رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«ترددات الجيل الخامس».. استثمارات «المستقبل»


12-2-2026 | 18:19

.

طباعة
تحليل: وائل الطوخى

يمثل توسيع حيز الترددات خطوة حاسمة لتعزيز خدمات الجيل الخامس فى مصر، ودعم أهداف استراتيجية «مصر الرقمية 2030» ويتطلب نجاح تلك الخطوة توازنًا دقيقًا بين الاستثمارات المالية، والتحديات التقنية، والتنظيمية، لضمان وصول التقنية إلى جميع المواطنين بأسعار تنافسية وجودة عالية، فى ظل التحديات التى يواجهها قطاع الاتصالات فى مصر فى توسيع نطاق ترددات الجيل الخامس (5G)، وسط خطط حكومية طموحة لتخصيص طيف ترددى «C_band 3500» يصل إلى 420 ميجاهرتز للشركات الأربع الرئيسية، مع استثمارات متوقعة تتجاوز المليارات من الدولار.

 
 

مع إطلاق الخدمات التجارية للجيل منذ يونيو 2025، يبرز النقص فى الترددات المتوسطة والعالية كعائق رئيسى أمام تحقيق سرعات أعلى وتغطية أوسع، مما يدفع الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات إلى تسريع عمليات التخصيص الجديدة لدعم التحول الرقمى فى البلاد.

يذكر أن سوق الاتصالات المصرى شهد نموًا ملحوظًا فى السنوات الأخيرة، حيث بلغ عدد الاتصالات المحمولة النشطة 121 مليون اتصال بنهاية 2025، أى ما يعادل 102 فى المائة من إجمالى السكان، بنمو سنوى يقارب 6.7 فى المائة مقارنة بعام 2024، كما ارتفع عدد مستخدمى الإنترنت عبر الهواتف المحمولة إلى 90.3 مليون مستخدم بنهاية النصف الأول من العام الماضى، مقابل 81.8 مليون فى العام السابق، ما يعكس الطلب المتزايد على خدمات البيانات عالية السرعة. ومع ذلك، يظل الاعتماد على ترددات الجيل الرابع (4G) سائدًا، حيث يقضى مستخدمو الجيل الخامس أكثر من 95 فى المائة من وقتهم على شبكات غير الجيل الخامس 5G، مما يحدّ من التأثير الفعلى للتقنية الجديدة على التجربة اليومية.

وتعتمد تقنية الجيل الخامس على نطاقات ترددية متنوعة لتحقيق أدائها الأمثل، بما فى ذلك الترددات المنخفضة للتغطية الواسعة، والمتوسطة مثل 2.6-3.5 جيجاهرتز للتوازن بين السرعة والمدى، والعالية (الموجات المليمترية) للسرعات الفائقة رغم محدودية التغطية.

وفى مصر، اعتمد الإطلاق الأولى للخدمات الجيل الخامس على تردد 2.6 جيجاهرتز بشكل أساسى، والذى كان مستخدمًا سابقًا للجيل الرابع، مما أدى إلى سرعات متوسطة تصل إلى 64.5 ميجابت فى الثانية، أى أقل من نصف سرعات عدد من الدول العربية التى اعتمدت على ترددات 3.5 جيجاهرتز، هذا الاعتماد المحدود على الترددات الحالية يعيق الاستفادة الكاملة من إمكانات الجيل الخامس، خاصة فى السرعات العالية والتطبيقات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعى والمدن الذكية.

من جانبه أعلن الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات NTRA عن خطط لتخصيص 420 ميجاهرتز إضافية من الطيف الترددى للشركات الأربع: فودافون مصر، أورانج مصر، إى آند مصر (اتصالات سابقًا)، والمصرية للاتصالات (WE)، مع توقيع اتفاقيات مطلع الأسبوع الثانى من فبراير 2026 وتوسع تدريجى حتى 2030.

تأتى هذه الخطوة بعد استثمارات إجمالية بلغت 2.7 مليار دولار منذ 2019، بما فى ذلك 675 مليون دولار لتراخيص الجيل الخامس الممنوحة، ومع ذلك تواجه الشركات تحديات مالية هائلة، حيث قد تتجاوز تكاليف التخصيص الجديد 3 مليارات دولار، بالإضافة إلى الحاجة إلى تحديث البنية التحتية ونشر آلاف المحطات الأساسية الجديدة، خاصة فى المناطق الحضرية ذات الكثافة السكانية العالية.

