رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الناشئون.. كنـــز الكــــرة المصــريـة «المــــدفون»


1-2-2026 | 13:22

.

طباعة
تقرير: أحمد المندوه

هناك تساؤل يتردد فى الكرة المصرية لماذا يُهدر المستقبل قبل أن يُولد؟.. خلال العقود الماضية رسمت الكرة المصرية صورًا وردية، واستمرت فى أحلام جماهيرية ضخمة، لكنها فى العمق ابتعدت تدريجيا عن منظومة تطوير اللاعب الناشئ، ما يحدث اليوم ليس تراجعا عابرا فى النتائج، بل فشل منظّم فى صناعة اللاعب المصرى من الداخل، وفى كل موسم تهدر الأندية مئات المواهب تحت سن 21 عاما، بينما تتم الاستعانة بلاعبين محترفين لا يقدمون حلولاً مستدامة للمنافسة القارية، ولا يشكلون دعمًا حقيقيًا للمنتخبات الوطنية، وهو ما جعل الحديث عن «الناشئين» يبدو كأنه رفاهية، وليس استراتيجية ضرورية لبناء كرة قدم تنافسية حقيقية.

 

الموسم الحالى (2025–2026) من الدورى المصرى الممتاز يشهد مشاركة 21 فريقًا ضمن نظام استثنائى بعد إلغاء الهبوط فى الموسم الماضى، لكن ظهور لاعبين شباب تحت 21 عاما فى مباريات الدورى لا يزال محدودا، عدد هؤلاء لا يتجاوز بضعة أسماء ظهروا فى قائمة «أصغر اللاعبين سنا» فى البطولة، وهو مؤشر أولى على وجود بعض الفرص، إلا أنه لا يعكس خطة واضحة لإشراكهم بصفة أساسية ومستمرة فى المباريات، هذا الإهمال لا يضرب فقط نسيج الدورى، بل ينعكس مباشرة على المنتخب الوطنى، الذى يحتاج إلى تجديد دمائه بصورة دورية ليواجه تحديات المنافسات القارية والعالمية، وبدلا من أن يكون الناشئ جزءا أصيلا من منظومة النجاح، أصبح مجرد «ظاهرة» تذكر عند ندرة النتائج، ما يحدث اليوم يؤكد أن مستقبل الكرة المصرية لا يُهدر فى الملاعب، بل يُهدر قبل أن يصل إليها.

الكابتن إمام محمدين، رئيس قطاع الناشئين بالاتحاد السكندرى السابق، أكد أن الدورى المصرى الممتاز الموسم الحالى (2025–2026) يعتبر أحد أهم المنصات لرصد مواهب الناشئين التى بدأت تفرض وجودها على الساحة المحلية، التقارير الفنية لمعظم الأندية تُظهر أن هناك عددا من اللاعبين الذين تقل أعمارهم عن 20 عاما شاركوا كأساسيين أو بدلاء فى مباريات الدورى الممتاز هذا الموسم، وهو مؤشر مهم يشير إلى اهتمام الأندية بإشراك الشباب فى المباريات الرسمية، من بين هؤلاء اللاعبين على سبيل المثال، إبراهيم النجعاوى جناح أيمن شارك مع نادى الإسماعيلى فى مباريات الدورى، مؤمن خالد مهاجم نادى 17 عاما، أدهم رفاعى جناح أيسر نادى الجونة، محمود صلاح جناح غزل المحلة ظهر أيضا فى الدورى، محمد عبد الناصر لاعب وسط نادى المقاولون العرب، وهذا التنوع فى أندية مختلفة يؤكد أن الاهتمام بالشباب لم يعد حكرا على الأندية الكبرى فقط، بل بدأ يطال أندية أقل حجما، وهو ما يمكن اعتباره بداية لتوسيع قاعدة المواهب.

وأشار «محمدين» إلى أن اللاعبين الشباب الذين تم إشراكهم هذا الموسم لم يتلقوا مجرد دقائق فى نهاية المباريات، بل حظوا بثقة المدربين فى بعض الأوقات للمشاركة بشكل منتظم نسبيا، وجود لاعبين بعمر 17–19 عاما فى تشكيلة الفرق فى موسم تنافسى يعد إشارة قوية على تحول تدريجى فى ثقافة الأندية من الاعتماد فقط على المحترفين لأصحاب الخبرة، إلى إفساح المجال للشباب الذين يمتلكون إمكانات فنية عالية، ورغم النقص فى التغطية الرسمية لتفاصيل مشاركة الناشئين فى مباريات كأس مصر هذا الموسم، فإن الأندية التى تعطى الفرصة للشباب فى الدورى تميل إلى منحهم دقائق أيضا فى مباريات الكأس، خاصة فى الأدوار الأولى أو ضد فرق من الدرجة الثانية، بهدف اختبار خبراتهم تحت الضغط، وهذا الأسلوب يستخدم فى النظم الأوروبية لتسريع تطور اللاعب الشاب، لكن قطبى الكرة المصرية نادى الأهلى والزمالك أشركا قاعدة كبيرة من الناشئين فى بطولة كأس عاصمة مصر للاستفادة القصوى من وجودهم فى القائمة، وهذا يدلّ على تغير الفكر الفنى فى المرحلة القادمة بالنسبة للأهلى والزمالك.

وتابع: هناك إيجابيات ملحوظة، فى انخراط مبدئى للشباب فى الفرق الأساسية، عدد من اللاعبين الشباب بدأوا يلمعون فى فرقهم حتى لو لم يكونوا دائما فى التشكيل الأساسى، مثل محمد السيد لاعب وسط الزمالك وكباكبة لاعب مودرن سبورت، ولكن من وجهة نظرى كل هذا ليس بالعدد الكافى لمشاركة الناشئين فى فرقهم فيجب على الأندية توسيع قاعدة المشاركة، وعلى اتحاد الكرة أن يعتمد تنظيم مسابقات للناشئين مواليد 2005 وما دون، وهو ما يعزز التطوير فى البنية التحتية للمواهب الشابة، لأنه لا بد من خلق ثقافة الإنصاف فى فرص المشاركة، مع وجود لاعبين موهوبين تحت 20 عاما فى أندية مختلفة، لأن هذا يكشف عن تنوع الفرص بدلا من حصرها فى أندية محددة، كما نرى الآن.

وأوضح «محمدين» أن التحديات لا تزال قائمة رغم تلك الإيجابيات، فهناك عوائق واضحة، أهمها قلة المشاركة المنتظمة للناشئين، حتى إن اللاعبين الشباب الذين شاركوا لم يصلوا بعد إلى مستويات المشاركة الأساسية المنتظمة فى جميع المباريات بقوة، افتقاد التطوير خارج الأندية الكبرى، وكثير من المواهب فى الأندية الصغيرة لا تحظى بالاهتمام الكافى من أجهزة تدريب محترفة أو برامج تأهيل فنى متقدم، فهم يعتمدون فقط على الموهبة الفطرية للناشئ، وهذا خطأ كبير لأن قطاع الناشئين لا بد من وضع خطة فنية وبدنية مطورة له للنهوض بمستوى الناشئ، ثم تأتى قلة التغطية الإعلامية والتحليل الفنى للشباب، وغياب التوثيق والتحليل لأداء الناشئين فى مباريات الدورى والكأس يجعل من الصعب تتبع تطورهم بشكل علمى، وهذا يؤثر أيضا على رؤوس الأموال المستثمرة فى تطويرهم، لأن كل الأندية بلا استثناء أصبح لديها أكاديمية خاصة بها، لأن كلما كبرت القاعدة السنية المزودة للاعبى كرة القدم، زادت احتمالية وجود لاعبين قادرين على المنافسة فى المستويات المتقدمة للفرق التى يلعبون بها، كثير من الدول القوية فى كرة القدم استثمرت فى برامج تحت 17، تحت 19، وتحت 23 سنة حتى تتسنى لها متابعة تطور اللاعبين منذ الصغر، ولنا فى تجربة منتخبات المغرب عظة.

وقال الكابتن بدر حامد، رئيس قطاع الناشئين بنادى الزمالك: الاهتمام بالناشئين كإحدى الركائز الأساسية لإصلاح كرة القدم الحديثة، حيث تمنح الأندية القدرة على الاعتماد على لاعبيها الشباب بدلا من الدخول فى دوامة الصفقات الخارجية المكلفة، التى غالبا ما تحقق مكاسب مؤقتة دون بناء فنى مستدام، فالاستثمار فى قطاعات الناشئين لا يخلق فقط لاعبين جددًا، بل يمنح الفريق هوية فنية واضحة واستمرارية فى الأداء بعيدا عن تقلبات سوق الانتقالات.

وأضاف: فى مصر يمثل نادى الزمالك نموذجًا معاصرًا لهذا التوجه؛ إذ يسعى النادى خلال الفترة الحالية إلى منح الفرص للاعبين الشباب والاعتماد على العناصر المحلية بدلا من البحث المستمر عن صفقات جاهزة، هذا النهج لا يقتصر على الحفاظ على استقرار الفريق الفنى فقط، بل يعزز الاستدامة المالية للأندية ويقلل الضغط لتحقيق نتائج فورية، خصوصا فى الفرق الجماهيرية التى تواجه توقعات عالية من جمهورها، وهناك تجارب مماثلة لأندية جماهيرية محلية وعالمية تؤكد نجاح هذه الاستراتيجية، على سبيل المثال النادى الأهلى نجح على مدار السنوات الماضية فى دمج لاعبين شباب فى الفريق الأول، مثل محمد هانى وأحمد ياسر ريان، ونادى بيراميدز استثمر فى أكاديمياته لتخريج لاعبين قادرين على المنافسة، ما أتاح للفريق استقرارا ماليا وفنيا حتى خلال تغييرات الأجهزة الفنية، وعلى الصعيد العالمى هناك تجارب لا بد من الاستفادة منها مثل أكاديمية نادى برشلونة الإسبانى (لا ماسيا)، والتى تعد نموذجا عالميا فى إنتاج لاعبين قادرين على تشكيل العمود الفقرى للفريق الأول، وتقليل الاعتماد على صفقات باهظة، وأيضا نادى أياكس الهولندى يعتمد على تطوير المواهب الشابة محليا، وتحويلها إلى لاعبين جاهزين للأندية الكبرى مع الحفاظ على نسبة الأرباح عند بيعهم.

«حامد» أشار إلى أن «تلك التجارب أثبتت أن الاستثمار فى اللاعبين المحليين لا يوفر فقط استدامة مالية، بل يخلق هوية فنية ويوازن بين طموحات الجماهير وقدرات الفريق على تحقيق البطولات، وفى حالة الزمالك، تطبيق هذا النهج يعنى بناء مشروع طويل الأمد، قادر على المنافسة محليا وقاريا، مع الحفاظ على استقرار الفريق بعيدا عن مغامرات سوق الانتقالات المكلفة والتى نعيشها الآن، لأن الرهان على الناشئين ليس ترفا أو خيارا احتياطيا، بل استراتيجية أساسية لتحقيق التوازن بين الأداء الفنى والاستدامة المالية، وضمان قدرة النادى على المنافسة لأجيال قادمة».

كما أوضح أن «منتخب مصر بقدر ما يمتلك أسماء لامعة يحتاج إلى دماء جديدة من الشباب الذين يمكنهم تقديم طاقة وحماس وإبداع على المستويين الإفريقى والعالمى، الأجيال الحديثة تحتاج إلى فرص حقيقية للعب لخوض مباريات دولية أكبر وتجارب احترافية أوسع قبل أن تصل لمنتخب الكبار، لأن الدول التى استطاعت أن تتقدم فى السنوات الأخيرة مثل بلجيكا، فرنسا، هولندا، والسنغال تعتمد بشكل كبير على تطوير اللاعبين منذ سن مبكرة، ثم دمجهم فى الفرق الأولى والمنتخبات الوطنية، هذه السياسات لم تكن وليدة اللحظة، بل جاءت نتيجة خطط طويلة الأمد استثمارية وتربوية، فى فرنسا، وعلى سبيل المثال، نظام الأكاديميات المحلية يتيح لكل لاعب موهوب طريقا واضحا من فرق الشباب وحتى الاحتراف الأوروبى، هذا النهج أكد أن يكون هناك رابط قوى بين المناهج التدريبية فى كل الفئات السنية، وهو ما ما زال غائبا نسبيا عن كثير من المؤسسات الكروية فى مصر».

وأكد أن هناك توصيات لتعزيز منظومة الناشئين فى مصر، من بينها تعزيز البنية المؤسسية من خلال تطوير برامج تدريبية خاصة بالناشئين بالتعاون مع الاتحاد الأوروبى لكرة القدم أو الأكاديميات الأجنبية الشهيرة، مع ضرورة وجود لجان تحليل أداء فنى لكل فئة عمرية لضمان تطورهم بشكل منتظم، مع المطالبة بدعم المشاركة الفعلية للناشئين، وإلزام الأندية بمنح عدد معين من الدقائق للاعبين تحت 21 سنة فى كل مباراة رسمية، مع إعداد برامج لإعارة اللاعبين الشباب لأندية من مستوى مناسب حتى يكتسبوا الخبرة، تفعيل تبادل الخبرات، واستقدام مدربين عالميين متخصصين فى الأكاديميات للعمل مع فرق الشباب المحلية، إرسال أفضل المواهب للمشاركة فى بطولات دولية أو اختبارات مع أندية أجنبية.

وتابع: الناشئون ليسوا مجرد مستقبل الكرة المصرية فى المستقبل البعيد، بل هم حاضرها أيضا، مشاركة اللاعبين الشباب فى الدورى والكأس هذا الموسم تظهر بوادر تغيير مبشرة لكن ما زالت هناك حاجة لإطار تنظيمى قوى ودعم مؤسسى لتطويرهم بشكل احترافى، إن استمرت كرة القدم المصرية فى الاستثمار الفعلى فى الناشئين، وليس فقط الكلام المعلن؛ فإن مصر ستكون قادرة على استعادة مكانتها كقوة كروية حقيقية على الساحتين الإفريقية والعالمية.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة