ففى ظل تضخم عالمى متصاعد فعليًا ينذر هذا التصعيد بموجة جديدة ترهن الأسواق التى لم تسترِح منذ فترة خصوصًا الدول المستوردة للطاقة، مع ازدياد المخاطر ومصاريف الشحن، وعلى الدول أن تعيد حساباتها فهى أمام اختبار للتوازن.
فنحن أمام محنة جديدة يشهدها الاقتصاد العالمى، ومنطقة الشرق الأوسط تحديدًا، وفى الوقت الذى يعانى فيه العالم من مشاكله الاقتصادية وغيمة الركود الاقتصادى والتضخم وتراجع النمو، وطبول الحرب عندما تدق تترك أسئلة كثيرة عن قسوة آثار الحرب على الأوضاع الاقتصادية، فالدول تعانى بالأصل من مواجهة الضغوط التضخمية وتراكم الديون، لم يعد لتفاصيل الاقتصاد الكلى أى توازن مع الأحداث.
كل خطوة لعدم اليقين الاقتصادى تؤخر نجاعة الاقتصاد العالمى، خصوصًا أن هذا المكان من العالم يقبع فيه النفط والغاز، وهذه المنطقة تعطى لهذه ثقلاً للاقتصاد العالمى. وبالنسبة لسلاسل الإمداد والشحن العالمى، فيمر منها 1.5 تريليون دولار سنويا من تجارة العالم، مما يزيد الحالة قتامة، وجرس إنذار يدق بالتوابع، والمزيد من التشرذم الاقتصادى والسياسى.
حالة من الارتباك أصابت ملفات الطاقة والسياحة والصناعة وسوق المال وسلاسل الإمداد، وتدور الدوائر ليدخل العالم فى سرداب مظلم ومزيد من الكبوات، خاصة أن ملحمة الغضب الأمريكى الإسرائيلى أصابت الأسواق بضربة معنوية بشكل عام؛ فالجغرافيا السياسية سيطرت على المشهد، ومع تصاعد التوترات فى المنطقة تتجه الأنظار نحو سيناريوهات محتملة ترسم مستقبل أسعار النفط والغاز العالمى.
والسؤال الأبرز: هل تعود أسعار النفط إلى ثلاثة أرقام مرة أخرى مما قد يلقى بظلاله مرة أخرى على الاقتصاد العالمى ومعدلات الديون؟.. هذا الوقت الحساس الذى يتعامل فيه العالم مع ضغوط التضخم وارتفاع أسعار الفائدة والحروب التجارية، خاصة أن الانزلاق إلى السيناريو الأسوأ وهو غلق المضيق الحيوى الذى يمر منه 20 فى المائة من النفط العالمى، بالإضافة إلى توقف إمدادات النفط الإيرانية التى تمثل عصب الصناعة للصين، فكلما زادت التوترات الجيوسياسية زادت الأسعار التى تتوقف على مدى استمرار التصعيد، فإيران تنتج 3.3 مليون برميل يوميا، وصادراتها 2 مليون برميل يوميا، وهى من أهم الدول المصدرة للنفط؛ لذلك على المدى القصير تزيد الأسعار. أما المدى الطويل، فالعوامل فى إطالة أمد الصراع يجد العالم نفسه أمام تهديد حقيقى.
فنحن أمام مرحلة جديدة من تسعير المخاطر فى «وول ستريت» للنفط والغاز والذهب وكل الأصول الاستراتيجية وعوائد السندات، وهذه الأحداث ليست محلية بل تمتد آثارها لأسواق الطاقة والتجارة والسيولة المالية، وبالطبع سوف تتأثر الدول المستوردة للنفط بارتفاع أسعار الطاقة وزيادة فاتورة الواردات وزيادة العجز التجارى وتعطل الإمداد، أيضا ملف السياحة يواجه تحديات فى منطقة الشرق الأوسط والضغط على العملة المحلية وارتفاع تكاليف الشحن.
فى عالم تشكل فيه موارد الطاقة عصب الحياة والصناعة، وهنا تبرز الصراعات الجيوسياسية كأحد العوامل المؤثرة فى الاستقرار وتوافر الموارد؛ إذ تعد الطاقة خاصة النفط والغاز ليست مجرد سلع تجارية بل هى أيضا أداة من أدوات القوة والنفوذ على الساحة الدولية وسبب مباشر للصراعات بين الدول وداخلها، سواء سياسية أو اقتصادية، وتجد طريقها للتأثير غير المباشر على الأسواق العالمية وتتجاوز حدود الدول المعنية، مما يعيد رسم الجغرافيا ورسم الخرائط السياسية الدولية، وتفرض تحديات كبيرة يديرها الكبار الذين يقبعون لفرض قواعد اللعبة والنفوذ والهيمنة الجديدة.
تطورت مرحلة الصراع بين أمريكا وإسرائيل وإيران من الردع العسكرى إلى التدمير الاقتصادى، ليس لإيران وحدها وإنما للاقتصاد العالمى كله الذى يقف على المحك فى معركة ليست ميدانية وإنما اقتصادية بامتياز، تطال فيها الشظايا الأسواق العالمية، مما يعيد تشكيل الخرائط الاقتصادية موقع إيران فى قلب المنظومة العالمية وجغرافيتها النفطية بإنتاجها وصادراتها ولديها عنق الزجاجة وهو مضيق هرمز، لذلك الأسواق تسعر نفسها طبقا للسيناريوهات المنتظرة، فالصراع يحدده التوقيت، ويعود الركود التضخمى يطرق أبواب الاقتصاد العالمى.
الخطر الحقيقى فى استقرار الإمدادات واستعداد الأسواق لرد الفعل، والاقتصاد العالمى ما زال يرزح تحت وطأة التعريفات الجمركية، والطلب على النفط يتأثر، وتشير المعطيات الراهنة إلى أن ما تفعله إسرائيل ليس ضربة عادية وإنما بداية لسيناريوهات لها مسار مستقبلى على أجندة الاقتصاد العالمى، واحتدام الموقف يجعله أكثر تعقيدًا عندما يغلق مضيق هرمز والتأثير الطويل، فالعوامل الدافعة لارتفاع الأسعار وتكلفة الشحن والتأمين والنقل، فقطاع النقل البحرى هو الأهم فى التجارة العالمية، والمضايق هى الشرايين الأساسية المرتبطة باقتصادات سلاسل الإمداد، وهنا الإشكالية فى هذه الأزمات أنها تتعلق بالشحن وزيادة المخاطر الأمنية فى البحار وتكاليف تزيد مع زيادة توقيت الصراعات، وعلى الدول أن تضع استراتيجية لإدارة مخاطر النقل البحرى.
ولعل المصفوفة الأبرز فى هذا الصراع هل هى معركة تموضع جديد أو جزء من الحرب العالمية الثالثة؟، فالمعارك ليست فقط بالجيوش ولكن بالاقتصاد والكساد، ومع هذه الأحداث الدراماتيكية عادت إلى الواجهة مشاكل الديون السيادية التى بلغت عالميا 348 تريليون دولار حتى نهاية 2025 وتصاعد التضخم وانتقال الركود الاقتصادى من مرحلة الركود التقنى إلى الركود التضخمى الحقيقى، أيضا معدلات النمو الاقتصادى معرضة للخطر مما يهدد الاستقرار العالمى.
تعود حركة الملاحة البحرية فى البحر الأحمر إلى الواجهة مما يعطى مؤشرا على عدم استقرار حركة الملاحة فى قناة السويس وباب المندب، بالإضافة إلى أن إغلاق المجالات الجوية لعدة دول يعطل آليات السياحة، وقطار الحقيقة يقود الذهب مرة أخرى إلى قمم تاريخية، فالذهب دوما يستفيد من التوترات الجيوسياسية.
أحلام الدول والعالم تتلاشى مع ارتفاع أصوات الرصاص والصواريخ الباليستية لمَن لا يحترمون القانون الدولى، وأصبحت الصورة مغايرة لكل التوقعات، تلاشى التفاؤل بعد اتساع مسارح النزاعات والاقتصاد العالمى وخريطة الطاقة فى المنطقة الرمادية، والقلق الاقتصادى يسيطر على المشهد، وأصبح الجميع فى دوامة الفوضى العارمة التى كتبها رجل الصفقات، تلاشت حالة الزخم الإيجابى من الأسواق، فحركة النمو الاقتصادى المستدام تم قتلها فى بنيتها الوجودية، وأصبحت تكلفة الهوامش الربحية للدول فى مسار مستقبلى هبوطى، والدورات الاقتصادية غير متكافئة ومستويات المقاومة، والكل يبحث عن العدالة المفقودة، إشارات القلق وعلامات العناء الاقتصادى ستظهر مع إطالة أمد الصراع، فالتضخم ما زال مرتفعا، وعودة إعادة المعايرة والانتقال إلى السلام الاقتصادى أصبحت حالة من استحالة فى فهم الفوضى العارمة.
العالم على صفيح ساخن، فمناطق الصراعات تتسع بشكل كبير، ومصفوفة المخاطر ترتفع يوما بعد يوم، وعلى الدول أن تضع سيناريوهات التى تبقيها بعيدا عن الخطر، فالعالم على موعد مع مِحن جديدة على الأصعدة المالية والنقدية والسياسية والاقتصادية، فهذه الحرب ستترك آثارها بضربة قاضية للثقة فى الاقتصاد العالمى.
فهل يذهب العالم إلى مرحلة اللاعودة؟.. فالحروب لا شك تقتل الاقتصادات وتدمر موازنات الدول التى تعانى بالأصل مع الترقب والحذر، فهى السمة الغالبة فى المرحلة القادمة، وتعاملات الطاقة فى منطقة من أهم مناطق العالم حساسية.