ويعمل الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات على إدارة الترددات بطريقة طويلة الأمد تضمن الاستفادة الشاملة للمستخدمين، سواء تجاريًا أو سكنيًا، حيث يتطلب إطلاق خدمات الجيل الخامس استثمارات إضافية لضمان استفادة المواطنين منها، كما أن طرح ترددات الجيل الخامس يأتى بموجب توافق على آليات التشغيل وتقديم الترددات بشكل يحقق أهداف المنظومة.

كما يسعى الجهاز إلى إدارة الطيف الترددى بطريقة استراتيجية طويلة الأمد، مع التركيز على التنسيق بين الجهات الحكومية والشركات لضمان الاستفادة الشاملة للمستخدمين وتشمل الإجراءات إطالة مدة التراخيص من 20 إلى 30 عامًا لتشجيع الاستثمار، بالإضافة إلى إضافة 3102 محطة أساسية جديدة فى 2024 لتحسين التغطية. كما أدت هذه الجهود إلى ارتفاع متوسط سرعة الإنترنت إلى 93 ميجابت فى الثانية بحلول نهاية 2025، مقارنة بـ6.5 ميجابت فى 2019.

وقالت مصادر مطلعة داخل الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات: إن نطاق 3500 ميجاهرتز المعروف بـ(C-Band) يُعد الخيار الأمثل بشكل عام لتشغيل شبكات الجيل الخامس (5G) فى معظم السيناريوهات المختلفة، لافتة إلى أن هذا يعود إلى تميزه بسعة ترددية عالية، وقدرته على توفير سرعات فائقة، إضافة إلى الدعم العالمى الواسع الذى يحظى به هذا النطاق، منوهة بأنه مع ذلك، يبقى نطاق 2600 ميجاهرتز خيارًا قويًا ومناسبًا فى بعض الحالات المحددة، خاصة فى المناطق التى تحتاج إلى تغطية جغرافية أوسع، أو عندما تكون الأولوية هى خفض تكاليف التشغيل والاستثمار قدر الإمكان.

وأوضحت المصادر لـ«المصوّر»، أن «القرار النهائى بشأن اختيار النطاق الأنسب يتوقف على عدة عوامل مترابطة، من أبرزها: طبيعة احتياجات السوق المحلى، ومدى توافر البنية التحتية الحالية، بالإضافة إلى نوعية التطبيقات والخدمات التى يُراد دعمها بهذه التقنية، مشيرة إلى أن نطاق 3500 ميجاهرتز (C-Band) يبرز كالحل الأكثر ملاءمة للمناطق الحضرية ذات الكثافة السكانية والاستخدام العالى، مثل القاهرة والجيزة وغيرهما من المدن الكبرى. فهو يتمتع بعرض نطاق ترددى أوسع بكثير، ما يتيح سعات أكبر وسرعات أعلى، وبالتالى يدعم عددًا هائلًا من المستخدمين فى وقت واحد دون تدهور ملحوظ فى الأداء».

كما كشفت المصادر أن «هذا النطاق يُعتبر معيارًا عالميًا شائعًا، ما يضمن توافقًا أفضل وأوسع مع الأجهزة الذكية الحديثة والأجيال القادمة من الهواتف والأجهزة المتوافقة مع الجيل الخامس 5G. أما نطاق 2600 ميجاهرتز TDD، فيمكن الاستفادة منه بكفاءة فى المناطق الأقل كثافة سكانية، مثل الضواحى أو المناطق الريفية، أو كحل انتقالى فعال فى المراحل الأولى»، مبينة أن «ذلك يأتى خاصة إذا كانت البنية التحتية للجيل الرابع (4G) متوفرة بالفعل ومُحسّنة، وإذا كانت الأولوية الرئيسية هى توسيع نطاق التغطية مع تقليل عدد المحطات الأساسية المطلوبة، وبالتالى خفض التكاليف الرأسمالية والتشغيلية».

وأكد خبراء الاتصالات، أن التكاليف الباهظة والتحديات التنظيمية تشكل عقبات رئيسية، حيث قال المهندس أحمد العطيفى، خبير الاتصالات: إن «التكلفة العالية لتخصيص الترددات تعيق تخصيص ترددات جديدة» مع حاجتها إلى استثمارات كبيرة لشراء التراخيص وتحديث البنية التحتية، كما أن ترددات الموجات المليمترية توفر سرعات فائقة لكن تغطيتها محدودة، ما يتطلب نشر محطات كثيرة، والبنية الحالية غير جاهزة بالكامل لذلك».

وأشار «العطيفى»، إلى وجود نقص حاد فى الطيف المتاح، حيث يتطلب الجيل الخامس عرض نطاق أكبر بكثير من الجيل الرابع، وقد تكون الترددات محجوزة لأغراض أخرى مثل الاتصالات العسكرية أو البث الإذاعى، ما يعقد عملية إعادة التخصيص.

من جانبه، أكد عثمان أبو النصر، خبير الاتصالات، أن «الانتقال إلى الجيل الخامس المستقل (Standalone 5G) يتطلب استثمارات ضخمة ومكثفة فى البنية التحتية، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا أمام شركات الاتصالات فى مصر، خاصة فى ظل المنافسة السعرية الشديدة التى تشهدها السوق المحلية»، مضيفًا أن «الجاهزية التقنية تُعد من العناصر الحاسمة التى تستوجب اهتمامًا فوريًا ومكثفًا»، ومشددًا على ضرورة تدريب الكوادر البشرية ورفع كفاءات فرق العمل لمواكبة متطلبات هذه التقنية المتقدمة والتعامل معها باحترافية.

ورغم هذه التحديات، أعرب «أبو النصر» عن تفاؤل كبير إزاء الفرص الهائلة التى تفتحها تقنية الجيل الخامس. فاعتماد هذه التقنية سيُسهم بشكل مباشر فى تسريع وتيرة التحول الرقمى فى مصر، وذلك عبر تعزيز القطاعات الحيوية والاستراتيجية مثل الصناعة، والرعاية الصحية، والتعليم. متابعًا أنها توفر لشركات الاتصالات فرصة تقديم خدمات مبتكرة ومتطورة تلبى تطلعات المؤسسات الكبرى والأفراد على السواء، ما يفتح آفاقًا جديدة للنمو والابتكار.

وأشار «أبو النصر» إلى أن «تطوير بنية تحتية قوية لـ5G سيجعل من مصر وجهة جاذبة للاستثمارات الأجنبية، ويعزز مكانتها الإقليمية والدولية فى مجال الاتصالات والتكنولوجيا»، داعيًا إلى إطلاق حملات توعية واسعة النطاق موجهة للشركات والجمهور على حد سواء، بهدف تسليط الضوء على الفوائد الجوهرية لتقنية 5G، وتشجيع التبنى السريع والواسع لها، مؤكدًا أن مثل هذه الحملات ستسهم بشكل كبير فى رفع مستوى الوعى العام بإمكانات هذه التقنية الواعدة ودورها فى تشكيل مستقبل رقمى أكثر تقدمًا.

من جانبه، كشف يسرى عتلم، استشارى شبكات الاتصالات والبنية التحتية الرقمية، أن النطاق الترددى الأوسط ( (C-Band – 3500 ميجاهرتز يمثل العمود الفقرى العالمى لشبكات الجيل الخامس، وذلك لقدرته الفريدة على تحقيق توازن مثالى بين ثلاثة عناصر أساسية: سرعات فائقة، سعة شبكة هائلة، وتغطية جيدة نسبيًا، موضحًا أنه بالنسبة لمصر يترجم ذلك إلى تحسينات ملموسة ومباشرة فى أبرز الخدمات التى يعتمد عليها المواطن يوميًا.

وقال «عتلم»: ترددات C-Band توفر سرعات تحميل ورفع بيانات تصل فى كثير من الحالات إلى أضعاف ما هو متاح حاليًا على شبكات الجيل الرابع فى المناطق المكتظة، تنقسم إلى فيما يخص شبكات الإنترنت، حيث سيلمس العميل عدة مكتسبات منها تحميل ملفات ضخمة (فيديوهات عالية الدقة، ألعاب، تحديثات تطبيقات) فى ثوانٍ بدلًا من دقائق، فضلًا عن بث فيديو بجودة 4K وحتى 8K دون تقطيع أو تأخير واضح.

وأوضح «عتلم» أن «تأثير ترددات C-Band سيظهر على تحسين جودة المكالمات الصوتية مع دعم تقنية Voice over New Radio (VoNR)، حيث يحصل العميل على جودة صوت فائقة الوضوح تتجاوز ما اعتاد عليه فى شبكات الجيل الرابع تشمل صوت نقى بدرجة عالية (HD Voice+) يشبه الاتصال السلكى أو يتفوق عليه، بالإضافة إلى عدم حدوث تأخير صوتى ما يجعل الحديث أكثر طبيعية، فضلا عن إمكانية مشاركة الشاشة أو الفيديو أثناء المكالمة الصوتية بسهولة تامة، علاوة على استقرار أعلى للمكالمات داخل المبانى والأماكن المغلقة، بفضل قدرة تردد 3.5 جيجاهرتز على الاختراق الجيد مقارنة بالترددات الأعلى كما تستفيد الشبكة أيضًا من تقنيات متقدمة مثل Massive MIMO وBeamforming، ما يزيد من كفاءة استخدام الطيف ويسمح بخدمة آلاف المستخدمين فى وقت واحد داخل المناطق ذات الكثافة العالية (ميادين، جامعات، مولات، أحياء سكنية مزدحمة) دون تدهور ملحوظ فى الأداء».

وأكد «عتلم»، أن «إطلاق هذا النطاق الترددى الاستراتيجى يمثل خطوة جوهرية نحو تعزيز القدرات الرقمية للمجتمع المصرى، ويدعم نمو قطاعات حيوية مثل التعليم الإلكترونى، الرعاية الصحية عن بُعد، التجارة الإلكترونية، المدن الذكية، والصناعات التى تعتمد على اتصال موثوق وعالى السرعة».

وفى السياق، أكد مصدر مسئول فى إحدى شركات الاتصالات العاملة فى السوق المصرى، أن تسعير الترددات الراديوية يُعد من أبرز التحديات التى تواجه صناعة الاتصالات على مستوى العالم، مشددًا على ضرورة إعادة النظر فى آليات التسعير لتحقيق توازن حقيقى بين ثلاثة أهداف أساسية: تحقيق عائد مالى مناسب للدولة، تمكين الشركات من تقديم خدمات متطورة وعالية الجودة للعملاء، وتلبية متطلبات السوق مع ضمان ربحية مستدامة للمشغلين.

وأشار المصدر إلى أن خفض أسعار الترددات أصبح مطلبًا رئيسيًا وملحًا فى معظم دول العالم، وعلى رأسها مصر، معتبرًا أن تخفيض التكلفة هو السبيل الأمثل لتمكين الشركات من توجيه استثمارات أكبر نحو تطوير البنية التحتية للاتصالات.

كما أوضح أن دفع مبالغ مالية ضخمة مقابل الحصول على حزم الترددات يؤدى إلى إضعاف الملاءة المالية للشركات، ما يحدّ بشكل مباشر من قدرتها على الاستثمار فى بناء المزيد من الأبراج، تحسين جودة التغطية، وتطوير المعدات والتقنيات الحديثة.

وشدد على أن مصر تُعد من بين الدول الأعلى عالميًا فى تسعير حزم الطيف الترددى، لافتًا إلى أن تسعير هذه الترددات بالدولار الأمريكى يُفاقم من عبء التكاليف التشغيلية على الشركات فى ظل تقلبات التضخم، مضيفا أن التحديات لا تقتصر على التسعير فقط، بل تمتد إلى صعوبة الحصول على التراخيص اللازمة، إلى جانب الضغط المتزايد للاستثمار فى توسيع البنية التحتية لمواكبة التوسع العمرانى الأفقى الذى تشهده الدولة، مثل إنشاء المدن الجديدة والمجتمعات العمرانية الحديثة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة