قبل أن تأتى الرياح بما تشتهى السفن، كنت أظن _ وليس كل الظن إثم_ أن حديث الكاتب والروائى الكبير عادل عصمت عن «أديب نوبل» الروائى الراحل نجيب محفوظ، لا يتعدى كونه «شهادة حق» ورغبة فى «مزيد من التبجيل» لكاتب حقق الكثير فى عالم الكتابة، غير أنه، ومنذ اللقاء الأول الذى كُتب لى مع صاحب «نجيب محفوظ»، اكتشفت أن العلاقة التى تجمعهما سويًا أكبر بكثير من تصوراتى، بل أيقنت أنها علاقة يمكن وصفها بـ«أسلوب الحياة» واعتراف كامل من جانب «عصمت» بتفرد «نجيب» وانفراده واستحقاقه مكانته المرقومة التى يحظى بها.
فى كل مرة تكون الأقدار جيدة وتسمح لى بلقاء «عصمت»، يكون «محفوظ» حاضرًا، وفى كل مرة تتكرر «لمعة العين» ذاتها، ويرسم «عادل» الابتسامة المبهجة على وجهه الهادئ، ويبدأ فى الحديث عن «نجيب»، والذى اكتشف مرة تلو الأخرى، أنه غير «نجيب» الذى نعرفه، وهو ما كان دافعًا لى فى إحدى المرات أن أعرض عليه تقديم رؤيته هذه عن «كاتبه المفضل»، غير أنه وبأدب يليق به، يعتذر عن الأمر، مكتفيًا بالإمساك بخيط المحبة الممتد بينه وبين «نجيب»، وهذا يكفى من وجهة نظره!
«عصمت»، لم يعمد مثل كثيرين إلى لقاء «محفوظ»، غير أنه استطاع أن يكون صديقه المقرب و«خليله» فى أحيان عدة، فالقرب لا يكون فقط بالجسد، بل يمكن للروح أن تتماهى مع روح تحبها، وهو ما نجح «عادل» فى إنجازه، ليقدم لنا علاقة من نوع خاص بين «إنسان وإنسان»، وليس فقط بين روائى ونظيره، ولعل متابعة ما يرويه «عصمت» عن «نجيب» تكشف جزءاً من طبيعة وشكل هذه العلاقة، ففى إحدى حواراته الصحفية، يجيب «عادل» عن سؤال حول «لقاء محفوظ»، ويقول: حتى فى هذه أنا أقتدى به. لم أكن أتمنى أن أقابله وسط مجموعته من الكتاب والأصدقاء، أردت أن أجلس معه هو فقط، وعرفت أن هذا مستحيل، بالضبط مثلما كان يتمنى هو مقابلة «العقاد» ولم يفعل. بجانب طبيعتى الشخصية، كان صعبًا على أن أوسّط أحدًا لكى أتعرّف على نجيب محفوظ أو أجلس معه، حدث هذا مع كتاب آخرين، لم أقابلهم، بهاء طاهر مثلًا قرأت له وقابلته مرة واحدة. باختصار كنت أقول: سأكتب وحدى، إذا سارت الأمور بشكل جيد حسنًا، وإذا لم يحدث هذا فسأظل أكتب وحدى.
«عصمت» فى حوار مع الزميل محمدالحسن، المنشور فى صحيفة «المصرى اليوم»، يجب عن سؤال افتراضًا، لو كنت جلست مع نجيب محفوظ فى جلسة خاصة.. ماذا كنت ستقول له؟.. ويقول: كنت سأطرح عليه أفكارى، ولن أطلب منه نصائح، «نجيب» كان مغلقًا على نفسه، سر مهنته كان يخصّه، تحدث بشكل بسيط فى حوار مع جمال الغيطانى عن طريقته فى الكتابة، لكن وقعت له حادثة فى حياته جعلته متحفظًا جدًّا فى الكلام عن الموضوعات التى يعمل عليها وطريقته فى الكتابة، كان يفكر فى كتابة رواية أجيال وقال هذا لأصحابه وهم شباب، فأخذ أحدهم الفكرة وكتبها، من وقتها أصبح كتوماً جدّاً فيما يخص موضوعاته، طبعاً لا أشك أنه كان له أصفياء لا نعرفهم، التاريخ سجَّل الأشياء الظاهرة، لكن هناك هامشًا من حياة محفوظ لا نعرفه.
الإجابة السابقة ليست الواقعة الوحيدة التى تشير إلى ما بين «محفوظ» و«عصمت»، بل كانت هناك إجابة يمكننى وصفها بـ«النموذجية»، والتى تمثلت فى الكلمة التى ألقاها «عادل» فى حفل تسلمه جائزة نجيب محفوظ للرواية، فى العام 2016، والتى ترعاها الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وقد استحقها عن روايته «حكايات يوسف تادرس»، الصادرة عن دار نشر «الكتب خان» فى العام 2015.. والتى جاءت كالتالى:
الحضور الكريم.. كل عام وأنتم بخير.. هذه الكلمة تحكى قصة حوارى الشخصى مع نجيب محفوظ.. فى بدايتها أريد أن أشير إلى أننى تعلمت الكثير من أحاديثه وطريقته فى التفكير والحياة، تقريبًا أكثر مما تعلمت من إنتاجه الفنى، وإن كنت قد تشبعت بأعماله وأجوائها منذ فترات الصبا المبكر.
ويكمل: فى مطلع تسعينيات القرن العشرين عندما أخذت الكتابة مأخذ الجد، ساعدتنى سيرتُه. اعتدت منذ ذلك الوقت أن أتخيلَه وأطرح عليه السؤال الذى يحيرني. كلما وقعت فى مشكلة فنية، أترك ما فى يدى وأمشى فى شوارع طنطا. أستحضر صورتَه وأتخيل طريقتَه فى التفكير وأسألْه: كيف يمكن أن أتعامل مع الأمر؟ فى نهاية الحوار كنت أسمع ضحكتَه الرنانة بعد أن يقول: «لم أعرف فى حياتى غير العمل».
بمرور الوقت أصبحت قادرًا على استحضاره وإجراء حوار طويل معه، وأزعم أننى رأيته يستغرق فى التفكير لحظات ثم يقول: «أتعلم ما الذى جعلنى أستمر ولا أيأس؟ لقد اعتبرت الفن حياة لا مهنة، فحينما تعتبره مهنة لا تستطيع إلا أن تشغل بالك بانتظار الثمرة».
خلقت هذا المشهد عشرات المرات حتى خيل إلى أنه مشهد واقعى؛ جزء من ذكرياتى الشخصية. هذا النص من حديثه هو الأهم بالنسبة لكاتب لم تتوافق طبيعته ولا مزاجه مع أجواء القاهرة ولا العمل فى الصحافة.
حاولت كثيرًا تَمثُّل هذه العبارة لكنى لم أتمكن، فالمرء يريد أن يرى أثر عمله، أن يتعرف على صورتِه. لا بد من مرآة تعكس له لمحة من حقيقته. وإن كانت مرآة الكاتب هى القراء والنقاد، وإن كانت أزمات بلادنا قد أدت إلى تناقص عدد القراء فإن النقد أيضًا قد تراجع وأصبح يُكتب بدافع من ضمير الناقد أو مصلحته. فى هذه الحالة، كيف يمكن لكاتب ناشئ أن يعرف حقيقة ما يكتب؟
حاولت التغلب على المشكلة بهذه الطريقة. قلت لنفسي: ما دمت قد ارتضيت أن تعيش فى مدينة صغيرة وتعمل أمين مكتبة وتبنى بيتًا وتنجب أطفالًا وفى نفس الوقت تريد أن تكتب الروايات، فلا بد أن تبذل جهدًا كبيرًا فى جعل الكتابة مثل التنفس؛ أداة يمكنُك أن تستخدمها مباشرة متى لاح لك الفن. ثم بدأت تمرينًا طويلًا لجعل الكتابة أداة للتأمل والفهم. كتبت ما خطر ببالي: كل مشهد أو حكاية. كتبت أحلامى وأحلام أصدقائي. وأعددت سيناريوهات للحوادث التى تَلفت نظرى فى الجرائد. تم كل هذا بغرض غرس الكتابة فى حياتى، لا بغرض إنتاج أعمال فنية، فقد كنت أعرف منذ البداية أن الفن عسير. كنت أقول لأصدقائى إن واظب المرء على كتابة صفحتين عن البحر لمدة عشرة أيام، بالتأكيد فى اليوم الحادى عشر سوف يرى البحر بطريقة مختلفة. لا أعرف من أين جئت بهذا اليقين.
فى الغالب لا تضيع الجهود. تثمر فى النهاية فهمًا وتقبلًا لإمكانيات المرء وظروفِه، وتنفصل عن غرضها الأول وتصبح نشاطًا مهمًا فى حد ذاته. كلما تعرضت لمشكلة أرسم لها خريطة، وأتابع جذورَها، وتداعياتها؛ مجرد لعبة أخفف بها من أعبائي. كلما لاح انطباع خافت، أسأل: هل يمكن تجسيده فى كلمات؟ كلما لاحت ذكرى، أسحب ورقة وأرى كيف يمكن تتبع مسارها، من لحظة وجودها كحدث واقعى حتى ظهورها الآن فى الذاكرة.
بمرور السنين تراكمت كمية من الأوراق، أتوه فيها ولا أعرف، حتى الآن، كيف يمكننى تنظيمُها أو الاستفادة منها، لكننى لم أعدم فائدة فى بعض الأحيان.
فى يوم شتوى كنت أقف فى المطبخ أنتظر غليان الماء لأعد قهوتي. لاحظت أن الشال المنشور فى شرفة البيت المقابل يتحرك بإيقاع خاص مع حركة الهواء. خيل إلى أن له حضورًا مستقلًا، له طريقته الخاصة فى الحياة. تركت القهوة وكتبت صفحة تشبه قصيدة النثر عن شال تحركه الريح. ظلت تلك الصفحة ما لا أدرى من السنوات بين المسودات، حتى جاء «يوسف تادرس» واستعان بها فى تأملاته حول الفن.
بعد ما يقرب من ربع قرن على تلك البداية أصبحت الكتابة نشاطًا لا غِنى عنه، وبعدما كنت أبذل جهودًا كبيرة للجلوس والعمل، تعاندنى اللغة والخيال، وقعت فى أسر تلك السيدة، التى حاولت بكل السبل إغراءَها أن تبقى برفقتى عدة ساعات. أصبَحَت تزاحمنى حياتى، وتطلب منى أن أترك كل شيء وأتفرغ لها. تريد أن تستبدل نفسها بالحياة. وتتأزم الأمور مرة أخرى، وأدرك أننى أوغلت بعيدًا، وأن الكتابة نشاط من الأنشطة يساعد على الحياة، لا يمكن استبدالها بالحب والمشى والجلوس أمام البحر وزيارة الأهل وقضاء صباح الجمعة فى المقهى. بعد هذه الأزمة استقرت علاقتنا وأصبحت أقل حدة وأهدأ فى توتراتها. أصبحنا مثل الرفاق القدامى، يمكن أن ننفصل أحيانًا، على يقين بأننا لن نفترق أبدًا.

كلما فكرت فى ما حدث معى، بهذه الطريقة التى عرضتها، أشعر أنها كلمات نجيب محفوظ حول الفن كمهنة والفن كحياة، وقد تسللت إلى وجدانى، تَحَوَّرّت حتى تتوافق مع ظروفى ومزاجى وميلى إلى العزلة، أصبحت صديقًا لنجيب محفوظ رغم أننى لم أقابله قط، قَرَّبَته «سيرتُه» من الوجدان وكانت عاملًا مساعدًا فى خلق أطيافه، فهو موظف مصرى مثلى ومثل غيرى، يصيبه الهم عندما يتعطل تليفون شقته فى الإسكندرية، ويبحث بين معارفه عن من يساعده فى إعادة الحرارة إلى الخط. وعندما تنفجر ماسورة المياه الرئيسية فى بيته فى القاهرة، يقضى اليوم متكدرًا، ويرتبك نظامُه الصارم. إنه قريب من القلب، حياتُه تشبه حياتَنا، وملامحُه تشبه ملامحَنا، لكنه امتلك ما عجز عنه الكثير منا: النظام والدقة والصبر.
كل عام فى شهر ميلاده أقرأ عملًا من أعماله. فى عام 2011 أقمت حفلى الخاص بمئويته، استحضرت مشاهد من سيرته وكتبت قصة بعنوان: «رأيت نجيب محفوظ»، وقضيت بقية اليوم برفقة رواية «قشتمر».
والآن شاءت الظروف أن يتجسد حوارى معه فى حدث واقعى، وها هو يتخطى غيابَه ويقوم، مثلما يحدث هنا كل عام، يحيينى ويمنحنى ميداليته التى ستبقى معى، ما تبقى لى من وقت على ظهر الأرض؛ تذكارًا لحواراتنا، وربما بداية لحوارات أخرى.
فى النهاية أتوجه بالشكر لمن اختار روايتى لنيل هذه الجائزة، فقد منحنى لحظةَ بهجة كنت فى أمس الحاجة إليها.. لكم جميعًا جزيل الشكر.
مرت السنوات، ولم يزل حتى وقتنا الحالى تلمع عين «عصمت» فى كل مرة تأتى فيها «سيرة نجيب»، ليتحدث عن إعجابه بـ«إبداع الموظف» وإخلاصه للكتابة، ويشير _ ولو بشيء من الخجل _ إلى أنه نادم بعض الشيء على عدم جرأته للقاء «محفوظ»، ويقدم النصيحة للشباب بعدم اقتراف «خطيئة الخجل» والسعى للقاء «إنسانه المفضل»، وكذا لم تنقطع يومًا أحاديثه عن تفرد «نجيب» ليس فى «صنعة الكتابة» فقط بل وفى «مسيرة الحياة» عمومًا.