رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«الإيجار القديم» إجراءات التطبيق تحمى الملاك والمستأجرين


5-2-2026 | 16:20

.

طباعة
تقرير: نور عبدالقادر

يظل ملف الإيجار القديم واحدًا من الملفات المهمة فى المجتمع، لما يحمله من أبعاد إنسانية واجتماعية، تتجاوز مجرد العلاقة التعاقدية بين المالك والمستأجر، فهذه الوحدات لم تكن مجرد مساكن بل تحولت على مدار سنوات طويلة إلى مساحات للحياة والذكريات، ارتبط بها المواطنون بعلاقات إنسانية مع الجيران، وبشبكة من الخدمات والمرافق التى صارت جزءًا لا يتجزأ من يومهم العادى.

ومع دخول التشريعات الجديدة حيز التنفيذ، وجد عدد من المستأجرين أنفسهم أمام واقع تمثل فى زيادات إيجارية، فى المقابل يبرز اتجاه آخر يرى أن إعادة تنظيم العلاقة الإيجارية باتت ضرورة ملحة لتحقيق قدر من العدالة وحماية حقوق الملاك، وضمان سوق عقارية أكثر توازنًا واستدامة. وتهدف الإجراءات إلى تقليل أى فجوات أو حالات ارتباك قد تنتج عن تطبيق القوانين، وضمان وصول الدعم والسكن البديل لمن يستحقه.

 

 

طارق جابر، أحد المستأجرين بالقانون القديم، قال إنه يسدد إيجار شهرى يصل إلى 4 آلاف جنيه بعد تصنيف شقته ضمن الفئة «المميزة»، وأضاف أنه يعيش فى شقته منذ سنوات كثيرة، وارتبط بالحى الذى يسكن فيه.

وأوضح أن غالبية المواطنين الذين حصلوا على وحداتهم السكنية خلال الفترة ما بين عامى 1990 و1995 تجاوزوا اليوم سن الستين، واستقرت حياتهم داخل أحيائهم التى أصبحت جزءًا أصيلًاً من ذاكرتهم اليومية، فلم تعد الشقة مجرد مسكن، بل صارت محور حياة متكاملة، تبدأ من المسجد القريب مرورًا بالصيدلية والبقال وصولًاً إلى علاقات الجيرة التى ترسخت عبر سنوات طويلة من العِشرة والمعرفة المتبادلة.

وأكدت منى عبدالسلام، إحدى سكان منطقة فيصل، أنهم فوجئوا بوضع بعض الشوارع أو مداخل العقارات ضمن فئة «المناطق المميزة»، وما يترتب على ذلك من أعباء مالية مرتفعة، رغم أن القيمة الإيجارية الأصلية لهذه الوحدات لم تكن تتجاوز 200 إلى 300 جنيه منذ التسعينيات، مضيفة أن المفارقة تكمن فى أن وحدات سكنية أكبر مساحة فى مناطق أكثر رقيًا كانت تخضع لإيجارات أقل، فى حين تفرض مبالغ أعلى على وحدات أصغر داخل مناطق شعبية.

وتابعت: «الكثيرون يعتمدون على تدبير احتياجاتهم شهرًا بشهر، ويواجهون التزامات أسرية، ما يجعل أى زيادة مفاجئة عبئًا يصعب تحمله».

شاركتها الرأى إيمان بكرى، إحدى سكان منطقة الدقى، قائلة: «إحنا مستأجرين من 1995، وشقتنا صغيرة حوالى 45 مترًا على الطوب، والشارع ضيق جدًا عرضه 3 أمتار، لدرجة إننا نتواصل مع الجيران عبر البلكونات، والشقة اتصنفت ضمن الفئة الاقتصادية، ومع ذلك المبلغ الذى سندفعه الشهر القادم وصل إلى 500 جنيه».

أما نوفا عبدالكريم، من سكان منطقة فيصل، فقالت: «أنا أسكن فى شقة بالطالبية بحرى، شارع جانبى وليس على شارع فيصل العام، ومع ذلك تم تصنيف الشقة ضمن الممتازة والإيجار القديم كان 250 أو 300 جنيه، وبعد تطبيق الزيادة والعشرين ضعفًا، المبلغ وصل إلى 5300 جنيه شهريًا.

هانى عمار، المستشار القانونى، المتحدث باسم عدد من المستأجرين المتأثرين بالقانون،أكد أن الخلاف القائم لا ينصب على مبدأ تنظيم العلاقة الإيجارية فى حد ذاته، وإنما بتصنيف بعض المناطق وتقدير القيم الإيجارية الجديدة، موضحًا أن هناك مناطق تضم شرائح واسعة من متوسطى ومحدودى الدخل، ورغم ذلك جرى إدراجها ضمن المناطق المتميزة، الأمر الذى يفرض أعباء مالية تفوق قدرة قاطنيها.

وطالب «عمار» بضرورة إجراء مراجعة لعمل لجان الحصر والتقييم، مع ربط القيمة الإيجارية بالقدرة الفعلية للمواطن، بما يحقق التوازن المطلوب بين حق الدولة فى تنظيم السوق العقارية، وحق المواطن فى سكن آمن وعادل يضمن له الاستقرار الاجتماعى.

أما الدكتور صبرى الجندى، الخبير فى التنمية المحلية والمستشار الأسبق لوزير التنمية المحلية، فقد أكد على أن آلية عمل لجان الحصر والتقييم شهدت بعض الخلل، نتيجة عدم إجراء حصر دقيق للأحياء والشوارع والوحدات السكنية، والاكتفاء بتقديرات عامة لا تعكس الواقع الفعلى للسكن، مبينًا أنه ليس من المنطقى، على سبيل المثال، أن يتم احتساب وحدة سكنية مكونة من غرفتين على سطح عمارة فى الزمالك بالقيمة نفسها التى تُفرض على شقة كاملة فى موقع مميز بالمنطقة ذاتها، لمجرد أن العنوان واحد.

وتابع: الأمر نفسه يتكرر فى مناطق راقية مثل المعادى وجاردن سيتى، حيث تتنوع طبيعة الوحدات بين شقق تطل على الشارع الرئيسي، وأخرى على مناور داخلية، وأخرى داخلية بالكامل، ومع ذلك يتم التعامل معها بالقيمة الإيجارية نفسها، دون تفرقة عادلة بين مستوى الموقع أو طبيعة الوحدة، مشيرًا إلى أن هذه الآلية لا تقتصر على مناطق بعينها، بل تُطبق فى مختلف محافظات الجمهورية، ففى أحياء مثل الهرم جرى احتساب شوارع رئيسية وفرعية وزقاق ضيقة بالقيمة نفسها، حيث تم تقدير الإيجار فى شارع فيصل بالكامل بمبلغ موحد، رغم الفارق الكبير بين الشوارع الجانبية والحوارى الضيقة التى لا يصح مساواتها بالشوارع التجارية والرئيسية.

كما أشار «الجندى» إلى أن اللجان لم تتمكن من أداء عملها بدقة، إما لضيق الوقت أو لقلة عدد اللجان مقارنة بحجم المناطق المطلوب حصرها، وكان من الضرورى أن يتم الحصر وحدة بوحدة، مع مراعاة مواصفات كل شقة على حدة، من حيث الموقع وعدد الغرف وطبيعة الإطلالة، وهل هى شقة داخلية أم على شارع رئيسى، بدلًاً من الاكتفاء بتصنيف الشوارع المزودة بالمرافق باعتبارها متساوية، رغم أن كثيرًا من الحوارى والزقاق تتوافر بها مياه وكهرباء وغاز، لكنها لا تُعد شوارع رئيسية بأى حال.

وشدد على أنه من الضرورى إعادة النظر فى طريقة عمل اللجان، وإجراء حصر منطقى وعادل يفرق بين شقة على السطح، وشقة داخلية ووحدة مميزة أو فيلا، بدلًا من توحيد القيمة الإيجارية بشكل يفتقر للعدالة، مطالبًا بفتح باب التظلمات على نطاق واسع، والبت فيها بسرعة، على أن تُقدم التظلمات للمحليات، مع متابعة الحى المختص وإجراء معاينة فعلية للوحدة محل النزاع، باعتبار أن هذا حق أصيل للمواطنين، ويُسهم فى تهدئة الأوضاع واستقرار العلاقة بين الملاك والمستأجرين.

وعلى الجانب الآخر، أكد اللواء رضا فرحات، خبير الإدارة المحلية، أن لجان الحصر التى شُكّلت فى المحافظات لتنفيذ قانون الإيجار القديم، عملت وفق منهج علمى وإدارى واضح، يجمع بين المعاينة الميدانية والاعتماد على قواعد البيانات الرسمية، لضمان الوصول إلى نتائج دقيقة تعكس الواقع الفعلى للوحدات المؤجرة بنظام الإيجار القديم، موضحًا أن اللجان جرى تشكيلها بقرارات رسمية فى كل محافظة، برئاسة السكرتير العام للمحافظة، وعضوية مديرى الإسكان والتخطيط والأملاك، إلى جانب رؤساء المدن والأحياء، وذلك بهدف توحيد الرؤية بين الجوانب الفنية والقانونية والإدارية أثناء تنفيذ أعمال الحصر.

وأشار «فرحات» إلى أن عمل اللجان بدأ بحصر جميع الوحدات الخاضعة لقانون الإيجار القديم، أى العقود المبرمة قبل 31 يناير 1996، مع التفرقة الواضحة بين الوحدات السكنية والإدارية والتجارية، ومراجعة بياناتها من خلال سجلات الأحياء، وملفات الضرائب العقارية، وكشوف استهلاك الكهرباء والمياه، لضمان دقة المعلومات وعدم الاعتماد على البيانات الورقية فقط، مضيفًا أن أحد أهم أدوار لجان الحصر تمثل فى تصنيف المناطق إلى ثلاث فئات رئيسية: مناطق متميزة، ومتوسطة، واقتصادية، مؤكدًا أن هذا التصنيف لم يتم بشكل عشوائى، وإنما استند إلى مجموعة من المعايير الموضوعية، من بينها الموقع الجغرافى، ومستوى البنية التحتية، وقرب المنطقة من الخدمات، وحالة المبانى، ومتوسط أسعار السوق العقارية فى كل منطقة.

وكشف عن أن البيانات التى تم جمعها جرى ربطها إلكترونيًا بمنصة مصر الرقمية، بحيث يتم مراجعة طلبات التسجيل التى يقدمها المستأجرون على ضوء نتائج الحصر الميدانى، بما يحد من أى تلاعب أو ازدواجية فى البيانات، موضحًا أن لجان الحصر استبعدت الحالات غير المستحقة للسكن البديل، وفى مقدمتها من ثبت امتلاكه لوحدة سكنية أخرى بنفس الغرض، أو من صدر ضده حكم قضائى نهائى بالطرد، أو الوحدات غير المأهولة بالسكان، مؤكدًا أن الهدف هو توجيه الدعم لمستحقيه الحقيقيين فقط.

واختتم «فرحات» تصريحاته بالتأكيد على أن كل محافظة أعدّت تقارير تفصيلية تضمنت أعداد الوحدات الخاضعة للقانون، وتوزيعها الجغرافى، وحجم الاحتياج الفعلى للسكن البديل، إلى جانب تحديد الأراضى المناسبة لإقامة المشروعات الجديدة، وتم رفع هذه التقارير إلى وزارة التنمية المحلية بالتنسيق مع وزارة الإسكان، تمهيدًا لبدء التنفيذ الفعلى لمشروعات السكن البديل، وكل مواطن قدم على سكن سيحصل عليه بشروط وتسهيلات وضعتها وزارة الإسكان.