رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

السودانيون فى مصر.. فاتورة تتجاوز 4.5 مليار دولار.. معادلة الاستضافة الصعبة


12-2-2026 | 18:21

.

طباعة
بقلم: د. عبد المنعم السيد

تعيش مصر منذ سنوات فى قلب إقليم مضطرب، تحيط به الصراعات المسلحة وعدم الاستقرار السياسى والاقتصادى، الأمر الذى جعلها مقصدًا طبيعيًا لملايين الأشقاء العرب والأفارقة الباحثين عن الأمان والاستقرار، وفى مقدمة هؤلاء يأتى الأشقاء السودانيون الذين دفعتهم الحرب الدائرة فى بلادهم منذ أبريل 2023 إلى النزوح خارج الحدود، وكانت مصر -بحكم التاريخ والجغرافيا والروابط الإنسانية- الوجهة الأولى والأقرب.. هذا الواقع فرض نفسه بقوة على المشهد الاقتصادى والاجتماعى المصرى، وفتح بابًا واسعًا للنقاش حول كلفة الاستضافة، وحدود القدرة الاقتصادية، وكيفية إدارة هذا الملف دون الإخلال بالثوابت الإنسانية والأخلاقية للدولة المصرية.

 

منذ اللحظة الأولى، اتخذت الدولة المصرية موقفًا واضحًا يقوم على مبدأ أساسى، مفاده أن كلّ مَن يقيم على الأراضى المصرية يتمتع بحقوق إنسانية وخدمية أساسية دون تمييز على أساس الجنسية أو العرق. هذا المبدأ لم يكن مجرد شعار سياسى، بل تُرجم عمليًا فى إتاحة الخدمات الأساسية من تعليم وصحة ومرافق وسلع غذائية لكل المقيمين، سواء كانوا مصريين أو غير مصريين. مصر لم تنشئ مخيّمات إيواء مغلقة، ولم تتعامل مع الأشقاء الوافدين بمنطق العزل أو الفصل، بل اندمجوا داخل النسيج المجتمعى، يعيشون فى نفس الأحياء، ويستخدمون نفس المدارس والمستشفيات ووسائل النقل، وهو نموذج إنسانى نادر فى منطقة تعانى من أزمات لجوء معقدة.

ولا شك أن هناك إجماعًا على أن الدولة المصرية تتعامل مع كل مَن يقيم على أراضيها بصفتهم بشرًا لهم حق الوصول إلى الخدمات الأساسية والسلع الغذائية دون تمييز، وهو ما يتطلب إلقاء نظرة متأنية على الأبعاد الاقتصادية لهذا الواقع.

وتشير التقديرات الدولية إلى أن عدد غير المصريين المقيمين داخل مصر تجاوز 10 إلى 12 مليونًا من جنسيات مختلفة، من بينهم السودانيون والسوريون واليمنيون والليبيون وغيرهم، وهو ما يعنى أن غير المصريين يشكلون نسبة معتبرة من إجمالى عدد السكان المقيمين داخل الدولة. بعض التقديرات تذهب إلى أن هذه النسبة تتجاوز 10 فى المائة من إجمالى السكان الموجودين فعليًا داخل مصر، وهو رقم ضخم بكل المقاييس الاقتصادية، خاصة إذا ما وُضع فى سياق دولة تعانى أصلاً من ضغوط سكانية وموارد محدودة واعتماد جزئى على الاستيراد فى السلع الغذائية الأساسية.

وقد وصلت أعداد كبيرة من السودانيين إلى الأراضى المصرية، مع تقديرات تشير إلى 1.2 مليون إلى 1.5 مليون سودانى، بحسب تقارير تحليلية وأمنية، ويشكل السودانيون جزءًا كبيرًا من إجمالى غير المصريين فى مصر، وأن وجودهم ليس محدودًا أو زهيدًا.. وهذا الواقع السكانى الجديد يفرض بالضرورة أعباء اقتصادية مباشرة وغير مباشرة على الموازنة العامة للدولة. فحين تلتزم الدولة بتوفير الخبز والسلع الغذائية والطاقة والخدمات الصحية والتعليمية لكل مَن يعيش على أرضها دون تمييز، ومن الواضح أن السياسات المصرية تجاه غير المصريين، ومن بينهم السودانيون، تتميز بخاصية مهمة وهى تقديم خدمات أساسية وسلع غذائية لكل المقيمين على الأراضى المصرية، سواء كانوا مصريين أو غير مصريين، دون تمييز.

وهذا المبدأ ينعكس على الأقل فى جانبين مهمين، وهما الوصول إلى الخدمات الصحية: المقيمون غير المصريين يستطيعون الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية فى كثير من الحالات، حتى عندما يكون الدعم الدولى محدودًا أو متراجعًا، كما ظهر فيما يتعلق بخدمات المفوضية التى توقفت فى بعض الحالات بسبب نقص التمويل، وكذلك التعليم والرعاية الاجتماعية: الأطفال غير المصريين يُسمح لهم غالبًا بالالتحاق بالمدارس الحكومية، ويستفيدون من برامج الدعم الغذائى فى بعض المناطق بحسب اللوائح المحلية، بالإضافة إلى قبول المواطنين المصريين ضيوف مصر والترحيب بهم واندماجهم فى المجتمع .

وهذا النهج يميز مصر عن كثير من الدول التى أنشأت مخيّمات منفصلة. فى مصر، يعيش غير المصريين ضمن المجتمع المحلى وليس فى معازل مستقلة، ما يؤكد رؤية الدولة فى اعتبارهم ضيوفًا وأشقاء، وليسوا مجرد لاجئين بمعزل عن المجتمع.

كما أن ذلك يعنى تلقائيًا زيادة حجم الطلب الكلى على هذه السلع والخدمات. وبحسابات الاقتصاد الكلى، إذا زاد عدد السكان المقيمين بنسبة تتجاوز 10 فى المائة، فإن الدولة تصبح مطالبة بتوفير ما لا يقل عن 10 فى المائة إلى 15 فى المائة إضافية من احتياجات الغذاء والطاقة والخدمات، وهو ما ينعكس مباشرة على فاتورة الاستيراد، خاصة فى السلع الاستراتيجية التى تعتمد مصر على استيراد جزء كبير منها، مثل القمح والزيوت والسكر وبعض مدخلات الإنتاج الغذائى.

ولا يقتصر الأثر على الغذاء وحده، بل يمتد إلى قطاعات الصحة والتعليم والمواصلات والبنية التحتية، كما أن المستشفيات العامة تستقبل المرضى دون تفرقة، والمدارس الحكومية تستوعب آلاف الطلاب من غير المصريين، وشبكات المياه والكهرباء والنقل تعمل بطاقة أعلى من المخطط لها وأيضا زيادة الضغط على الخدمات وارتفاع أسعار كثير من الخدمات والسلع فى المناطق التى يرتكز ويجتمع فيها الأشقاء، وكان واضحًا ذلك فى ارتفاع الإيجارات فى العديد من المناطق، خاصة محافظتى القاهرة والجيزة والإسكندرية ما أدى إلى زيادة الأعباء على سوق العقارات والإيجارات.

ولكى يكون الأمر أكثر وضوحا، فإن تكلفة تواجد الأشقاء والضيوف السودانيين لدينا فقط تتجاوز الـ4,5 مليار دولار فى حين أن إجمالى الأعباء المالية لتواجد الضيوف تتجاوز 30 مليار دولار، وهذه الأعباء لا تظهر دائمًا بشكل مباشر فى بنود منفصلة داخل الموازنة، لكنها تتراكم فى صورة زيادة فى الإنفاق العام، وتآكل فى كفاءة الخدمات، وضغط مستمر على الموارد المالية للدولة.

ورغم هذه التحديات، حرصت الدولة المصرية على ترسيخ خطاب واضح يرفض توصيف الأشقاء العرب، وفى مقدمتهم السودانيون، باعتبارهم “لاجئين” بالمعنى التقليدى للكلمة. فمصر ترى أن هؤلاء ضيوف وأشقاء، لهم ما للمصريين من حقوق أساسية، وعليهم ما عليهم من التزامات قانونية. هذا الفارق فى التوصيف ليس شكليًا، بل يعكس فلسفة إدارة مختلفة، تقوم على الاندماج لا العزل، وعلى المشاركة المجتمعية لا الإعاشة المؤقتة، وهو ما يضاعف فى الوقت نفسه من حجم الأعباء الواقعة على الدولة مقارنة بنماذج تعتمد على المخيّمات أو التمويل الدولى المباشر.

وفى هذا السياق، بدأت الدولة المصرية خلال الفترة الأخيرة فى اتخاذ خطوات لتنظيم الوجود الأجنبى على أراضيها، عبر تقنين أوضاع الإقامة مقابل رسوم محددة، وتشديد الرقابة على المخالفين. هذه الإجراءات لا تعكس تحولًا فى الموقف الإنسانى، بقدر ما تعكس ضرورة اقتصادية وأمنية، تهدف إلى ضبط السوق، وحصر الأعداد، ومنع الفوضى فى سوق العمل والسكن، وضمان الحد الأدنى من العدالة بين المواطنين والمقيمين.

أما على مستوى سوق العمل، فقد أدى الوجود الكثيف لغير المصريين، خاصة فى المدن الكبرى، إلى حالة من التداخل والمنافسة فى بعض القطاعات، لا سيما القطاعات منخفضة المهارة، مثل المطاعم والخدمات اليومية والعمالة غير الرسمية. هذه المنافسة خلقت حالة من الجدل المجتمعى، حيث يرى البعض أنها أثرت على فرص العمل المتاحة للمصريين، بينما يرى آخرون أنها أسهمت فى تحريك النشاط الاقتصادى وزيادة الطلب الاستهلاكى. والحقيقة أن الأثر مزدوج؛ فغياب التنظيم الكامل لسوق العمل يسمح بحدوث منافسة غير متكافئة فى بعض الأنشطة، لكنه فى الوقت ذاته يضيف طاقة إنتاجية واستهلاكية للاقتصاد، كان يمكن تعظيم الاستفادة منها لو تم إدماجها فى الإطار الرسمى بصورة أكثر كفاءة.

ومن زاوية التحليل المالى، فإن كلفة استضافة ملايين المقيمين من غير المصريين لا يمكن النظر إليها فقط كعبء مباشر، بل يجب وضعها فى سياق أوسع يشمل التكاليف غير المرئية. فالدولة لا تتحمل فقط دعم السلع والخدمات، بل تتحمل أيضًا تكلفة الفرصة البديلة، حيث تُوجَّه موارد كان يمكن تخصيصها لتحسين جودة الخدمات للمواطنين أو لتوسيع الاستثمارات الإنتاجية، إلى تلبية احتياجات سكانية طارئة فرضتها ظروف إقليمية خارجة عن الإرادة الوطنية.

وفى الوقت نفسه، لا يمكن إغفال أن هذا الوجود السكانى الكبير يخلق طلبًا إضافيًا فى السوق، ويسهم فى دوران عجلة الاقتصاد فى بعض القطاعات مثل التجارة الداخلية والعقارات والخدمات. لكن هذه الفوائد تظل محدودة الأثر إذا لم تقابلها سياسات تنظيمية واضحة تضمن للتعامل مع هذا الواقع المعقد دون الإضرار بالاقتصاد المصرى أو المجتمع المحلى، يمكن النظر فى مجموعة من الإجراءات منها، تعزيز فرص العمل القانونى للمقيمين غير المصريين ضمن نُظم وضوابط واضحة، وتطوير نظم تسجيل وتوثيق دقيقة لمنع العمل غير القانونى، وضبط دعم السلع الأساسية بما يراعى الضغط السكانى المرتفع، والتعاون مع منظمات دولية لضمان تمويل إضافى للخدمات، وأيضا تحصيل الرسوم والضرائب، وتنظيم سوق العمل، وتحقيق قدر من التوازن بين حقوق المقيمين وحقوق المواطنين.

إن التجربة المصرية فى هذا الملف تكشف عن معادلة شديدة التعقيد: معادلة تجمع بين الالتزام الإنسانى والتاريخى تجاه الأشقاء، وبين واقع اقتصادى ضاغط لا يمكن تجاهله. فمصر لم تغلق أبوابها، ولم تتخلَّ عن دورها الإقليمى، لكنها فى الوقت ذاته تجد نفسها مطالبة بإدارة فاتورة اقتصادية ضخمة فى ظل تحديات عالمية تشمل ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وتقلبات الاقتصاد الدولى، وضغوط الديون والإصلاح المالي.

وفى المحصلة، يمكن القول إن الدولة المصرية قدمت نموذجًا إنسانيًا متقدمًا فى التعامل مع الأشقاء السودانيين وغيرهم من المقيمين، يقوم على الدمج المجتمعى وتوفير الخدمات دون تمييز، واعتبارهم ضيوفًا لا لاجئين. لكن هذا النموذج، على نُبله الأخلاقى، يفرض أعباء مالية واقتصادية حقيقية تستوجب نقاشًا موضوعيًا هادئًا، بعيدًا عن المزايدات أو التبسيط، للوصول إلى سياسات أكثر توازنًا تضمن استمرار الدور الإنسانى لمصر دون الإضرار باستقرارها الاقتصادى والاجتماعى.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة