رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

اقتصاد مصر و«ضربة إيران».. 3 سيناريوهات «متوقعة»


6-3-2026 | 13:48

.

طباعة
تقرير: بسمة أبو العزم

فى ظل التطورات المتسارعة التى تشهدها المنطقة عقب العدوان الذى شنّته الولايات المتحدة ودولة الاحتلال على إيران، تتجه الأنظار إلى التداعيات الاقتصادية المحتملة على دول المنطقة، وفى مقدمتها مصر، باعتبارها اقتصادًا منفتحًا يتفاعل مع الأسواق العالمية عبر قنوات الطاقة والتجارة والاستثمار والتمويل، وعلى الرغم من الآثار السلبية المتوقعة وخاصة بسبب التضخم المستورد المنتظر وارتفاع أسعار الطاقة والنقل، فإن هناك جهودًا واجتماعات حكومية على مدار الساعة، لضمان وفرة السلع والخدمات، ومنعا لأى استغلال أو محاولات احتكارية مرتقبة.

 
 

مبكرًا.. اتخذت الجهات المعنية خطوات استباقية، حيث تم تفعيل غرفة الأزمات فى مجلس الوزراء استعدادًا لمواجهة التداعيات السلبية المتوقعة على الاقتصاد المصرى، وبالفعل عقد رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى اجتماعا مع الوزراء المعنيين بملف السلع الغذائية والمواد البترولية، والذى أكد خلاله وزير التموين والتجارة الداخلية، الدكتور شريف فاروق، توافر مخزون آمن من مختلف السلع الأساسية بأرصدة تقترب من 6 أشهر، مع استمرار الجهود بضخّ المزيد من السلع فى الأسواق، وكذلك طمأن وزير البترول المهندس كريم بدوى المواطنين بتوافر احتياطيات آمنة من المواد البترولية مع انتظام تأمين الإمدادات لمختلف الاستخدامات، وخاصة القطاعات الإنتاجية.

ومن حسن الحظ أن الفترة الماضية شهدت جهودًا حكومية لزيادة المتاح من السلع لاستقبال شهر رمضان، لكن رغم وفرة السلع، فإن التخوف من استمرار تلك الحرب لفترة أطول بما يهدد بموجة جديدة من ارتفاع الأسعار ومستويات جديدة من التضخم المستورد وارتفاع لقيمة الدولار مع هبوط الجنيه، بعد فترة من التعافى التى لم تكتمل.

وبالفعل بدأت أول الآثار السلبية بإعلان بعض شركات الشحن بتغيير مسارها للإبحار عبر رأس الرجاء الصالح بدلا من قناة السويس، ومنها شركة CMA، ومجموعة الشحن الدنماركية ميرسك والألمانية «هابج لوبد» كما اشتعلت أسعار الذهب حيث تجاوز الجرام عيار 21 سعر 7 آلاف و600، كما كانت هناك تحركات استباقية قبل تلك الحرب بعدة أيام، حيث سجلت مبيعات العرب والأجانب فى السوق الثانوى للدين الحكومى المصرى 1.12 مليار دولار بحسب بيانات البورصة، مما أسهم فى خفض قيمة الجنيه أمام الدولار بنحو 2.1 فى المائة من قيمته خلال يناير، حيث تجاوز حاجز الـ 49 جنيهاً، وتتجه التوقعات إلى احتمال تسارع وتيرة خروج الاستثمار الأجنبى غير المباشر فى أدوات الدين المحلية والمعروفة بـ«الأموال الساخنة».

وفى هذا السياق، أوضح سيد النواوى، نائب رئيس غرفة القاهرة التجارية، نائب رئيس شعبة المستوردين بالاتحاد العام للغرف التجارية، أنه «رغم وجود كميات كبيرة من السلع فى الأسواق، فإن السلع المستوردة ستشهد ارتفاعات فى أسعارها بسبب تكاليف النقل الجديدة والنولون وطول مدة وصولها وكذلك ارتفاعات أسعار الدولار المنتظرة خلال الأيام القادمة، وذلك بفرضية استمرار تلك الحرب لفترة أطول، أما إذا تم تجاوز الأزمة خلال بضعة أيام فلن تتأثر الأسواق».

«النواوي»، شدد على أن «الفترة المقبلة تستلزم وعيًا مجتمعيًا بضرورة الشراء قدر الاحتياج، فلا داعى لأى تكالب على السلع فهى متوافرة، لكن زيادة الطلب من شأنها رفع الأسعار فورا واستغلال البعض لتلك السلوكيات فيتم احتكار بعض السلع، أيضا لا بد من الرقابة الجيدة لكن بشكل عقلانى بعيدا عن الشدة والعنف، حتى لا يتجه التجار لتخزين السلع وتعطيش الأسواق مثلما حدث مسبقا فى أزمة السكر، وبالتالى يجب التعامل فى ملف الأمن الغذائى بحكمة لحين انتهاء الأزمة، فما يمكن تأكيده أن السلع متوافرة داخل حدود مصر ولن يأتى يوم لا يجد فيه المواطن احتياجاته اليومية، لكن التخوف من التضخم المستورد وارتفاع أسعار السلع المستوردة بسبب التغيرات العالمية».

وفى سياق متصل، أوضح الخبير الاقتصادى، الدكتور مصطفى رضوان، أستاذ اقتصاديات التنمية، أن «ما يجرى لا يجب قراءته بوصفه حدثًا عسكريًا محدود الأثر، بل باعتباره صدمة جيوسياسية مركبة قد تعيد تشكيل خريطة المخاطر الاقتصادية عالميًا وإقليميًا، وعلى المستوى المحلى فستكون هناك تأثيرات على الاقتصاد المصري»، مشيرًا إلى أنه «يجب التفرقة بين أثرين محتملين، الأول هو أثر الأحداث فى الأجل القصير، وأول انعكاس مباشر يتمثل فى تحركات أسعار النفط والغاز عالميًا، خاصة بعد إعلان توقف الملاحة فى مضيق هرمز الذى يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية، هذا الارتفاع المتوقع فى أسعار الطاقة سينعكس على الاقتصاد المصرى من خلال زيادة فاتورة استيراد المنتجات البترولية بما يتسبب فى ضغط إضافى على بند دعم الطاقة فى الموازنة العامة كذلك ارتفاع تكاليف الإنتاج الصناعى والنقل، إضافة إلى موجة تضخمية غير مباشرة عبر انتقال أثر التكلفة، وتلك التداعيات على أسعار النفط ستتطلب مراجعة تقديرات الموازنة واحتواء الآثار التضخمية عبر أدوات مالية ونقدية منسقة».

وتابع: كذلك، فإنه فى الأجل القصير فى أوقات التوترات الجيوسياسية، تميل رؤوس الأموال العالمية إلى الهروب نحو الملاذات الآمنة، ما يؤدى إلى ارتفاع العائد على السندات فى الأسواق الناشئة، وزيادة تكلفة التمويل الخارجى، مع احتمالات تراجع التدفقات الاستثمارية قصيرة الأجل، والأخطر ضغوطًا على سوق الصرف.

«د. مصطفى»، أضاف: فى ذلك نجد أن قوة الاحتياطيات الدولية وإدارة السياسة النقدية بمرونة تمثل خط الدفاع الأول لاحتواء التقلبات، مستهدفين بذلك ضرورة الحفاظ على ثقة المستثمرين المحليين والأجانب. وفيما يتعلق بالسياحة والتجارة الدولية، فإن التوتر فى المنطقة يؤثر نفسيًا وعمليًا على حركة السفر، كما أن أى اضطراب ممتد فى التجارة العالمية قد يؤثر على إيرادات قناة السويس، سواء عبر تراجع أحجام التجارة أو تغير مسارات الشحن، وتجاه ذلك نجد أن مصر بحكم موقعها الجغرافى الاستراتيجى يمكن أن تستفيد فى بعض السيناريوهات من إعادة توجيه سلاسل الإمداد، لكن ذلك يتطلب جاهزية لوجستية وتشريعية سريعة.

ولفت إلى أنه «على المستوى المتوسط إن استمرار النزاع أو اتسع نطاقه قد يؤدى إلى آثار أعمق، منها تباطؤ الاستثمار الأجنبى المباشر نتيجة ارتفاع درجة المخاطر الإقليمية، كذلك ارتفاع تكلفة الاقتراض السيادى بسبب زيادة علاوة المخاطر، أيضا ضغوط تضخمية ممتدة إذا استمرت أسعار الطاقة مرتفعة، إعادة تشكيل سلاسل الإمداد بما قد يفتح فرصًا لمصر فى التصنيع البديل، ومن ثم فإن الأزمات الجيوسياسية الكبرى غالبًا ما تُحدث تحولات هيكلية، ومن لا يتهيأ لها مبكرًا يتحمل كلفتها مضاعفة لاحقًا».

