رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«بنك الجلد».. القانون «يُجيز».. والمرضى «ينتظرون»


12-2-2026 | 18:28

.

طباعة
تقرير: إيمان النجار

شهدت الأيام القليلة الماضية جدلًا واسعًا بعد الإعلان عن مقترح برلمانى بتأسيس بنك وطنى للأنسجة البشرية وتيسير إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، ففى الوقت الذى استقبله البعض بطريقة علمية وإنسانية باعتباره منقذًا للحياة، اتخذه آخرون مادة للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعى الـ«سوشيال ميديا».

«المصور» تحدثت عن المقترح مع المتخصصين، منهم منْ شجع تنفيذ المقترح وطالب بالتوسع فى فكرة إنشاء بنوك للأعضاء عموما وليس للجلد فقط، وآخر طالب بإنشاء بنوك جلود لكن بتبرع أصحاب جراحات التجميل والاستفادة بالجلد المستأصل خلال عمليات الشد وإصلاح الترهلات، وفريق ثالث رأى أن بنوك أعضاء أخرى مثل الكلى والكبد والقرنية أكثر فعالية، خاصة أن الجلد أكثر الأعضاء عرضة للرفض بعد الزرع من إنسان آخر، مطالبًا بالانتظار لحين رؤية ودراسة تجربة زراعة الجلد التى تمت واستند لها مقترح النائبة، ومن جانبها أعلنت وزارة الصحة أن إنشاء منظومة وطنية متكاملة لبنوك الأنسجة وعلى رأسها بنك الجلد موضع دراسة ضمن خطة تطوير معهد ناصر.

النائبة أميرة صابر قنديل، عضو مجلس الشيوخ، تقدمت باقتراح موجه لوزير الصحة والسكان بتأسيس بنك وطنى للأنسجة البشرية وتيسير إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، واستعرضت المذكرة الإيضاحية للطلب استقبال مؤسسة أهل مصر لعلاج الحروق، بقيادة هبه السويدي، أول شحنة من الجلد الطبيعى المحفوظ من متبرعين متوفين فى ديسمبر الماضي، وثمنت الجهود التى استمرت لسنتين للحصول على الموافقات اللازمة، وتساءلت، النائبة البرلمانية: لماذا نعتمد على الاستيراد بتكلفة تصل إلى مليون جنيه للحالة الواحدة، بينما يمكن لمصر تأسيس منظومة وطنية للتبرع بالأنسجة ومعالجتها؟.. خاصة أن قانون زراعة الأعضاء رقم 5 لسنة 2010 وتعديلاته يجيز التبرع بالأعضاء والأنسجة بعد الوفاة، لكن التطبيق الفعلى يواجه معوقات إدارية وثقافية.

وأشارت المذكرة الإيضاحية إلى أن «الحروق تمثل أزمة صحية عامة خطيرة فى مصر، وأن الدراسات تشير إلى أن حوالى نصف المرضى فى وحدات الحروق بالمستشفيات الجامعية هم أطفال، والأطفال دون سن الخامسة هم الفئة الأكثر تضررًا، ومعظم تلك الحروق تحدث داخل المنزل، كما أن معدلات الوفيات فى وحدات الحروق أعلى بكثير مقارنة بالدول المتقدمة، ونسبة كبيرة من الناجين يعانون من إعاقات دائمة ويواجهون خطر الوفاة بشكل مرتفع دون تغطية جلدية مناسبة، وعليه فالجلد الطبيعى المتبرع به من متوفى ليس علاجا تجميليا، بل تدخل طبى منقذ للحياة، فعندما يفقد الطفل أكثر من 40 فى المائة من جلده لا يتوفر لديه جلد كافٍ لأخذ رقع ذاتية تغطى الجروح»، لافتة إلى نجاح دول نامية عديدة فى تأسيس بنوك أنسجة بتكلفة معقولة، وكذلك العديد من دول ذات أغلبية مسلمة مثل إيران والسعودية والمغرب لديها برامج تبرع بالأعضاء والأنسجة ناجحة منذ عقود.

كذلك، قدمت المذكرة اقتراحات على الحكومة منها، تسهيل إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة ونشر شروطها وطريقتها، إنشاء سجل إلكترونى وطنى للمتبرعين يمكن التسجيل فيه عبر بوابة إلكترونية أو تطبيق على الهواتف الذكية، ونشر معلومات واضحة عن شروط التبرع وإجراءاته والضمانات القانونية وأن التبرع بالجلد لا يشوه الجسد ولا يمنع الدفن الكريم، على أن يتم التنسيق مع المستشفيات ووحدات الرعاية المركزة لتفعيل التبرع عند الوفاة، وكذلك التنسيق مع المؤسسات الدينية لإطلاق حملات توعية تؤكد مشروعية التبرع بالأنسجة بعد الوفاة لإنقاذ الأرواح.

كما اقترحت المذكرة البدء بمشروع تجريبى لإنشاء بنك أنسجة وطنى فى مستشفى متخصص، مثل مستشفى الشيخ زايد للحروق أو بالتعاون مع مستشفى أهل مصر، مع الاستفادة من خبرة هبة السويدى والبروفيسور نعيم مؤمن فى تصميم وتنفيذ البنك الوطنى للأنسجة، والتعاون مع المراكز البحثية والجامعات المصرية مثل المركز القومى للبحوث وكليات الطب لتطوير بروتوكولات محلية متوافقة مع المعايير الدولية لمعالجة الأنسجة وحفظها.

وأوضحت المذكرة أن تأسيس منظومة وطنية للتبرع بالأنسجة يحقق مصلحة عامة واضحة ومباشرة، ويضمن حق كل طفل مصرى فى الحصول على العلاج المنقذ للحياة بغض النظر عن قدرة أسرته المالية، ويوفر على الدولة ملايين الجنيهات سنويًا من تكاليف الاستيراد، ويمكن توجيهها لتطوير وحدات الحروق وتدريب الكوادر الطبية، هذه المنظومة تبنى قدرات وطنية فى مجال طبى متقدم، وتضع مصر فى مصاف الدول الرائدة إقليميًا.

وفى هذا السياق، قال الدكتور فتحى خضير، أستاذ جراحة التجميل، كلية الطب، جامعة القاهرة: لسنا فى حاجة إلى التبرع بالجلد بعد الوفاة، فلدينا أعداد كبيرة لحالات تجرى لها جراحات تجميل يتم فيها التخلص من أجزاء من الجلد كتجميل سواء شد البطن أو الأذرع أو تصغير الثدي، وهذه الحالات تنطوى على جلد زائد يتم استئصاله جراحيا، ويتم حاليا التخلص منه بطريقة سليمة وآمنة من قبل الإدارات المختصة بوزارة الصحة لأنه لا يستخدم، فإذا الحالة التى تجرى جراحة التجميل وافقت ووقعت على التبرع بالجلد الزائد الناتج عن جراحة التجميل لصالح مصابى الحروق، بهذه الكميات من الجلد سيكون لدينا بنك جلد كبير، وهذا يتطلب اتخاذ القرارات اللازمة لذلك من قبل الجهات المختصة ومن قبل مجلس النواب وصدور قانون يسمح بأن حالات التجميل هذه يمكنهم التبرع بالجلد المستأصل لأسباب تجميلية وإصلاح الترهلات لصالح مرضى الحروق، ويتم عن طريق وزارة الصحة والمستشفيات الجامعية إنشاء بنوك للجلد لحفظ هذه الكميات بطرق علمية سليمة ويستخدم لمن يتعرضون لحروق كبيرة خاصة فى الفترة الأولى من الإصابة لإنقاذ حياتهم.

«خضير»، أضاف أن «بنوك الجلد مهمة جدا لمرضى الحروق وبالأخص فى الفترة الأولى وللمصابين الأكثر من 40 فى المائة حرقًا والمعرضين لنسبة وفاة مرتفعة، فى مثل هذه الحالات يعد بنك الجلد لو توفر بمثابة إنقاذ لحياتهم، وهذه مرحلة مهمة لمريض الحروق، ومعدلات النجاح عالية، فالحالات التى تتراوح نسبة الحروق من 40 فى المائة 90 فى المائة بدون بنك الجلد، ففرصة النجاة من الحرق لا تكون عالية بعكس لو توفرت بنوك الجلد»، مؤكدًا أن «مصر مؤهلة ولديها الخبرات لإنشاء بنوك الجلد ومن الأفضل أن تكون البداية بإنشاء هذه البنوك فى المستشفيات الجامعية الحكومية ومستشفيات وزارة الصحة الكبرى مثل معهد ناصر».

من جهته، قال الدكتور باسم فايز، استشارى جراحة التجميل والتكميل والحروق: إذا نظرنا من الناحية الطبية فالتبرع بالأعضاء وخاصة القرنية أكثر فائدة من التبرع بالجلد، وتفسير ذلك أنه فى حالة زراعة الأعضاء يتم إعطاء مثبطات مناعية حتى لا يرفض الجسم العضو، كل الأعضاء عرضة لهذا الرفض ولكن أكثرها الجلد لأنه أكثر الأعضاء تغذية بالدم، فى حين أن القرنية لا تتغذى على الدم، وبالتالى نسبة رفض الجسم للقرنية المزروعة قليلة جدا، فعندما توجد بنوك لأعضاء مثل الكلى والكبد والقرنية فهذه أكثر فعالية وأكثر عملية، والكتب العلمية العالمية توضح أن زراعة الجلد حل مؤقت للمريض، بحيث يعمل كغطاء بيولوجى حتى يبدأ الإنسان نفسه يتكون له خلايا للجلد نأخذ منها ونزرع له، وهذا ما نفعله فى جراحاتنا بأن نأخذ من الأجزاء السليمة للزرع فى الأماكن المصابة وهنا نسبة القبول عالية جدا ولا تضربها المناعة.

