكنائس فى فرنسا».
كبرت الفكرة معها وصارت مصر بالنسبة إليها صورة غامضة ومشرقة فى آن واحد، حضارة تختلف عن الفن الذى كانت تراه فى كنائس فرنسا، ورموز تحمل معنى يتجاوز الشكل، لم تكن تدرى آنذاك أن تلك الأسطر القليلة ستقودها بعد سنوات إلى قرار سيغير حياتها بالكامل.
وفى عام 2006 جاءت إلى مصر لأول مرة، زيارة سياحية قصيرة لم تتجاوز عشرة أيام، لكنها تصفها بأنها كانت تنتظرها منذ ثلاثة وعشرين عاما، وفى تلك الرحلة تنقلت بين المعابد والمتاحف، ووقفت أمام التماثيل العملاقة كأنها تقف أمام مرايا تعكس شيئا من داخلها.
صحيح أنها عادت إلى فرنسا، لكن قلبها بقى هنا فى مصر، ثم تكررت الزيارات فى 2010 و2011 و2012، وزارت الأقصر وأسوان وأبو سمبل، وتعرفت إلى أصدقاء مصريين، واختبرت الحياة بعيدا عن إطار السائحة، ومع كل عودة، كان الشعور يتأكد: المكان الذى يريحها ليس حيث وُلدت، بل حيث تجد نفسها.
تحكى عن لحظة فاصلة فى حياتها، حينما كانت والدتها تتأمل صورها فى مصر، تقول ماري: «فى فرنسا كنت حاسة إنى مخنوقة ومتضايقة، ماما قالت لى فى 2011 ورينى الصور اللى صورتيها فى مصر، فقالت لي: ليه وأنتِ هناك ضحكتك جميلة ولما بتكونى هنا وشك زى الخشب ومتضايقة؟ قلت لها: لأن هناك بكون نفسى، فى مصر فيه روح مش موجودة فى فرنسا، من أول خطوة على أرض مصر حسيت إنى فى بيتي».
وفى عام 2013، اتخذت قرار الإقامة الدائمة فى مصر، جاءت لتنفيذ مشروع صغير للأشغال اليدوية، لكنها كانت تعرف فى أعماقها أن المشروع الحقيقى هو مشروع حياتها، حين اختارت الأقصر مقرا لإقامتها، ليس فقط بسبب الآثار، بل بسبب الشعور الأول الذى غمرها عند الوصول.
تتذكر المشهد: «أول ما نزلت من الطيارة، والشمس طالعة من ورا الجبل حسيت بحاجة مش طبيعية. فيه سحر غريب هنا».
وتقول إنها أمام معبدى الكرنك والأقصر، وعلى درجات معبد حتشبسوت الذى تعشقه، شعرت أن التاريخ ليس ماضيا جامدا، بل طاقة حية أصابتها بالنشاط والحركة، وأنها تحب رمسيس الثانى لأنه –كما تقول– موجود فى كل حتة، وتماثيله فيها هيبة وشخصية المصرى القوى، أما حتشبسوت فتمثل لها قوة الحضور، وجرأة التميز فى زمن لم يكن يعترف بسهولة بسطوع امرأة على عرش التاريخ.
لم تكن إقامتها فى مصر إقامة متفرج، منذ سنواتها الأولى وانخرطت فى العمل التطوعى، خاصة فى مجال حماية البيئة بين 2017 و2019، حيث أطلقت 18 مبادرة نظافة، 16 منها على ضفاف النيل شرقا وغربا، واثنتان فى مواقع أثرية، كانت تجمع الأطفال والشباب، وتشرح لهم أهمية الحفاظ على النهر.
تقول: «اتربيت فى مزرعة فى نورماندى بفرنسا وبحب النظافة وبحب المية، النيل بالنسبة لى حاجة مقدسة».
أنفقت من مالها الخاص، ولم تنتظر دعمًا رسميًا، وحين جاءت جائحة كورونا عام 2019 وتوقفت التجمعات لم تتوقف الرسالة، واصلت عبر وسائل التواصل نشر أفكار عن إعادة التدوير وأهمية الحفاظ على البيئة، مؤمنة بأن الفن والبيئة وجهان لرسالة واحدة: حماية الجمال.
لم تقتصر نشاطات مارى على حماية البيئة، بل امتدت إلى العمل الاجتماعى والثقافى، فى محاولة منها لرد الجميل لبلد منحها شعور الانتماء، تقول: وكنت متطوعة فى مكتبة مصر العامة، وكنت أعطى كورسات فرنساوى، والأطفال هم اللى علمونى العربى، وكنا بنعلمهم النظافة، وإننا ما نرميش قمامة فى الشارع، كنت بصرف على المبادرات من فلوسى الخاصة، وبعدين الناس قالوا هنساعدك بس كان كلام وبس».
كما شاركت فى تنظيم فعاليات «الأقصر عاصمة الثقافة العربية»، وأسهمت فى الإعداد لعدد من الحفلات والمؤتمرات الثقافية، مثل مهرجان السينما الإفريقية، وتقول بابتسامة فخر: كنت بنظم حفلات ومؤتمرات، وصورتى نزلت عدة مرة مع المحافظ ووزير الثقافة.
ورغم أن الرسم رافقها منذ الطفولة، فإنها توقفت لسنوات طويلة بسبب غياب التشجيع، كانت ترسم وأخوها الصغير يرسم، وكان الإعجاب يذهب إليه، فشعرت بالإحباط وتخلت عن الريشة، لكن مصر أعادت إليها ثقتها بنفسها.
منذ نحو عشر سنوات، عادت إلى الرسم بجدية، وأول لوحة تتذكرها كانت «بطة» رسمتها لوالدتها وهى فى العاشرة، لكنها تعتبر نفسها فنانة حقيقية منذ قررت أن تعطى للفن وقتا وجهدا، وأن تشارك فى معارض جماعية.
شاركت فى نحو عشرة معارض، وكان أولها فى أتيليه القاهرة، ثم تنقلت بين الإسكندرية وجمصة وفعاليات فنية فى الأقصر.. اليوم تمتلك ما يقرب من 600 لوحة فنية، أغلبها على الورق، وثلاث لوحات صغيرة على القماش، وهى تحلم بمعرض فردى يحمل اسمها وحدها، ويختصر رحلتها من نورماندى إلى النيل.
أغلب أعمال الفرنسية «مارى دربيكورت» تحمل الطابع الفرعونى، وجوه ملوك، رموز هيروغليفية، مفاتيح حياة، وأشكال تستلهم المعبد والتمثال والنقش، لكنها لا تنسخ الماضى بل تعيد تفسيره بروح معاصرة، وعن لوحاتها تقول إن الفن المصرى القديم يختلف جذريا عما كانت تراه فى الكنائس الأوروبية، وإنه يحمل طاقة رمزية عميقة، وفى أحد معابد الأقصر رأت كلمة هيروغليفية تعنى «الإنسانية»، فبقيت عالقة فى ذهنها، وإن تلك الكلمة لخصت ما تشعر به تجاه مصر: إنسانية قبل أن تكون مجرد حضارة.
ففى الأقصر حيث يتجاور مسجد أبو الحجاج مع الكنيسة، ترى «ماري» صورة للتعايش تختلف عن الصورة النمطية التى تروجها بعض وسائل الإعلام فى أوروبا عن المسلمين والعرب، تقول: «أنا ست فرنسية مسيحية عايشة لوحدى فى بلد مسلم، وأكتر من 90 فى المائة من أصحابى مسلمين ومفيش أى فرق فى المعاملة، الدين معاملة وسلوك «، وتؤكد أن تجربتها الشخصية فى مصر كسرت الكثير من الصور المسبقة، وجعلتها تدرك أن الحقيقة تعاش ولا تستقى من الأخبار التى يصدرونها لنا.
رغم عشقها للأقصر، فإن القاهرة تمثل لها القلب النابض للفن، وتقول: «القاهرة فيها معارض أكتر، وحركة فنية أكبر، لهذا أزور القاهرة كثيرا.. حتى أنطلق منها إلى بقية المحافظات بسهولة وأشارك فى المعارض التى يتم تنظيمها فى إسكندرية أو جمصة».
وعن دراستها الأكاديمية، تقول الفرنسية مارى: إنها لم تدرس الفن أكاديميا، لكن تخصصها فى فرنسا كان إدارة المشروعات والخدمات اللوجستية، لكنها تعلمت الرسم ذاتيا، واعتبرت كل معرض مدرسة جديدة، تستفيد منه تجربة وخبرة.
لا يتوقف شغف «مارى دربيكورت» عند المعابد واللوحات، بل يمتد إلى الموسيقى المصرية أيضا، وتقول إنها تحب أغانى محمد منير «بحبه جدًا»، كما تستمع إلى عمرو دياب وتامر حسنى، معتبرة أن الأغنية المصرية جميلة جدا ولها إحساس مختلف.
أما عن المتحف المصرى الكبير، فتتحدث بحماس واضح عن المتحف المصرى الكبير، قائلة: «حفلة افتتاح المتحف الكبير عظيمة جدا والصور والفيديوهات التى رأيت بها رمسيس الثانى حلوة جدا، وحاجة عظيمة لمصر، لأن مصر فيها ثلث آثار العالم، والمتحف الكبير مخصص فقط لآثار مصر، وهذا مختلف عن متاحف أوروبا الموجود فيها آثار من كل بلد».
وبعيدا عن الفن والتاريخ، تستمتع مارى ببساطة الحياة اليومية، وبالطبيعة والحيوانات التى تراها جزءًا من دفء المكان. تقول: «بحب الكلاب والقطط البلدى جدا، وما بخافش منهم بالعكس، هما بييجوا عليا وبحبهم».
وعندما طرحنا عليها فكرة العودة لفرنسا.. قالت إنها تعود إلى فرنسا شهرًا واحدًا كل عام، لزيارة الأهل، لكنها تعتبر نفسها فى إجازة هناك، وتقول بوضوح: «مصر بقت بلدي فرنسا بروحلها زيارة»، وعن احتمالية العودة النهائية، تبتسم وتجيب بلهجتها المصرية: «أرجع؟ فى المشمش».
بين النيل واللوحات، بين مبادرة نظافة ومعرض فنى، تمضى «مارى دربيكورت» فى رحلتها المصرية، فرنسية بالميلاد، مصرية بالاختيار، لتؤكد أن مصر ليست موقعا متميزا على الخريطة فقط، بل روح يمكن أن تسكن القلب إلى الأبد.