هناك أفكار وعناوين، تهتف حينما تراها أنها جاءت فى وقتها وأنها تلهمك فكرة وتفسيرا، وترفع الغطاء عن واقع نعيشه من دون فهمه وتفسيره، ومنه مصطلح أدهشنى، ووجدت بمصطلح الثقافة الإنسانية، والذى أطلقه د. سامح فوزى، كبير الباحثين بمكتبة الإسكندرية، بكتابه الجديد الثقافة الإنسانية، ونقلتى التشخيص والعنوان المتميز، إلى التطبيق فيما يدور حولنا ومعركة التبرع بالأعضاء والأنسجة والتى هى فى جوهرها ثقافة إنسانية.
شعرت أنه لا فرق بين الإمام على بن أبى طالب والإمام الشافعى، والقديس أوغسطينوس، وجلال الدين الرومى، وليم شكسبير، جاك مارتن، البابا شنودة وهيلين كلير ودوستويفسكى، فهذه النماذج على اتساعها حتى عبر حقب زمنية مختلفة يتحدثون لغة واحدة هى الإنسانية، فدار بذهنى من أين جاء هذا التلاقى بين أصحاب الآراء المختلفة، فقد اختلفوا من نواحٍ كثيرة، إلا فى الرسالة الإنسانية التى اتفقوا عليها وهى التسامح الإنسانى، فكانت هذه هى الإجابة عن سؤال الجوهر الواحد لبعض مقولاتهم، وهى البعد الإنسانى والثقافة الإنسانية، هكذا كتب د. سامح فى مقدمته للكتاب -العقلى والإنسانى- والذى يبحث به ليس عن الاختلاف وهو حق مشروع، ولكن عن التلاقى الإنسانى لا سيما بفكرة التسامح، وهذه نقطة مهمة جدا، لأنه على اختلاف الأجيال والتاريخ يظل البعد الإنسانى هو الأساس، سواء كان ذلك ثقافيا أو مجتمعيا.
فمن خلال ثلاثة فصول يضمها الكتاب، استعرض به د. سامح تشريح وتفسير هذا المصطلح المهم، ومنه غياب هذا المفهوم فى التكوين الإنسانى للشخص والاكتفاء بالكلام مثل الوعظ لا سيما الدينى أو النصائح الأخلاقية، مما يجعل الاضطراب حاضرا فى نظرة الناس لأنفسهم، وفى ظل تشوش أصاب المجتمع، وترتب عليه تفشى كثير من الظواهر السلبية التى نلاحظها جميعا مثل العنف الظاهر أو الباطن فى العلاقات بين الناس ولأتفه الأسباب ومظاهر أخرى مثل تراجع الذوق العام على مستوى الشارع، وتنمر بل وثقافة اللقطة والترند، وهنا يضيف الكاتب تفسيرا جديدا ومنطقيا، وهى أن جزءًا من ارتفاع إقبال الشباب على الرواية قراءة وكتابة، بأنه رغبة غير مباشرة من الشباب فى التعلم بصورة غير مباشرة بعيدا عن الأساليب التقليدية دون موجه مرشد له، بل يطلق مصطلحا مهما وهو «تكنولوجيا مؤنسنة»؛ أى أن التكنولوجيا التى نعيش معها مثل -جلدنا- ليس فقط فى السوشيال ميديا أو الحديث عبر الهاتف بل والكاميرات المنتشرة فى كل مكان والتى قلصت من المساحة الشخصية للإنسان، ولذلك فإن التعامل معها بضوابط وتفسير نحتاج إليها فى عالمنا المعاصر، وهو ما تقدمه نشر الثقافة الإنسانية.
وهنا يشير الكاتب إلى عدد من الكتب والكتاب الدوليين الذين يكتبون فى تنمية الذات، وتلقى كتبهم إقبالا غير طبيعى، ويطبع منها الآلاف النسخ والطبعات، بينما نعانى هنا من ندرة فى مثل هذه المؤلفات والعناوين وتظل فى إطار الترجمة فى الأغلب، مع أننا مجتمعيا نحتاج لها، وهنا أفتح قوسًا وأتذكر عناوين الكتب التى قرأها «مو صلاح»، ولفت الأنظار إلى مثل هذه القضايا فى التنمية والثقافة الإنسانية وغياب الكتابة الاجتماعية الإنسانية فى تلك القضية المهمة ومرتبطة بالوجود الإنسانى ومنها قضية التضامن الإيجابى، فالحياة ليست أفكارًا ثابتة جامدة تتناقلها الأجيال.