طرق زرع الجلد ثلاث بحسب «د. باسم»، الأولى «زراعة الجلد من الإنسان لنفسه»، والثانية «زراعة من إنسان لإنسان»، والثالثة «من كائنات أخرى لإنسان» والأخيرة استخدمت فى الخارج من جلود بعض أنواع الأسماك، بحيث تتم معالجة الجلود بطريقة معينة كيمائيا وتتم زراعتها واستخدامها كغطاء جيد مثل جلد الإنسان.

وأضاف أن «التبرع بالأعضاء بعد الوفاة بصفة عامة فكرة نبيلة ورائعة جدا، بدون تكسب مادي، وتم تنظيمها فى مصر بقانون، لكن جزءا منها لا يتم فى العلن فليس سهلا إيجاد المتبرع والأمر يتطلب إجراءات كثيرة».

ولفت إلى أن «زراعة الجلد من إنسان لإنسان مثبتة فى الكتب العلمية ولو نجحت تكون زراعة مؤقتة لحين تكوين جسمه لأنسجة تستخدم فى الزرع لنفسه ولا يعيش بجلد شخص آخر طول العمر، كما أن الجلد هو الأعلى بين الأعضاء من حيث رفض الجسم له، مقارنة مثلا بزراعة القرنية، ويستطيع إنسان أن يعيش بقرنية إنسان آخر بقية حياته، وإذا تحدثنا عن فكرة زرع الجلد لحين تكوين الجسم لخلاياه وأنسجته، فهذا يتوقف ذلك على عدة أمور منها عمق الحرق ودرجته ومساحة الجلد المفقود ومدة الانتظار للشخص الذى تم له الزرع حتى يستطيع جسمه تكوين جلد جديد، فهذا يحتاج لظروف مناسبة وأدوية كثيرة ومثبطات مناعة، كما أن مريض الحروق نخشى من ضعف مناعته فى الأساس والخوف من أقل بكتيريا، فالمعادلة ليست سهلة أن تتم زراعة لمريض نخاف من ضعف مناعته وفى نفس الوقت نعطيه مثبطات مناعة لتقبل الجلد المزروع».

وتابع «د. باسم»: إذا تحدثنا عن حالات زرع تمت بالفعل قريبا فى مصر وهذا ما استندت له النائبة فى اقتراحها، فيجب الانتظار لحين رؤية النتائج، ففى الطب نعتمد على الأبحاث والمعامل والتجارب السريرية، وبالتالى يجب الانتظار لرؤية نتائج التجربة السريرية حتى النهائية بعد فترة من الزرع ومع عدة حالات.

فى السياق، قال الدكتور أحمد مبروك الشيخ استشارى أمراض وزراعة الكلى، عضو مجلس النقابة العامة للأطباء: من المهم إنشاء بنوك ليس لأنسجة الجلد فقط ولكن لبقية الأعضاء، فتبرع شخص واحد بعد الوفاة بالأعضاء من الممكن أن ينقذ أرواح عشرة أشخاص آخرين، فأن يتحول مريض غسيل كلى لشخص منتج وفعال فى المجتمع فهذه إضافة للمجتمع، بدلا من كونه مريضا ويذهب للغسيل ثلاث مرات أسبوعيا، كما أن تكلفة الزرع ستكون أرخص على المدى البعيد مقارنة بتكلفة الغسيل، وفضلا عن التكلفة الإضافية من فقدان عمله وتأثر حياته وتأثر كل أفراد الأسرة، بجانب أن هناك أمراضا ليس لها بديل سوى الزرع، بمعنى أن مريضا يعانى من فشل فى عضلة القلب يحتاج للزرع، مريض الفشل الكبدى ليس له بديل غير الزرع، مثلا مريض الفشل الكلوى له بديل وهو الغسيل الكلوي، فهناك أمراض حلها إما الزرع أو الوفاة، وبالتالى الزرع هو إنقاذ للحياة.

وأضاف «د. أحمد»: التبرع بعد الوفاة موجود فى دول كثيرة على مستوى العالم فى أغلب دول أوروبا وأمريكا وحتى دول الجوار مثل السعودية، مثلا فى إسبانيا نحو 80 فى المائة من المتوفين متبرعون بأعضائهم.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة