في واحد من أهم الإصدارات الفكرية اللافتة التي صدرت عن المركز القومي للترجمة، يطل علينا المؤرخ البريطاني بيتر جان في كتابه "الاستشراق هيمنة مستمرة: المؤرخون الأنجلو-أمريكيون ومصر الحديثة"، ترجمة سحر توفيق ومراجعة عاصم الدسوقي، ليضع القارئ أمام أسئلة لا تهادن، وتفكيك لا يطمئن.
يناقش المؤلف فكرة أن التراتبية – بوصفها ترتيبًا طبيعيًا للمجتمع وللمعرفة – ليست مجرد افتراض عابر في الأعمال التاريخية، بل هي بنية متجذرة، تتغذى من التنشئة الاجتماعية منذ الطفولة. فالطفل يتعلم الطاعة والاحترام، ويتشرب إحساسًا بالأمان في ظل سلطة ما، دينية كانت أو سياسية أو رمزية. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الاعتياد على الاحترام إلى استعداد ضمني لقبول تعريفات جاهزة عمّا ينبغي دراسته، ومن يحق له أن يكون مصدرًا، وما الذي يُعد أصيلاً أو طبيعيًا.
ومن هنا، يلفت الكتاب إلى أن احترام التراتبية – سواء كانت أكاديمية أو سياسية – لا يتوقف عند حدود الطفولة، بل يستمر طوال الحياة المهنية للباحث. فالمؤرخ، حتى وهو مدرَّب على الشك في مصادره وعلى الحذر من الاعتماد على النخب، كثيرًا ما يجد نفسه يميل إلى تبني وجهة نظر ملك، أو حاكم، أو أحد رجال الدولة، وكأن السلطة هي الزاوية الأكثر شرعية للرؤية.
الكتاب يذهب أبعد من ذلك، فيؤكد أن قبول التراتبية ليس أمرًا حياديًا كما يبدو، وإلا لكان مطروحًا للنقاش العلني داخل الأقسام الأكاديمية، شأنه شأن النقاشات حول العرق أو النوع الاجتماعي أو الأفكار المسبقة عن "الاستبداد الشرقي". لكنه في كثير من الأحيان يظل مسلَّمًا به، مضمَرًا في خلفية الكتابة التاريخية، يعمل في صمت.
"الاستشراق هيمنة مستمرة" لا يقدّم قراءة في تاريخ مصر الحديثة، بل يقدّم قراءة في كيفية صناعة هذا التاريخ، وفي الشبكات المعرفية والسياسية التي تمنحه شرعيته. إنه كتاب عن السلطة حين تختبئ في اللغة، وعن التقاليد الأكاديمية حين تتحول إلى يقين لا يُسائل.
وفي زمن تتجدد فيه الأسئلة حول من يملك حق السرد، يبدو هذا الكتاب تذكيرًا ضروريًا بأن التاريخ ليس مجرد وقائع، بل اختيار.. وليس مجرد أرشيف، بل منظور.