وهذا ينقلنى إلى التطبيق العملى للعنوان «الثقافة الإنسانية.. رسائل وهوامش»، أو كما جاء بعنوان الفصل الثالث فى مواجهة مركزية الجسد وأقصد ما يدور حاليا من نقاش أثارته الآن إحدى أفضل نائبات مصر بحسها الإنسانى «أميرة صابر» حول التبرع ونقل الأعضاء وهى قضية فى صميم الثقافة الإنسانية والمجتمعية، حتى إننى استمعت إلى تصريح بأنه رغم صدور القانون قبل عقدين من الزمان، فلا يوجد تطبيق فعلى واحد بالتبرع، وإنشاء بنوك لأنسجة مثل القرنية والجلد وغيره، وللأسف نجد هناك ثقافة مجتمعية متداولة تمنع ذلك، والمفارقة أن البعض من أفراد المجتمع يسافر إلى الخارج، ليس إلى العالم الغربى وحده وإنما العربى أيضا، ليحصل على تبرع بالأعضاء لكى تستمر حياته، بل الأكثر من ذلك فى هذا الملف أننا نستورد القرنية للعين -بعد غلق بنك القرنية فى ظروف ليست غامضة- وكذلك أنسجة الجلد البشرى لعلاج الحروق وبملايين الدولارات، وهذا تناقض عقلى غير منطقى وغير مقبول، ويدل فعلا على غياب مفهوم الثقافة الإنسانية لمساعدة الآخر، وأعتقد أن ذلك يعود لتوطن ثقافة وتقديس الموت فى التاريخ المصرى ربما منذ أيام الفراعنة، فهم أول مَن اخترع وتكلم عن قدسية الموت ورحلة العالم الآخر والحساب.
وهنا أتذكر لمَن يتهم الفلسفة بأنها أفكار وتحليق فى الهواء، بأننى درست مؤخرا كورس ومادة كاملة عن فلسفة الموت «عبر التاريخ»، وفتح ذهنى هذه القضية والموضوع الممتع والذى درسته المتميزة والمفكرة د. هدى الخولى أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، وكيف أن فكرة الموت وهى الحقيقة الأزلية عند بنى الإنسان، لكن اختلف التناول والتعامل معها فى الفكر والفلاسفة عبر الحضارات والأديان، مع أننى اكتشفت أن الجوهر واحد للفكرة وهو انتهاء حياة الإنسان والموت، وفى بعض الأفكار والمذاهب لمواجهة هذه الحقيقة فأخرجت لنا الثنائية بين انتهاء الجسد وفنائه، وسمو الروح واستمرارها، ومن هنا فإن سيطرة فكرة تقديس الموت مع أن جسم الإنسان يتحلل ويندمج بالتراب هى التناقض والثنائيّة التى تسيطر الآن على فكرة عدم التبرع بالأنسجة مثلا، مع أنه صميم الفكر والتضامن الإنسانى فى التضامن والتبرع واعتباره صدقة جارية كما قالت دار الإفتاء.
ولذلك لا بد أن يمتد إلى ثقافة التبرع كله وليس جزءا منه، مثلما نرحب ببنوك الدم فقط ولا توجد بنوك الأعضاء والعيون والأنسجة لأنها مثل الدم، فهى تخدم وتساعد لإحياء حياة آخر أو إنسان آخر بدلا من أن يأكل الدود الأعضاء الصالحة بعد الدفن، وهو ما قبله أئمة كبار، بزرع أعضاء لأنفسهم من أجل إنقاذ حياتهم وهو ما فعله الشيخ الشعراوى لنفسه حينما مرض وسافر للخارج، بينما كان يهاجم ذلك قبل مرضه، فقد وجد بعد احتياجه للتبرع أنه حلال وأنه توجد تفاسير، وما يبرر له ذلك ولكن بعد أن نشر فكرته الأولى، ولذلك آن الأوان للقضاء على هذه الثنائية والتناقض الفكرى، وأن نستعيد آدميتنا والثقافة الإنسانية كما طرح مفهومها المهم د. سامح فوزى، بل أن تنهض مؤسستنا التعليمية ومنذ البدايات المبكرة بمرحلة رياض الأطفال لترسيخ هذا المفهوم، ولكى نعمق إحياء فكرة التعاون المجتمعى والثقافة الإنسانية بكتابه الأخير والصادر عن مؤسستنا العريقة دار الهلال.