رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

حين تُستعمل الرموز وتُستهدف الدول


4-3-2026 | 17:21

.

طباعة
بقلم: د. محمد بشارى الأمين العام للمجلس العالمى للمجتمعات المسلمة

ليست الأزمات الكبرى مجرد صدامات عسكرية عابرة، بل هي لحظات كاشفة تعيد ترتيب المعاني في الوعي السياسي للشعوب. ففي مثل هذه اللحظات تسقط كثير من الأقنعة التي طالما رفعتها الخطابات التعبوية، ويتبيّن أن الشعارات التي قُدِّمت في صورة مشاريع تحريرية قد تكون في حقيقتها أدواتٍ لإعادة رسم النفوذ في الجغرافيا السياسية للمنطقة. ومن هنا يصبح من الضروري قراءة الأحداث لا بعيون العاطفة الآنية، بل ببصيرة التاريخ وتجارب العقود الماضية .

منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران سنة 1979، برز مفهوم “تصدير الثورة” بوصفه أحد المكونات الأساسية في تصور النظام الجديد لدوره خارج حدوده. ولم يكن هذا المفهوم مجرد صيغة خطابية مرتبطة بزخم اللحظة الثورية، بل كان تعبيرًا عن رؤية ترى أن الثورة لا ينبغي أن تبقى حبيسة حدودها الوطنية، بل أن تمتد إلى المجال الإسلامي الأوسع حيث يُعاد تشكيل التوازنات السياسية والفكرية وفق منظورٍ أيديولوجي محدد .

في البدايات، استقبل كثير من المثقفين في العالم العربي هذه الثورة بقدرٍ كبير من التعاطف، إذ بدا المشهد وكأن قوةً جديدة ظهرت في المنطقة تتحدى الهيمنة الدولية وترفع شعار الدفاع عن المستضعفين وتحرير القدس. غير أن الزمن كشف تدريجيًا أن ما بدا مشروعًا للتحرر لم يكن في جوهره سوى مشروع نفوذٍ يتوسل بالشعارات الكبرى ليؤسس شبكة تأثير تتجاوز الدولة إلى المجال المجتمعي والثقافي والديني. .

ففي عدد من الساحات الإقليمية لم يظهر هذا المشروع في صورة دعمٍ للدول ومؤسساتها، بل في صورة شبكات موازية تقوم على تشكيل تنظيمات عقائدية أو مسلحة ترتبط سياسيًا بمحورٍ خارجي. وبهذا التحول لم يعد الصراع مجرد تنافس سياسي بين دول، بل أصبح صراعًا على طبيعة الدولة نفسها: هل تبقى الدولة الوطنية هي المرجع الأعلى للقرار، أم تتحول إلى إطارٍ شكلي تتحرك داخله قوى عابرة للحدود؟.

.ومع مرور الوقت لم يقتصر هذا التمدد على المجال العسكري أو الأمني، بل اتخذ مسارات أكثر نعومة وتعقيدًا، كان أبرزها الاستثمار في المجال الثقافي والديني. فالمشاريع التي تسعى إلى توسيع نفوذها خارج حدودها تدرك أن القوة الصلبة وحدها لا تكفي، وأن الطريق الأقصر إلى المجتمعات يمر عبر وجدانها الرمزي وروابطها الروحية.

من هنا برز توظيف الرموز الدينية في بناء النفوذ، وفي مقدمة هذه الرموز المكانة العظيمة التي يحتلها آل البيت في وجدان المسلمين. فمحبة آل البيت ليست مسألة مذهبية ضيقة، بل هي جزء أصيل من الوجدان الإسلامي العام، وقد ارتبطت هذه المحبة في التراث الصوفي السني بعمقٍ روحي خاص، حيث تشكل سيرة النبي ﷺ وآله الكرام محورًا مركزيًا في التربية الروحية والوجدانية للطرق الصوفية.

غير أن هذه العاطفة الروحية النبيلة تحولت في بعض السياقات المعاصرة إلى مدخلٍ استراتيجي للتأثير في المجال الديني داخل المجتمعات السنية. فقد جرى تقديم الخطاب الإيراني في بعض الأحيان بوصفه امتدادًا طبيعيًا لمحبة آل البيت، وهو خطاب يجد صداه بسهولة في البيئات التي تعلي من هذه الرمزية الروحية. .

ومن خلال هذا المدخل العاطفي، نشأت قنوات تواصل مع بعض الجماعات الدينية أو الطرق الصوفية في عدد من المناطق، خاصة في أفريقيا وبعض أجزاء آسيا. وقد اتخذت هذه القنوات أشكالًا متعددة: مؤتمرات عن الوحدة الإسلامية، نشاطات ثقافية حول تراث آل البيت، برامج تعليمية أو دعوية، واستضافة شخصيات دينية في فعاليات فكرية وروحية .

في ظاهر هذه الأنشطة يبدو الأمر أقرب إلى حوار ثقافي أو تقارب ديني مشروع، غير أن الملاحظة الدقيقة لمسار هذه العلاقات تكشف في بعض الحالات عن محاولة تدريجية لبناء شبكات تأثير طويلة الأمد. إذ يبدأ الخطاب بالتأكيد على القواسم الروحية المشتركة، ثم ينتقل إلى إعادة تأويل بعض القضايا التاريخية أو العقدية، قبل أن يتحول في مراحل لاحقة إلى اصطفاف سياسي أو تعاطف مع مشروع إقليمي بعينه..

.وهنا تكمن خطورة هذا المسار؛ فهو لا يقوم على المواجهة المباشرة أو الصدام الظاهر، بل يعتمد على التدرج الهادئ في التأثير، حيث تتحول الرموز الدينية من فضاء جامع إلى أدوات استقطاب سياسي. وعندما يحدث ذلك يفقد الدين طبيعته الروحية الجامعة ويتحول إلى عنصر انقسام داخل المجتمع.

ولا يمكن فصل هذا البعد الرمزي عن السياق الجيوسياسي الأوسع الذي تشهده المنطقة اليوم. فحين تتحول المدن العربية وممرات الطاقة والملاحة إلى ساحات توتر، يصبح واضحًا أن المسألة تتجاوز حدود الصراع العسكري المباشر لتصل إلى مستوى تهديد الاستقرار الاقتصادي والسياسي للدول. .

إن استهداف البنية الاقتصادية للدول العربية أو تهديد الممرات البحرية الحيوية في المنطقة لا يقتصر أثره على دولة بعينها، بل يمتد ليطال توازنات الاقتصاد الإقليمي بأسره. فهذه الممرات تمثل شرايين التجارة والطاقة، وأي اضطراب فيها ينعكس فورًا على حركة الأسواق واستقرار الاقتصادات الوطنية .

وفي ظل هذا التشابك المعقد بين الصراع العسكري والنفوذ الثقافي والتوظيف الرمزي للدين، تصبح الدولة الوطنية العربية هي الحلقة الأكثر عرضة للضغط. فالمشاريع الإقليمية المتنافسة تسعى كل منها إلى توسيع مجالها الحيوي على حساب استقرار الدول القائمة، وهو ما يهدد بتحويل المنطقة إلى فضاء مفتوح لصراعات النفوذ .

.لهذا فإن التمسك بفكرة الدولة الوطنية لا يمثل مجرد خيار سياسي، بل ضرورة حضارية لحماية المجتمعات من الانزلاق إلى الفوضى. فالتجربة القريبة في أكثر من بلد عربي أثبتت أن إضعاف الدولة أو تفكيك مؤسساتها يفتح الباب سريعًا أمام قوى غير دولية تملأ الفراغ وتعيد تشكيل المجتمع وفق أجنداتها الخاصة.

إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه المجتمعات العربية اليوم لا يتمثل فقط في مواجهة الصواريخ أو الأزمات العسكرية، بل في حماية المجال الديني والثقافي من أن يتحول إلى أداة في صراعات النفوذ الإقليمي. فمحبة آل البيت ستظل قيمة روحية جامعة في وجدان المسلمين، لكنها تفقد معناها النبيل حين تُستعمل جسراً لمشاريع سياسية عابرة للحدود

وفي عالم تتداخل فيه الجغرافيا بالعقيدة، والسياسة بالرمز، تصبح البصيرة الوطنية هي السلاح الأهم. فالدول التي تحسن التمييز بين الدين بوصفه فضاءً جامعًا، وبين توظيفه كأداة نفوذ، هي وحدها القادرة على حماية استقرارها وصون وحدتها في زمن تتكاثر فيه المشاريع وتضطرب فيه المعاني.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة