دعوات متصاعدة فى ألمانيا بسحب احتياطياتها من الذهب لدى الفيدرالى الأمريكى والبالغة 1236 طنًا، وذلك عقب نجاح فرنسا فى سحب احتياطياتها مؤخرا والبالغة 129 طنًا، وذلك عقب اهتزاز الثقة وعدم القدرة على التنبؤ بقرارات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب والخوف من استغلال الذهب كنوع من الضغط والعقوبات الاقتصادية على أوروبا.
يُشار هنا إلى أن خدمة حفظ الذهب واحدة من الخدمات المالية التى يقدمها الاحتياطى الفيدرالى بنيويورك للبنوك المركزية والحكومات، وتصل القيمة التقديرية لهذا المخزون إلى أكثر من 580 مليار دولار.
وعن التخوفات الأوروبية الأخيرة، قال المهندس لطفى منيب، نائب رئيس الشعبة العامة للذهب والمجوهرات بالاتحاد العام للغرف التجارية: «تخزين الذهب فى الولايات المتحدة لم يكن اختيارًا عشوائيًا، بل اختيار فرضته ظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية لثلاثة أسباب رئيسية، أولها: الأمان المكانى لصعوبة وصول الصراعات العسكرية المباشرة إلى الأراضى الأمريكية وقتها، ثانيا: كفاءة تسوية المعاملات وسهولة نقل ملكية الذهب بين الدول دفتريًا داخل سجلات البنك دون الحاجة لتحريك السبائك ومواجهة مخاطر وتكاليف الشحن، ثالثا: الارتباط بالعملة الدولية، نظرًا لكون الدولار هو العملة المرجعية العالمية منذ عقود».
وأضاف: رغم أن المبرر الرسمى لفرنسا هو «تحديث المواصفات الفنية» للسبائك المخزونة لدى أمريكا لتتوافق مع معايير (بورصة لندن للذهب)، فإن التوقيت يحمل دلالات أعمق، فبعد القرارات الأمريكية الأخيرة بتجميد أصول بعض الدول منها روسيا، أدركت الدول الأخرى والقوى الاقتصادية فى العالم أن الذهب لا يكون آمنًا حقًا، إلا إذا كان داخل حدود الدولة مالكته وتحت سيطرتها المباشرة.
وأوضح «منيب»، أن «وجود ذهب العالم فى الخزائن الأمريكية يرسخ لأمريكا هيمنة عملتها ويجعلها المحور الإلزامى للتسويات الدولية، وسحب الذهب الفرنسى والمتوقع أن يتبع هذا النهج العديد من الدول لن يهز الاقتصاد الأمريكى فورًا، لكنه يضعف الثقة فى نظام «القطب الواحد»، ويمهد لنظام مالى متعدد الأقطاب يعتمد على توزيع القوة ويضمن استقرارًا أكثر لاقتصادات العالم».
كما أشار إلى أنه «بالنسبة للدول العربية فالأكيد أنها تحتفظ بجزء من احتياطياتها فى الخارج لضمان «التوافر النقدى الفورى» فى الأسواق العالمية، وتفاصيل هذه الأرصدة غالبًا ما تندرج تحت بند السرية، إلا أن التوجه العالمى نحو «توطين الاحتياطيات» بدأ يفرض نفسه على طاولات صُناع القرار فى منطقتنا أيضًا».
أما عن رؤية السوق، محليًا وعالميًا، فقال «منيب»: نحن فى قلب موجة صعود تاريخية مدعومة بشهية البنوك المركزية الكبرى للشراء للتحول بسيولتها بعيدًا عن الدولار للخروج من هيمنته وللتحول لنظام مالى واقتصادى جديد، ومحليًا يظل الذهب هو الملاذ الآمن الذى يتحرك وفقًا لمعادلة (سعر البورصة العالمية مع سعر الصرف وحجم العرض والطلب)، ولا تزال هناك فرصة جيدة لشراء الذهب، ولكن وفقًا للقواعد الفنية السليمة، بالشراء المرحلى وعدم ضخ كامل السيولة فى توقيت واحد لتفادى تقلبات السعر المفاجئة، والتعامل مع الذهب للادخار المتوسط إلى طويل الأجل، وليس كأداة للمضاربة اليومية.
فى السياق، أشار أسامة زرعى، رئيس قسم الأبحاث والتقارير بشركة جولد إيرا، إلى أن «الاتجاه السائد قديما لدى أغلب دول أوروبا وضع الاحتياطى الخاص بها لدى الفيدرالى الأمريكى سواء فى صورة تخزين لحمايته أو تأجيره مع الحصول على فائدة عليه، لكن التخوفات الأوروبية منذ ضرب روسيا لأوكرانيا تزايدت من استغلال تلك الاحتياطيات لديه للضغط على الدول الأوروبية كأداة عقاب اقتصادية ويفاجئهم بامتناعه عن إعطائهم هذه السبائك، وبالفعل حينما طالبت ألمانيا منذ عدة سنوات الفيدرالى بأخذ جزء من ذهبها لم تحصل عليه إلا بعد ست سنوات تقريبا من مطلبها، وهنا تجدد القلق بقوة مع حرب إيران، حيث انتشرت الأقاويل مؤخرا أننا يجب التأكد من وجود 8233 طنًا ذهب لدى الفيدرالى أم تم التصرف فى جزء كبير منها سواء بالبيع أو التأجير ومع ارتفاع الأسعار لم يتم تعويضها».
وتابع: كانت تحركات فرنسا استباقية، وهدفها الحقيقى تخوفات من استحواذ أمريكا عليه كجزء من العقوبات الأمريكية التى يمكن أن تقع على الاتحاد الأوروبى حال تضامنها مع إيران أو حتى قربها من الصين أو روسيا، لكنها لم تكشف عن السبب الحقيقى بل استغلت ثغرة ظاهرية للحصول على ذهبها، حيث قالت إن الذهب المخزن قديم، ومعياره لا يتفق مع معيار «رابطة سوق لندن للمعادن الثمينة»، فيجب أن يكون وزن السبيكة من 10.5 إلى 13.3 كيلو وعيارها 995 أو 9999، وبالتالى حصلت فرنسا على ذهبها بمعدل 129 طنًا ثم قامت بتخزينه فى باريس ببورصة السلع وحققت مكاسب إضافية بضعة مليارات».
«زرعى»، لفت إلى أن «تقارير جى بى مورجان وجولدمان ساكس وغيرها أن الاحتياطى العالمى من الذهب لدى أمريكا دخل جزء منه عقد وبالتالى احتمال قوى أن يكون هناك نقص فى الوزن لديه لوجود فروق أسعار، وبالتالى إذا حدث هذا التوقع فستكون هناك احتمالية لزيادة أسعار الذهب إذا حدثت إعادة تقييم لهذا المخزون.