على امتداد هذه السلسلة، لم يكن الهدف توصيف الواقع أو إعادة إنتاج خطاب عام عن التنمية، بقدر ما كان السعى إلى تفكيك منطق «السردية الوطنية للتنمية الشاملة» بوصفها محاولة واعية للانتقال من منطق السياسات المتفرقة إلى منطق الإطار الكلى المتكامل. بدأنا بالإنسان بوصفه أصلًا إنتاجيًا لا يمكن تعويضه، ثم انتقلنا إلى توازن الاقتصاد الكلى كشرط حماية لهذا الأصل من التآكل، ثم تناولنا القطاعات والصناعة والاستثمار باعتبارها المجال الذى تتجسد فيه التنمية فعليًا. ويبقى السؤال الحاسم الذى يواجه أى سردية، مهما بلغت درجة اتساقها النظري: كيف تُنفّذ؟
الانتقال من الرؤية إلى التنفيذ ليس مسألة إجرائية، بل هو التحول الذى تختبر فيه الدولة صدقية خطابها التنموى فالتنفيذ، بطبيعته، يفرض منطقًا مختلفًا: منطق الأولويات، والقياس، والمساءلة، وإدارة التناقضات بين الممكن والمأمول. ولهذا، فإن القيمة الحقيقية فى الإطار التنفيذى للسردية الوطنية لا تكمن فى كونه قائمة سياسات إضافية، بل فى كونه محاولة منهجية لربط الأداء التنموى بالأداء المالي، بحيث لا تبقى الأهداف الاستراتيجية شعارات عامة، وإنما تتحول إلى التزامات قابلة للقياس داخل دورة التخطيط والموازنة متوسطة المدى، وفق منهجية «البرامج والأداء»، بما يعزز كفاءة الإنفاق وفعالية التنفيذ عبر مختلف الجهات المعنية..
فى هذا التحول، يتبدل موقع التخطيط من كونه وثيقة توجيهية إلى كونه آلية حاكمة لتخصيص الموارد، فربط البرامج بالأداء يفرض على كل جهة تنفيذية أن تعيد تعريف دورها داخل سردية أوسع، لا باعتبارها وحدة إنفاق فقط، بل باعتبارها وحدة أثر، هذا التحول يعالج أحد أعطاب السياسات العامة التقليدية، حيث تتجاور البرامج دون إطار نتائج واضح، وتُقاس الجهود بحجم الإنفاق لا بحجم الأثر. الجديد هنا أن التنفيذ يُبنى على منطق أهداف أفقية مشتركة تتطلب تنسيقًا مؤسسيًا عالى الكفاءة، وأهدافا رأسية خاصة بكل جهة، بما يخلق مزيجًا بين الرؤية الكلية والمسؤولية القطاعية، ويحول السردية إلى منظومة تشغيلية قابلة للمتابعة والتقييم الدورى.
ولا يكتمل الانتقال من السردية إلى التنفيذ من دون تثبيت المستهدفات الكمية بوصفها «عقد الأداء» بين الدولة والمجتمع. فالإطار التنفيذى لا يكتفى بتحديد مسارات إصلاح عامة، بل يحوّلها إلى أهداف قابلة للقياس بزمن محدد، بما يسمح بمتابعة التقدم وتقييم الانحرافات بصورة موضوعية. فى هذا السياق، تُطرح مستهدفات ترتبط بمسار نمو أعلى وأكثر استدامة، وتحسن ملموس فى معدلات التشغيل، وتراجع تدريجى فى الضغوط التضخمية، واستعادة مسارات أكثر أمانًا لاستدامة المالية العامة والدين الخارجي، مع توسع متوقع فى الصادرات والأنشطة القابلة للتبادل التجارى بوصفها قاطرة التحول الهيكلي. أهمية هذه المستهدفات لا تكمن فى كونها أرقامًا طموحة فحسب، بل فى أنها تُستخدم كأداة حوكمة، تُعاد معايرتها دوريًا فى ضوء مسار التنفيذ، وتُربط بها أولويات تخصيص الموارد، بما يضمن أن لا يتحول البرنامج التنفيذى إلى قائمة نوايا حسنة، بل إلى إطار أداء تُقاس عليه السياسات وتساؤل من خلاله الجهات المنفذة.
كما أن البرنامج التنفيذى يعيد الاعتبار لفكرة التتابع الزمنى للإصلاح. فالإصلاحات لا تُلقى دفعة واحدة فى سلة واحدة، بل تُرتّب وفق منطق يوازن بين استقرار الاقتصاد الكلي، وتحسين بيئة الأعمال، وتمكين القطاع الخاص، والاستثمار فى رأس المال البشري، والتحول الأخضر والرقمي. هذا الترتيب الزمنى لا يعكس فقط أولويات فنية، بل يعكس إدراكًا بأن القدرة السياسية والمؤسسية على التنفيذ محدودة، وأن نجاح أى مسار إصلاحى يتوقف على إدارة هذه القدرة بكفاءة، وتجنب إنهاك الجهاز الإدارى بتكديس برامج متزامنة تفوق طاقته التنفيذية.
ومن زاوية أخرى، يُحسب للإطار التنفيذى أنه لا يتعامل مع الإصلاح الهيكلى بوصفه حزمة اقتصادية ضيقة، بل كتحول اقتصادي–اجتماعي–مؤسسى شامل. فالإصلاح هنا لا ينفصل عن الحماية الاجتماعية، ولا عن إصلاح سوق العمل، ولا عن تحسين جودة الخدمات العامة، ولا عن تعزيز الشفافية والحوكمة. هذه المقاربة المتداخلة تعكس فهمًا أعمق لطبيعة النمو الشامل، حيث لا يكفى تحقيق معدلات نمو مرتفعة إذا لم تكن قادرة على توليد فرص عمل لائقة، أو تحسين جودة الحياة، أو تقليص الفجوات المكانية والاجتماعية. التنفيذ، بهذا المعنى، ليس مجرد إدارة مشروعات، بل إدارة انتقال هيكلى طويل الأمد.
الميزة النوعية فى البرنامج التنفيذى لا تقتصر على اتساع نطاقه، بل تمتد إلى بنية المتابعة والتقييم التى تم تصميمها لضمان تحويل التخطيط إلى ممارسة قائمة على النتائج. فاعتماد منظومات متابعة دورية، وأدلة إجرائية للتخطيط والتقييم، وربط التقدم المحرز بمؤشرات أداء، يمثل انتقالًا مؤسسيًا من ثقافة «التخطيط الورقي» إلى ثقافة «الإدارة القائمة على النتائج»، بما يرسخ الشفافية ويعزز قابلية المساءلة داخل الجهاز التنفيذى للدولة.
ومع ذلك، فإن نجاح البرنامج التنفيذى لن يُقاس بجودة تصميمه فقط، بل بمدى قدرته على الصمود أمام تعقيدات الواقع: الضغوط المالية، تقلبات البيئة الإقليمية والدولية، وتفاوت القدرات التنفيذية بين الجهات. التنفيذ هنا ليس مسارًا خطيًا، بل عملية تعلم مؤسسى مستمرة، تتطلب مراجعة دورية للأهداف وإعادة ترتيب للأولويات عند الضرورة، دون الإخلال بالإطار الاستراتيجى العام للسردية. التحدى الحقيقى ليس فى إعلان الأهداف، بل فى القدرة على الحفاظ على الاتساق بين ما يُعلَن وما يُنفّذ عبر الزمن.
وفى هذا السياق، لا يمكن تجاهل حجم الجهد المؤسسى الذى انطوت عليه صياغة هذه السردية وبرنامجها التنفيذي. فالعمل على مواءمة رؤى متعددة واستراتيجيات قطاعية مختلفة داخل إطار واحد قابل للتنفيذ والمتابعة يعكس درجة معتبرة من النضج فى مقاربة التخطيط العام. كما أن تحديث أدوات التخطيط والمتابعة، والانفتاح على أفضل الممارسات الدولية فى إدارة البرامج والأداء، يمثل استثمارًا مؤسسيًا طويل الأمد لا يقل أهمية عن الاستثمارات المادية فى البنية التحتية أو رأس المال البشري.
ختام هذه السلسلة لا يعنى إغلاق النقاش، بل يضع معيارًا للحكم على المرحلة القادمة: مرحلة التنفيذ الصبور، المتدرج، القابل للتصحيح. فالسردية الوطنية، فى صورتها الراهنة، تتيح إطارًا متماسكًا لإعادة بناء العلاقة بين التخطيط والنمو والتشغيل والاستثمار فى الإنسان. غير أن قيمتها النهائية ستُقاس بقدرتها على إحداث تحول ملموس فى بنية الاقتصاد، وفى نوعية فرص العمل، وفى جودة الحياة، وفى قدرة الدولة على إدارة تحولها الهيكلى بثبات واستمرارية. هنا فقط تنتقل السردية من كونها «رواية إصلاح» إلى كونها «مسار تحول فعلى».