لم يعد السلام العالمي ترفًا فكريًا أو شعارًا أخلاقيًا يُستحضر عند الأزمات، بل غدا ضرورة وجودية تفرضها حصيلة قرنٍ مثقل بالحروب والانكسارات. فالتجربة الإنسانية، حين تُقرأ بهدوء، تكشف أن العنف لا ينتج نظامًا مستقرًا، وأن ما يُبنى على القهر ينهار عند أول اختبار. من هنا، تصبح توعية الجيل الجديد على ثقافة السلام مدخلًا أساسيًا لبناء مستقبل قابل للاستمرار.
إن احترام القوانين يشكّل العمود الفقري لأي مشروع سلام حقيقي. فالقانون، حين يُطبّق بعدالة ومن دون استثناء، يتحوّل إلى مظلة أمان تحمي المجتمع من الانزلاق نحو الفوضى. وتربية الشباب على احترام القانون لا تعني إخماد روح المبادرة، بل توجيهها ضمن إطار يضمن الحقوق ويصون الكرامة العامة.
لقد أثبت التاريخ، بلا مواربة، أن الحروب لا تُنتج مكاسب دائمة. قد تُغيّر موازين ، لكنها تخلّف مجتمعات منهكة، واقتصادات مدمّرة، وأجيالًا تحمل آثار الصدمة طويلًا. لذلك فإن كشف الحقيقة المجردة للحروب أمام الجيل الجديد بعيدًا عن التجميل أو التهويل واجب تربوي وأخلاقي لا يحتمل التأجيل.
في هذا المشهد المعقّد، تبرز التكنولوجيا كعامل حاسم في صياغة المستقبل. فهي أداة ذات قدرة هائلة على تحسين حياة الإنسان، كما يمكن أن تتحوّل إلى وسيلة قتل جماعي إذا وُضعت في سياق خاطئ. والتحدي الحقيقي لا يكمن في التقدم التقني ذاته، بل في العقل الذي يوجّهه، والقيم التي تضبط مساره.
حين تُسخّر التكنولوجيا لخدمة الإنسان، فإنها تُحدث نقلة نوعية في التعليم، والرعاية الصحية، وإدارة الموارد، وتسهيل التواصل بين الشعوب. لكنها، من دون ضوابط قانونية وأخلاقية، قد تصبح أداة تسريع للصراعات، وتوسيع دائرة الدمار، وتعميق الفجوات الإنسانية. من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى تشريعات واضحة تحدّ من استخدامها في الحروب.
إن غياب الأطر القانونية الرادعة لاستخدام التكنولوجيا العسكرية المتقدمة يشكّل خطرًا مباشرًا على الأمن العالمي. فالحروب الحديثة لم تعد تُقاس بعدد الجبهات، بل بقدرة الأنظمة الذكية على إيقاع أكبر قدر من الضرر بأقل زمن. وهذا يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية للانتقال من الخطاب إلى الفعل التشريعي المنظّم.
ولا يكتمل الحديث عن السلام من دون التوقف عند حماية البيئة، التي باتت الضحية الصامتة لكل نزاع. فالحروب تدمّر الإنسان وأرضه معًا، وتخلّف تلوّثًا يمتد أثره لعقود. إن توعية الجيل الجديد على أن السلام البيئي جزء لا يتجزأ من السلام الإنساني هو شرط أساسي لبقاء الحياة على هذا الكوكب.
كما أن أي رؤية إنسانية متكاملة لا يمكن أن تغفل عن المعوقين وذوي الاحتياجات الخاصة. فالمجتمع العادل يُقاس بقدرته على حماية أضعف أفراده، لا بتقدّم نخبه فقط. إدماجهم في التخطيط العام، وضمان وصولهم إلى التكنولوجيا والخدمات، يعكس نضج الدولة واحترامها لكرامة الإنسان دون تمييز.
إن توعية الجيل الجديد على هذه القضايا المتداخلة السلام، القانون، التكنولوجيا، البيئة، وحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة تتطلب خطابًا عقلانيًا هادئًا، بعيدًا عن الانفعال والتحريض. خطابًا يُعلّم التفكير النقدي، ويُرسّخ ثقافة الحوار، ويؤكد أن الاختلاف لا يُدار بالعنف بل بالعقل.
في الخلاصة، السلام ليس موقفًا ظرفيًا، بل مسار طويل يبدأ من الوعي، ويترسّخ في القوانين، ويترجم في السلوك اليومي. وحين يدرك الجيل الجديد أن التكنولوجيا خُلقت لخدمة الإنسان لا لقتله، وأن احترام القانون هو الضمانة الوحيدة للعدالة، يصبح المستقبل أقل قسوة، وأكثر اتزانًا، وأقرب إلى الإنسانية التي يستحقها الجميع.
راشد شاتيلا محلل سياسي مختص في الذكاء الاصطناعي و إدارة البيانات.