رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

السر فى الحارة المصرية.. عالمية نجيب محفوظ


30-1-2026 | 13:20

.

طباعة
بقلم: د. مصطفى الضبع

بعد قرابة 40 عاما من نوبل، هل كانت الجائزة السبب الوحيد أو السبب الأبرز لعالمية نجيب محفوظ؟ ، والسؤال بصيغة أخرى: هل أدب نجيب محفوظ عالمى حتى لو لم يحصل على نوبل؟

من الممكن أن تكون الإجابة دون تردد: نعم، ولكن يظل الذهن فى حاجة إلى تأكيد وخاصة ممن لم يقرأ نجيب محفوظ أو قرأه دون تركيز، أو لم يحط بعالمه كاملا أو اكتفى بمستوى الحكاية، دون التعمق لمستوى الفن وجماليات السرد.

 

 

العالمية ليست جائزة تمنح الكاتب لافتة يرفعها على منجزه، وليست جواز مرور فى حد ذاتها وإنما هناك عوامل عدة إن تحققت فى نتاج كاتب أصبحت هى ذاتها جواز مروره للعالمية، ولن يكون الكاتب عالميا ما لم تتوفر لأدبه تلك العوامل.

العالمية عوامل فنية تحقق نفسها فى إنتاج كاتب ما ربما لا يقصدها بقدر ما تحقق نفسها بصورة عفوية، تطرحها موهبته بوصفها قانونا للكتابة، ومبادئ للإنجاز ترقى به لأن يدخل دائرة العالمية من حيث هى نظام للكتابة.

العالمية مستوى إنسانى، والأدب العالمى ذلك الأدب الذى يرتقى إلى مستوى الإنسانية فى موضوعاته وفنه، دون أن يتخلى عن بعديه القومى أو المحلى، وكما طرح الفيلسوف الألمانى جوته متوقعا أن آداب الأمم سوف تلتقى ذات يوم فيما أسماه الأدب العالمى، ذلك اللقاء الإنسانى الأصيل.

وهو ما يعنى أن وصول الكاتب للعالمية ليس شرطا أن يقترن بحصوله على جائزة عالمية، نعم الجائزة جواز مرور ولكنه ليس الجواز الوحيد، فما كان للكاتب أن يحصل على جائزة عالمية ما لم تترجم أعماله، وما كانت أعماله لتترجم دون استحقاقها ذلك، إذن نحن إزاء ثلاث مراحل أساسية تكون بمثابة ثلاثة جوازات مرور، أولها وثانيها أساسيان وثالثها فرعى أو احتمالى قد يتحقق وقد لا يتحقق:

الأول: أعمال أصيلة جديرة بالقراءة مما يجعلها تستحق الترجمة.

الثاني: ترجمة لأعمال تجد قبولا بدرجة ما فى الساحة العالمية.

الثالث: جائزة قد تتوج الأعمال (المترجم منها)، والجائزة يتنافس عليها مئات ويفوز بها واحد، مما يعنى أن الفرصة فيها ضيقة جدا خلافا لفرص الترجمة.

والعامل الثانى مرتبط بالآخرين، فى حين أن العامل الأول ذاتى بحت يرتبط بمشروع الكاتب، وبقدرته على إنجاز مشروعه بعناية والاشتغال على نفسه طوال سنوات اشتغالا جادا يكون كفيلا بتقديمه منجزه الفريد أو أعماله المتفردة.

والحال هكذا فإن من الظلم أن نرى عالمية نجيب محفوظ مكتفين بالعامل الثالث، كأننا نصر على رؤية جناح واحد لطائر يحلق فى الفضاء، دون إدراك العاملين الأول والثانى عامة والأول منهما خاصة، وهنا تأتى الرؤية النقدية فهى القادرة وحدها دون غيرها على مكاشفة مساحات العالمية فى أدب الكاتب وذلك وفق مناهج قادرة على الكشف أو لنقل وفق رؤى نقدية منهجية أصيلة قادرة على مقاربة المنجز الأصيل.

فى «حكايات حارتنا» على سبيل المثال تتسع دائرة المكان متحركة عبر دوائر محددة أو أحياز بعينها: الدائرة الأضيق (البيت) أولا ثم الدائرة الأوسع (الحارة) وصولا للدائرة الأكثر اتساعا (الكون)، إنها سلسلة من الدوائر المتماسكة حد التداخل وظفها محفوظ لتقديم رؤيته الجمالية أولا وقبل كل شيء.

والحركة السردية هنا تمنح متلقيها مساحات حركة ديناميكية تجعله يرى نفسه من خلال الحركة فى الأحياز المتداخلة برفقة سارد واعٍ بما يفعل وملتقطا ما من شأنه أن يعبر عن إنسان المكان (إنسان الحارة المصرية) بوصفه نموذجا مصغرا من إنسان العالم أو الإنسان المتحرك فى العالم.

لقد حول نجيب محفوظ الحارة المصرية إلى استديو للتصوير السينمائى، تتغير المعالم، وتتغير الشخصيات، ولكن الاستديو لا يتغير، ولم يخرج عن هذا الاستديو إلا فى أعمال قليلة لم تبتعد عن روح الحارة (مثل الخروج عن الحارة فى «ثرثرة فوق النيل» والخروج عن القاهرة كلها فى «ميرامار»)

فى دراسة سابقة لى عن «حكايات حارتنا»، رصدت تكرارات الحارة على مستوى العلامة اللغوية، فكانت مفردة الحارة قد تكررت مائة وأربعة وستين مرة (164) موزعة وفق ستة أنماط على النحو التالي:

مضافة لضمير المتكلمين (حارتنا) (94 مرة).

معرفة بأل (الحارة) (64 مرة).

بصيغة الجمع (الحارات – الحواري) (خمس مرات).

مضافة لضمير الغائب (مرة واحدة).

وهو ما يعنى كونها شريكا لغويا، ومفردة داخلة فى نسيج اللغة صانعة الأسلوب ومنتجة المعنى تأكيدا لوجودها وتحقيقا له.

لقد منح محفوظ الحارة القدرة على حفظ التراث الإنسانى، وقد جاءت أعماله بكاملها متكنزة بالإنسان وقيمه وتاريخه وآثاره، وهو ما يتجلى منذ أعماله الأولى المكونة للمرحلة الأولى من أعماله (التاريخية)، حين ندرك أن التاريخ صناعة إنسانية وإن بدا عملية تبادل للتأثير بين الإنسان بوصفه صانعا الحدث والإنسان بوصفه متأثرا بالحدث.

التاريخ عند محفوظ هو تاريخ الإنسان من حيث هو قيمة، تمنح المكان والعصر والوجود نصيبها من القيم (وهل خلقت الأرض إلا للإنسان وهل كان للإنسان أن يعمرها عبر هذا التاريخ إلا بقيمه التى توقف حروب الإبادة، وتحافظ على الحياة بصور مختلفة من المحافظة؟)

إن اكتشاف قيمة الحارة وكيف صنعت عالمية الكاتب يتطلب قراءة مختلفة لنجيب محفوظ، قراءة تكشف عن كوننا لم نقرأه قراءة منهجية أصيلة وخاصة وفق المناهج النقدية النصية، فكثير من الدراسات جاءت موضوعية تقارب القضايا رابطة النصوص بسياقات اجتماعية وتاريخية وغيرها، دون أن تكشف المساحات الفنية والجمالية فى الأعمال.

فهناك مناهج لم يعتمدها كثير من الباحثين لدراسة نجيب محفوظ: المنهج السيميائى حيث الوقوف على العلامات شديدة الاشتغال فى مدونته السردية، وحتى الدراسات الثقافية جاءت ناقصة لخلل فى فهم نظرية الأنساق، حيث الدراسات الثقافية تكتفى بالوقوف عند اكتشاف النسق دون استكمال الدائرة، دائرة الكشف عن جماليات النسق فوجود النسق أى نسق فى أى نص، ما كان له أن يوجد ما لم يحقق جمالا فنيا فليس من المنطقى أن نقف عند النسق دون الكشف عن وظيفته الجمالية.

إن اكتشاف وجوه الحارة المصرية فى أعمال نجيب محفوظ، هو اكتشاف الإنسان مما يجعلنا نحاول أن نكتشف إنسانية الحارة قبل اكتشافها مجرد مكان أو مجرد حيز يتحرك فيه البشر، لقد خلق محفوظ للمكان وجهه الإنسانى، وهو ما حفظ له مكانه فى فلك العالمية عبر حرصه على المشاركة فى سياق إنسانى وضعه فى هذا الفلك بامتياز.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة