رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

أوروبا تبحث عن «بدائل واشنطن»


5-2-2026 | 16:20

.

طباعة
تقرير: سلمى أمجد

فى ظل تنامى التوترات الجيوسياسية وتبدل أولويات واشنطن، بدأت العواصم الأوروبية فى التوجه نحو التنويع، والبحث عن شركاء جدد، وتحقيق الاكتفاء الذاتى بما يعيد استقلالية القرار للقارة العجوز ويمنحها دورًا أكثر قوة مع استمرار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى زعزعة استقرار النظام العالمى.

 

 

وفى هذا السياق، رفع الاتحاد الأوروبى وفيتنام مستوى العلاقات الدبلوماسية إلى شراكة استراتيجية شاملة، فى إطار سعيهما لتوسيع شراكاتهما الدولية فى ظل الاضطرابات العالمية الراهنة، وتم التوصل إلى هذا الاتفاق، يوم الخميس الماضى، خلال زيارة رئيس المجلس الأوروبى أنطونيو كوستا إلى العاصمة هانوى، ويهدف الاتفاق «الأوروبى-الفيتنامى» إلى تعزيز التعاون فى مجالات متعددة، تشمل الدفاع، والأمن، والتجارة، والاستثمار فى أشباه الموصّلات والمعادن الحيوية.

يُذكر أن هذه الاتفاقية تعد الأولى من نوعها للاتحاد الأوروبى مع دولة عضو فى رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وتأتى فى أعتاب توصل الاتحاد الأوروبى والهند إلى اتفاقية تجارة حرة تاريخية لتعزيز العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية، بعد ما يقرب من عقدين من المفاوضات.

وكان الاتحاد الأوروبى قد أبرم أول اتفاقية تجارية له مع إندونيسيا فى يوليو الماضى. وقبل أسبوعين، وقّع اتفاقية مع دول ميركوسور فى أمريكا الجنوبية، وهى اتفاقية استغرقت عقودًا من التخطيط لإنشاء سوق تجارة حرة تضم أكثر من 700 مليون نسمة. جهود الاتحاد الأوروبى الرامية إلى إبرام شراكات عالمية جديدة تبرز فى وقت أثارت فيه إدارة ترامب مخاوف عواصم المنطقة التى لطالما اعتمدت على علاقة مستقرة مع واشنطن فى مجالات التجارة والدفاع والدبلوماسية.

وقد قادت فرنسا الدعوات لبناء «استقلال استراتيجى» فى أوروبا، وتزايد الدعم لموقفها منذ أن حذرت إدارة ترامب العام الماضى من أن أولوياتها الأمنية تكمن فى مكان آخر، وأن الأوروبيين سيضطرون إلى الاعتماد على أنفسهم، لذلك وافق الاتحاد الأوروبى على تخصيص قروض بقيمة 150 مليار يورو لدعم مشروعات الدفاع الجوى، والصواريخ، وتعزيز القدرات العسكرية المشتركة، فى إطار برنامج «العمل الأمنى لأوروبا - SAFE».

كما تهدف أوروبا فى الفترة المقبلة إلى مزيد من الاستقلال فى مجال الطاقة من خلال الاستثمار فى إنتاج الطاقة وإيجاد موردين بديلين فى ظل مخاوف من أن يتحول الاعتماد على مصادر الطاقة الأمريكية إلى «ورقة ضغط».

من جانبه، قام رئيس الوزراء البريطانى كير ستارمر بزيارة دولة الصين استغرقت بضعة أيام، ساعيًا إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والأمنية مع ثانى أكبر اقتصاد فى العالم، بعد سنوات من التوتر، وتعد هذه الزيارة الأولى لرئيس وزراء بريطانى إلى الصين منذ لقاء تيريزا ماى بالرئيس الصينى شى جين بينج عام 2018.

وصور «ستارمر» زيارته بأنها خطوة «براجماتية» رغم المخاوف المستمرة فى الداخل البريطانى بشأن سجل بكين فى مجال حقوق الإنسان وما يمثله من تهديد محتمل للأمن القومى، حيث تشكل الصين شريان حياة اقتصاديًا محتملًا للمملكة المتحدة، التى عانى اقتصادها خلال العقد الماضى منذ خروجها من الاتحاد الأوروبى عام 2016.

وبعد لقاء «ستارمر» برئيس الوزراء الصينى لى تشيانج، أعلنت الحكومة البريطانية عن عدة اتفاقيات، منها إمكانية سفر المواطنين البريطانيين إلى الصين بدون تأشيرة لرحلات لا تتجاوز 30 يومًا، والتعاون فى مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود والهجرة غير الشرعية. بينما أعلنت شركة «أسترازينيكا» العملاقة للأدوية أنها ستستثمر 10.9 مليار جنيه إسترلينى فى الصين حتى عام 2030.

لم تكن بريطانيا بمنأى عن حرب «ترامب» التجارية، على الرغم من «علاقتها الخاصة» الممتدة لعقود مع الولايات المتحدة. وبصفتها عضوًا فى حلف شمال الأطلسى (الناتو)، تابعت المملكة المتحدة بقلق تهديدات «ترامب» الأخيرة بضم جرينلاند وفرض رسوم جمركية تصل إلى 25 فى المائة على أى دولة تعارضه.

كما لم يكن «ستارمر» الحليف الوحيد للولايات المتحدة الذى يسعى لتنويع العلاقات الاقتصادية وتعزيز الاستقلال التجارى حيث أتت زيارته إلى الصين على خطى الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء الأسترالى أنتونى ألبانيز، والرئيس الكورى الجنوبى لى جاى ميونج، ورئيس الوزراء الفنلندى بيترى أوربو، ورئيس الوزراء الكندى مارك كارنى.

فى هذا السياق، قال الدكتور يسرى عبيد، خبير العلاقات الدولية: إن «التحركات الأوروبية الأخيرة تشير إلى مدى الاستياء من تصرفات الرئيس ترامب بخصوص فرض رسوم جمركية أو الحديث عن السيطرة على جزيرة جرينلاند، التى تتبع مملكة الدنمارك. ذلك بالإضافة إلى التصريحات المتكررة له حول ضعف القارة الأوروبية، وأن الولايات المتحدة الأمريكية لها الفضل فى الحرب العالمية الثانية بالانتصار على النازية، وأن أوروبا لم تساعد الولايات المتحدة الأمريكية فى حرب أفغانستان، وهذه النظرة الاستعلائية التى ينظر بها ترامب للقارة الأوروبية، وقوله بشكل واضح إن حلف «الناتو» بدون أمريكا سيكون ضعيفًا وهشًا أغضبت القادة الأوروبيين بشكل كبير».

وتابع «عبيد»: اتجاه أوروبا شرقًا إلى الصين والهند يشير بشكل واضح إلى محاولات القارة للاستقلال بنفسها من الناحية الاقتصادية والسياسية عن الجانب الأمريكى أو ربما تكون وسيلة ضغط على الرئيس ترامب، وبالتأكيد هذا سيؤثر بشكل كبير على حركة التجارة، والسوق الحرة، والشراكة عبر ضفتى حلف الأطلسى مثل صفقات الغاز التى اعتمدت أوروبا فيها على الجانب الأمريكى بشكل كبير، خاصة بعد الحرب الروسية - الأوكرانية.

من فرنسا، أوضح الدكتور توفيق قويدر شيشى، الباحث فى العلاقات الدولية، أن «الاتحاد الأوروبى يسعى جاهدًا إلى التخلص من الضغوط الأمريكية الاقتصادية والتجارية والأمنية والعسكرية وحتى المالية. ومقارنة بالولاية الأولى لترامب، التى أحدث فيها زلزالًا فى العلاقات مع أوروبا التى كانت مستقرة فى عهد الرؤساء السابقين وصلت العلاقات فى الولاية الثانية إلى أوجها حيث الهيمنة والنفوذ الأمريكى على دول الاتحاد الأوروبى. وظهر ذلك جليًا فى الرسائل المتبادلة بين ترامب وقادة دول الاتحاد. لذلك توجب على دول الاتحاد الأوروبى أن يجدوا حلًا فى ظل تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية على المنتجات الأوروبية بنسب كبيرة، ومجحفة بحق الاقتصاد الأوروبى حتى إنه وصل به الأمر إلى مطالبة «ماكرون» بمضاعفة سعر الدواء».

وأضاف «قويدر»: الفرنسيون هنا يرون أن هناك تدخلا كبيرا من طرف الدولة العميقة الأمريكية فى الشأن الأوروبى، والدليل على ذلك ما يحدث فى أوكرانيا، والضغوطات نحو اختيار وجهة السلام الأمريكية التى يتبناها ترامب، والتى يراها الأوروبيون استسلامًا وليس سلامًا، ذلك بجانب التهديد بالانسحاب من حلف «الناتو»، التى تتحمل فيه الولايات المتحدة الميزانية الأكبر، ولكى لا تكون عرضة للابتزاز، يحاول الاتحاد خلق جيش أوروبى والاستثمار فى الصناعات الدفاعية وتبادل الاستخبارات وإعادة الخدمة العسكرية الطوعية، ومن هنا جاءت فكرة البحث عن بدائل. لكن حتى الآن فشلت أوروبا فى التخلص من المظلة الأمريكية فيما يخص الأمن باعتراف المستشار الألمانى والرئيس الفرنسى، كما أن البدائل الاقتصادية ضعيفة؛ لذلك توجهت أوروبا وكندا إلى الصين كخيار استراتيجى باعتبارها المنافس الأول للولايات المتحدة، إلا أن ذلك يعرضها أيضًا لعقوبات من الجانب الأمريكى.