«د. مصطفى»، أشار أيضا إلى أن هناك سيناريوهات لمدى تصاعد الحرب الإيرانية، وقال: السيناريو الأول المتفائل (احتواء سريع للتصعيد خلال 4–6 أسابيع) وهنا سنفترض أن متوسط سعر النفط سيكون ما بين 80–85 دولارًا للبرميل، مع عدم إغلاق مسارات الملاحة، واستقرار نسبى فى الأسواق العالمية وفى هذه الحالة نجد أن الانعكاسات المتوقعة على مصر ستصاحبها زيادة محدودة فى فاتورة الطاقة +1 إلى 1.5 مليار دولار، مع تراجع طفيف فى الاستثمار الأجنبى قصير الأجل 5 إلى 7 فى المائة مع انخفاض السياحة بنسبة 5 إلى 3 فى المائة مؤقتًا، وتراجع إيرادات قناة السويس بنسبة 2 إلى 3 فى المائة، وهو ما سينعكس كليا على الاقتصاد المصرى من حيث انخفاض النمو بنحو 0.3 إلى 0.5 نقطة مئوية، ويضاف إلى ذلك ارتفاع التضخم بمعدل 1 نقطة مئوية إضافية، لإضافة إلى ضغط محدود على سعر الصرف يمكن احتواؤه وهى تأثيرات يمكن للحكومة المصرية التعامل معها دون تعديل جذرى فى السياسات.

وأكمل السيناريو الثاني: المعتدل (استمرار التوتر 3–6 أشهر دون حرب شاملة)، وذلك مع فرضية أن يصبح متوسط سعر النفط 90–100 دولار للبرميل، ارتفاع علاوة المخاطر فى الأسواق الناشئة، مع تباطؤ التجارة الإقليمية، وتلك الافتراضات سترتب زيادة فاتورة الطاقة 3–4 مليارات دولار، وتراجع الاستثمار الأجنبى 10–15 فى المائة، مع انخفاض إيرادات السياحة 8–12 فى المائة، تراجع إيرادات قناة السويس 5– 8 فى المائة، وهو الأمر الذى سيصاحبه عدد من التداعيات على مؤشرات الاقتصاد الكلى المصرى كانخفاض النمو بنحو 0.8 – 1.2 نقطة مئوية، وارتفاع فى معدل التضخم 2–3 نقاط مئوية، فضلا عن زيادة تكلفة خدمة الدين الخارجى، ضغط متوسط على الجنيه، وتلك التداعيات ستتطلب من الحكومة المصرية تدخلًا نقديًا وماليًا متوازنًا وإعادة ترتيب أولويات الموازنة.

وتابع «رضوان»: السيناريو الثالث: المتشائم (اتساع نطاق النزاع إقليميًا وتعطل الملاحة جزئيًا)، سعر النفط 110–120 دولارًا، واضطرابات ممتدة فى الملاحة، مع خروج ملحوظ لرؤوس الأموال من الأسواق الناشئة وهنا من المحتمل زيادة فاتورة الطاقة 6–8 مليارات دولار، مع تراجع الاستثمار الأجنبى 20 إلى 30 فى المائة، وانخفاض السياحة 15 إلى 20 فى المائة، إضافة إلى تراجع إيرادات قناة السويس 10 إلى 15 فى المائة، وهو الأمر الذى سيصاحبه انخفاض النمو بنحو 1.5 – 2 نقطة مئوية، مع ارتفاع التضخم 4–6 نقاط مئوية، ويتزامن مع ذلك ضغوط قوية على سعر الصرف، وارتفاع تكلفة الاقتراض الخارجى بشكل ملحوظ، وهو الأمر الذى يستلزم من الحكومة المصرية حزمة استقرار اقتصادى شاملة وإجراءات طوارئ مالية. كذلك، شدد «د. مصطفى»، على أن «كل زيادة قدرها 10 دولارات فى متوسط سعر النفط قد تكلف الموازنة ما يقرب من 0.3–0.5 فى المائة من الناتج المحلى الإجمالى، سواء عبر دعم الطاقة أو ارتفاع تكلفة الاستيراد، كما أن كل تراجع بنسبة 10 فى المائة فى إيرادات السياحة أو قناة السويس قد يعنى فقدان ما بين 1–1.5 مليار دولار من النقد الأجنبى سنويًا، وهو ما نستطيع أن نؤكد معه أن الاقتصاد المصرى ليس فى معزل عن الصدمات الخارجية، لكنه يملك أدوات امتصاص إذا تم التحرك مبكرًا، وهذا الأمر سيتوقف على سرعة اتخاذ القرار وتنسيق السياسات بين الحكومة والبنك المركزى باعتباره العامل الحاسم فى تقليل التكلفة الاقتصادية للأزمة».

وتوقع «د. مصطفى» أن يكون السيناريو المعتدل الأكثر ترجيحًا فى حال استمرار التوتر دون توسع عسكرى شامل، مشددًا فى الوقت ذاته على أهمية الاستعداد للسيناريو المتشائم عبر بناء احتياطيات وقائية وتعزيز مناعة الاقتصاد الإنتاجية، ومضيفًا أن «هناك مجموعة ضرورية من الإجراءات التى يمثل تبنيها نمطًا من أنماط الاستجابات السريعة للمتغيرات العالمية وذلك على مستوى السياسات الاقتصادية المحلية، أولا على المستوى النقدى يجب الحفاظ على مرونة سعر الصرف وإدارة السيولة لاحتواء التضخم المستورد، مع تقليل الاعتماد على التدفقات قصيرة الأجل».

وتابع: ثانيا.. على المستوى المالى يجب إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، توجيه الدعم بدقة، توسيع القاعدة الضريبية دون إرهاق النشاط الإنتاجى، ثالثا على المستوى الهيكلى يجب تسريع توطين الصناعة، تعزيز الأمن الغذائى، دعم الصادرات الصناعية.

من جهته، قال الدكتور أشرف غراب، الخبير الاقتصادى، نائب رئيس الاتحاد العربى للتنمية الاجتماعية بمنظومة العمل العربى بجامعة الدول العربية لشئون التنمية الاقتصادية: إن «الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ظهرت تداعياتها السلبية بالظهور سريعا على أسعار النفط والغاز والذهب، استمرار التصاعد يهدد الاقتصاد والاستقرار المالى بمنطقة الشرق الأوسط».

وأضاف «غراب» أن «غلق مضيق هرمز والذى يمر منه نحو 20 فى المائة من صادرات النفط العالمية، ومضيق باب المندب والذى يمر منه نحو 6 ملايين برميل نفط وغاز يوميا، سيصيب حركة التجارة العالمية بشلل تام وسيرفع من تكلفة النفط والغاز والشحن والتأمين لمستويات غير مسبوقة، مع الأخذ فى الاعتبار أن رفع أسعار الطاقة والدولار يزيد من الآثار التضخمية فى مصر، لأن ارتفاع أسعار الطاقة والدولار يرفع تكلفة الاستيراد وهذا يؤدى لرفع تكاليف الإنتاج وبالتالى ارتفاع الأسعار، ولكن هذا يتوقف على استمرار أمد الحرب وتوسع رقعة الصراع». «د. أشرف» أكد أنه «إذا استمر التصعيد العسكرى بين الجانبين؛ فسينعكس أثره بالسلب على سلاسل الإمداد مما يؤدى لاضطراب سلاسل الإمداد وحركة التجارة العالمية ورفع تكاليف الشحن والتأمين، ما يرفع من تكلفة التجارة العالمية وتكلفة التجارة فى الشرق الأوسط؛ ونتيجة ذلك ترتفع أسعار السلع الأساسية الاستراتيجية والخدمات، ما يؤدى لزيادة الضغوط التضخمية، خاصة فى الدول المستوردة للطاقة والسلع الغذائية، موضحا أن التذبذب الحاد فى الأسواق يؤثر مباشرة بالضرر على الأسهم العالمية لعدم استقرار عملية التسعير، كما أن استمرار التصعيد يؤثر بلا شك على قرارات البنوك المركزية فى تحديد سعر الفائدة ومن بينها البنك المركزى المصرى خلال الفترة المقبلة، مستبعدا تأثر تحويلات المصريين بالخارج بسبب الحرب الأمريكية - الإيرانية».

وتابع: هناك تأثير سلبى على حركة الملاحة بقناة السويس، خاصة أنها شريان رئيسى لحركة التجارة العالمية، ما يسهم فى رفع تكاليف النقل والشحن والتأمين، موضحا أن الحرب لها تأثير سلبى فى مصر على حركة رؤوس الأموال الأجنبية غير المباشرة ما يؤدى لتراجع الاستثمارات قصيرة الأجل وخروج جزء من الأموال الساخنة واتجاه رؤوس الأموال إلى الملاذات الآمنة خاصة فى أوقات التوترات الجيوسياسية الحالية، موضحا أن الحروب تؤدى لارتفاعات حادة فى أسعار الغذاء والنفط نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد وزيادة تكاليف الشحن، فضلا عن فرض الدول قيودًا على التصدير لمواجهة تخوفات اضطراب العرض والطلب.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة