« هدفنا هو الدفاع عن الشعب الأمريكى من خلال القضاء على التهديدات الوشيكة من النظام الإيرانى، وهو مجموعة شريرة من أناس قساة ومرعبين».. هذا كان جزءا من خطاب «ترامب» حول الضربات الأمريكية، والذى أكد خلاله أيضا أن إيران رفضت التخلى عن برنامجها النووى، كما قال إن «إيران لن تملك سلاحا نوويا أبدا».
خطاب «ترامب»، وضع أهدافا أمريكية _ إسرائيلية واضحة، وهو القضاء على البرنامج النووى الإيرانى والإطاحة بالنظام الذى لا يسمع الكلام، وعلى الجهة الأخرى فإن إيران ترفض رفضا تاما التخلى عن برنامجها النووى الذى تعتبره جزءا من هوية النظام الإيرانى وإنجاز ا للجمهورية الإسلامية.
معادلة معقدة والخطوة التى أقدمت عليها الولايات المتحدة ستنتج عنها بالتأكيد عواقب وخيمة، ولكن هل النتائج التى ترجوها أمريكا تتناسب مع تلك العواقب، ربما من وجهة النظر الأمريكية الإجابة «نعم» لكن من وجهة النظر العالمية لاسيما الشرق الأوسط، فهو بداية خطر وسيناريو فوضى لا يعرف أحد كيف سينتهى.
اختارت الولايات المتحدة سياسة تعرف بـ «القوة على الأرض» وهى سياسة تتبعها الدول لفرض شروطها فى المفاوضات، واستخدمت إسرائيل مصطلح «العمل الاستباقى» لتبرير هجومها، لكن حسب الكثيرين فإن هذه ليست حربا استباقية كما تقول الولايات المتحدة وإسرائيل بل هى «حرب اختيارية» غير مضمونة العواقب، وذلك لأن أمريكا وإسرائيل ظنتا أن الوقت مناسب لمهاجمة النظام الإيرانى، فالنظام الإسلامى حسب تقديرهم بات ضعيفا فى إيران، فهو يعانى من أزمة اقتصادية حادة، ومظاهرات أرهقته منذ بداية العام الحالى، كما أن دفاعات النظام متضررة بشدة من حرب الصيف الماضى، ويبدو أن الاستنتاج كان أن هذه الفرصة لن تعوض.
فى تصريحات «ترامب» و«نتنياهو»، اتفق الاثنان على أن «إيران تشكل خطرا على بلديهما»، بل وصفها «ترامب» بأنها «خطر عالمى»، لكن ما يصعب فهمه حقا هو مبرر الهجوم على إيران بتطبيق مبدأ الدفاع عن النفس فى ظل التفاوت الهائل فى موازين القوى بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ناهيك عن إعلان «ترامب» عقب الضربة الماضية بتدمير المنشآت النووية والبرنامج النووى عموما تدميرا لم يسبق له مثيل، فمبرر التدخل لم يعد موجودا ومع ذلك تم التدخل.
الصراع المسلح عندما يبدأ يصعب السيطرة عليه، ودائما ما تحدث المفاجآت، والخطوة «الأمريكية _ الإسرائيلية» لها أهداف أخرى غير المعلن عنها أيضا، فـ «نتنياهو» على أعتاب انتخابات عامة، وتشير الأدلة منذ الحرب فى غزة أن موقفه يتعزز عندما تكون إسرائيل فى حالة حرب، غير أنه طالما رأى إيران عدوا كبيرا ربما يعطل طموحه فى المنطقة، وقد حان الوقت لإزاحتها حتى يتسنى لإسرائيل التوسع فى المنطقة بحسب رغبتها كيفما يحلو لها.
أما أهداف «ترامب» فتبدو رمادية بعض الشىء، ويبدو أنها مجرد دعم للرغبة الإسرائيلية بالقضاء على إيران، لاسيما أن إيران قد قدمت تنازلات بالفعل أثناء جولة المفاوضات من السماح بتفتيش منشآتها النووية وغيرها، لكن يبدو من البداية أن الولايات المتحدة لم تكن تريد المفاوضات، بل كانت حجة لحشد قواتها للتصدى للنووى الإيرانى، الذى كان قد أعلن «ترامب» عقب ضربات الصيف الماضى بأنه قد دمر تماما.
أما بفرض أنه يريد تغيير النظام الإيرانى كما يقول، فليس هناك سابقة لتغيير نظام باستخدام القوات الجوية وحدها، فصدام حسين تم الإطاحة به باستخدام قوة برية، وكذلك الرئيس الليبى السابق معمر القذافى تمت الإطاحة به على يد قوات الثوار التى زودها حلف الناتو وبعض الدول العربية بسلاح جو، لكن حتى فى كل مرة كانت النتيجة انهيار الدولة وحروب أهلية ومقتل الآلاف.
كما أن النظام فى إيران مختلف، فعلى مدى نصف قرن تقريبا أنشأ النظام الإيرانى نظاما سياسيا معقدا يجمع بين الأيديولوجية الدينية ونظام الدولة العميقة، حتى وإن قتل المرشد سيتم استبداله بآخر مدعوم من الحرس الثورى الذى يتواجد جنبا إلى جنب مع القوات المسلحة التقليدية بمهمة واضحة وهى الدفاع عن النظام ضد التهديدات فى الداخل والخارج.
وفى يونيو الماضى فى الحرب مع إسرائيل كان قد تم ترشيح ثلاثة مرشحين يمكن تعيينهم سريعا لخلافته، وبالطبع يجب أن يكون المرشد رجل دين شيعيا بارزا، وعالما دينيا يعينه مجلس الخبراء -وهو لجنة من رجال الدين- ، حسب نيويورك تايمز، فقد أعلن خامنئى استنادا إلى مقابلات مع ستة مسئولين ورجلى دين عن ثلاثة مرشحين يفضلهم لمنصب المرشد، وهم رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسنى إجائى، ورئيس ديوان خامنئى على أصغر حجازى، وحسن الخمينى رجل دين معتدل من التيار الإصلاحى وحفيد آية الله الخمينى.
ومن ناحية أخرى يحظى مجتبى نجل المرشد بتأييد بعض الفصائل، كما أنه يتمتع بنفوذ كبير سرا، إلا أن خامنئى صرح لأتباعه بأنه لا يرغب فى أن يكون منصب المرشد الأعلى وراثيا، وحتى الآن ذهب الرأى الإيرانى لتأجيل إعلان المرشد والاعتماد على مجلس القيادة الانتقالى المكون من الرئيس بزشكيان وغلام حسين محسنى رئيس السلطة القضائية وآية الله على رضا عرفى.
يذكر أن المرشد السابق هو ثانى من تولى هذا المنصب عقب روح الله الخمينى، وذلك منذ عام 1989، وكان يتمتع بصلاحيات واسعة بصفته المرشد، وكان قائدا أعلى للقوات المسلحة وله كلمة الفصل فى جميع شئون الدولة.
وفى هذا السياق، قال الدكتور محمد اليمنى، خبير العلاقات الدولية :الإعلان عن وفاة خامئنى أحدث زلزالا لا شك فى البنية السياسية للنظام الإيرانى، ليس فقط لأنه شغل منصب المرشد لأكثر من ثلاثة عقود، بل لأنه كان حجر الزاوية الذى ربط بين المؤسسة العسكرية والدينية والأمنية والسياسية فى منظومة حكم شديدة التعقيد، غير أن موته لا يعنى انتهاء النظام، لأنه من الخطأ التحليلى الأكثر شيوعا فى لحظات التحول هو اختزال النظام فى شخص، فصحيح أن خامنئى كان يتمتع بسلطة شبه مطلقة، لكن النظام الإيرانى منذ عام 1979 بنى على فكرة «توزيع السيطرة» داخل نخبة ضيقة من النخب وهم مجلس الخبراء والحرس الثورى والمؤسسات الأمنية والقضاء وشبكة اقتصادية تديرها الدولة العميقة. وبحسب «اليمنى»، فإن «خامنئى لم يكن وحده النظام، لكن موته يجعل إيران بلا رأس واضح، وهو ما يدخلها فى أخطر مراحلها منذ نهاية الحرب العراقية _ الإيرانية»، لافتًا إلى أن «النظام الإيرانى قد يضعف، قد يتصدع، لكنه لا ينهار آليًا بموت خامنئي، وذلك لعدة أسباب، أهمها أن الحرس الثورى لا يزال متماسكًا، كما أنه ربما يتم تأجيل الحديث عن خلافة المرشد والتركيز على العدو الخارجى لتوحيد جبهة القتال.
ورجح الخبير فى العلاقات الدولية، على مدى السبعة أيام القادمة يرجح أن يكون هناك تصعيد محسوب وليس انفجارا شاملا، وستستمر إيران فى الرد العسكرى لكن دون تجاوز الخطوط التى تستدعى حربًا كاسحة، وبالطبع سيكون هناك تحرك دبلوماسى خلف الستار وعبر وسطاء إقليميين.
الأمر السابق، اتفق معه السفير رخا حسن، مساعد وزير الخارجية السابق، الذى أشار إلى أن «الحرب ستستمر هذا الأسبوع على الأقل، وستستمر الضربات الإيرانية على القواعد الأمريكية فى دول الخليج على الأقل حتى نهاية الأسبوع».
«رخا»، هو الآخر شدد على أن «موت خامنئى لا يعنى انهيار النظام لأنها دولة عميقة لا تعتمد على قيادات الصف الأول فقط، فعلى الأغلب ستعيد إيران ترتيب أوراقها بطريقة ما ليستمر الرد الإيرانى على التحالف الأمريكى _ الإسرائيلي».
كما حذر مساعد وزير الخارجية السابق، من أذرع إيران التى قد تشكل وقودا حيا لمزيد من التصاعد والتوترات فى المنطقة، حتى إنه خرجت بعض الشيعة بمظاهرات فى باكستان للاعتراض على مقتل المرشد، كما حذرت قوات الحشد الشعبى فى العراق من استهداف المصالح الأمريكية فى العراق، من أجل وقف العدوان الأمريكى على إيران.
وتابع: أرى أن الكارت الرابح بالنسبة لإيران هو إغلاق مضيق هرمز، الأمر الذى سيترتب عليه عواقب اقتصادية وخيمة لكل من أوروبا ودول الخليج، وهو ما نتج عنه بالفعل ارتفاع أسعار النفط، وهذه الورقة ستمكن إيران من موازنة موقفها إذا حدثت مفاوضات وستكون ورقة ضغط جيدة لإنهاء الحرب إذا أرادوا ذلك.