رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الـ«مايكرو دراما».. فن «ضغط الزمن»


19-1-2026 | 12:03

.

طباعة
تقرير: سما الشافعى

على مدار سنوات طويلة، ارتبطت الدراما المصرية بالحكاية الممتدة، والحلقة الطويلة، والموسم الرمضانى الذى تتحوّل فيه البيوت إلى قاعات مشاهدة جماعية، غير أن هذا المشهد بدأ يتغيّر تدريجيًا مع تحوّلات عميقة فى أنماط الاستهلاك الإعلامى، فرضها الهاتف المحمول، ومنصات الفيديو السريع، وتراجع الصبر الجماهيرى على السرد البطيء، ووسط هذا التحوّل، ظهر مسلسل «غرفة التحقيق» باعتباره أول عمل مصرى يُقدَّم بصيغة الـ«مايكرو دراما»، ليكسر واحدة من أكثر القواعد رسوخًا فى صناعة الدراما، طول الحلقة، حيث لم يكن العمل مجرد تجربة فنية جديدة، بل إعلان صريح عن دخول الدراما المصرية مرحلة اختبار حقيقى مع الزمن الرقمى.

كشف المخرج محمد الأنصارى، كواليس ولادة مسلسل «1:45»، موضحًا أن فكرة العمل تعود إلى نحو عامين، حين صادف مشاهدة أحد مسلسلات المايكرو دراما الصينية على إحدى المنصات الرقمية، وهو ما لفت انتباهه إلى الإيقاع السريع وقصر مدة الحلقات، وقدرتها على جذب المشاهد منذ اللحظة الأولى.

وأوضح «الأنصارى» فى تصريحات خاصة لـ«المصوّر» أن هذا الشكل الدرامى دفعه للتساؤل حول إمكانية تقديم تجربة مماثلة فى مصر، ولكن بروح محلية ورسالة إنسانية، قائلًا إن «الفكرة لم تكن مجرد تقليد لشكل جديد، بل محاولة لاستغلاله فى طرح قضايا حقيقية ومهمة، وفى مقدمتها الدمج الفعلى لذوى الهمم فى الدراما، بعيدًا عن المعالجة الشكلية أو النمطية».

وأشار المخرج إلى أن «1:45» لا يُعد عملًا منفصلًا، بل هو باكورة مشروع متكامل يحمل اسم «من الأرشيف»، وهو مشروع يعتمد على تقديم سلسلة من مسلسلات المايكرو دراما، لكل منها قصة مستقلة، لكنها تتقاطع جميعًا فى تناول قضايا إنسانية ومجتمعية، وبطولة أبطال من ذوى الهمم فى أدوار محورية ومؤثرة.

مايكرو دراما لا مسلسلات قصيرة

وتحدث «الأنصارى» عن الفارق بين المايكرو دراما والمسلسلات القصيرة المنتشرة على المنصات الرقمية، موضحًا أن المسلسلات القصيرة تتراوح عادة بين 10 و15 حلقة، وتتراوح مدة الحلقة من 10 إلى 20 دقيقة، بينما تعتمد المايكرو دراما على حلقات شديدة القِصر، لا تتجاوز الدقيقة إلى دقيقتين ونصف الدقيقة، مع تكثيف درامى وسرعة إيقاع، ونهايات مشوّقة تدفع المشاهد لانتظار الحلقة التالية.

وأكد أن هذا الشكل الدرامى يتناسب بشكل كبير مع طبيعة المشاهدة الحديثة عبر الهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعى، حيث تصل الفكرة بسرعة ووضوح دون إطالة.

مسلسل «1:45» هو البداية

كما كشف «الأنصارى» أسباب اختياره لمسلسل «1:45» ليكون أول أعمال مشروع «من الأرشيف»، لكونه عملًا تشويقيًا قائمًا على الغموض والتحقيق، وهو ما يتلاءم مع طبيعة المايكرو دراما التى تعتمد على شد الانتباه منذ اللحظة الأولى، مشيرا إلى أن أحداث المسلسل تدور حول جريمة قتل، تتكشف خيوطها تدريجيًا، ليكتشف المشاهد أن بعض الشخصيات التى اعتاد المجتمع تهميشها، هى فى الحقيقة مفاتيح أساسية للوصول إلى الحقيقة.

وأكد المخرج أن أدوار أبطال العمل من ذوى الهمم جاءت أدوارًا جوهرية ومؤثرة فى مسار الأحداث، وليست قائمة على التعاطف أو المجاملة، ولكنها تحمل رسالة إنسانية وتغييراً للصورة النمطية، وأن الرسالة الأساسية لمسلسل «1:45» تتمثل فى تقديم نموذج حقيقى لدمج ذوى الهمم فى الدراما، والعمل على تغيير الصورة النمطية السائدة عنهم، والتأكيد على قدرتهم على أن يكونوا عناصر فاعلة وذكية داخل البناء الدرامى، بالتوازى مع مواكبة التطور العالمى فى أشكال السرد الدرامى.

وأشار إلى أن الفن، من وجهة نظره، لا يقتصر على الترفيه فقط، بل يمثل أداة مؤثرة لتغيير الوعى وإعادة تشكيل النظرة المجتمعية. إن المسلسل يتكون من مجموعة حلقات قصيرة للغاية، تتراوح مدة الحلقة الواحدة بين دقيقة ودقيقتين ونصف الدقيقة تقريبًا، ويجرى حاليًا التحضير لعرضه عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعى.

ولفت «الأنصارى» إلى أن بطولة مسلسل «1:45» يشارك فيها الفنان حمزة العيلى، إلى جانب مجموعة من الوجوه الجديدة، إضافة إلى أبطال من ذوى الهمم فى أدوار مؤثرة داخل السياق الدرامى، كما يشارك الفنان آدم وهدان كضيف شرف، دعمًا للتجربة وإيمانًا برسالتها الإنسانية والفنية، مؤكدا أن «1:45» يمثل بداية مشروع فنى أكبر، يسعى من خلاله إلى تقديم سلسلة من أعمال المايكرو دراما التى تناقش قضايا مختلفة، بطرح بسيط وقريب من الناس، وبمشاركة حقيقية لذوى الهمم، وأن هذا المسلسل لا يمثل مجرد تجربة درامية جديدة، بل خطوة أولى فى طريق طويل، يهدف إلى تأكيد أن ذوى الهمم ليسوا جزءًا هامشيًا من المجتمع، بل شركاء حقيقيون فى الحلم والنجاح.

بدوره، قال الناقد الفنى، محمد عبدالرحمن: المايكرو دراما هى صيغة درامية تعتمد على حلقات قصيرة جدًا، تتراوح مدتها بين دقيقة وخمس دقائق، وتُنتج خصيصًا للعرض على الهواتف المحمولة، وهذا الشكل لا يراهن على التراكم البطيء، بل على الضربة السريعة، والنهاية المفاجئة، والإيقاع المتلاحق، وانتشرت المايكرو دراما عالميًا مع صعود منصات الفيديو القصير، وحققت نجاحًا لافتًا فى دول مثل الصين، حيث تحوّلت إلى صناعة قائمة بذاتها، قبل أن تنتقل إلى أسواق أخرى.

«عبدالرحمن» أضاف: مع تغيّر عادات المشاهدة فى مصر، بدا ظهور هذا الشكل مسألة وقت، لا مفاجأة، وأن توقيت ظهور أول مسلسل مايكرو دراما مصرى يرتبط بعدة عوامل متداخلة، أبرزها، هيمنة الهاتف المحمول على وقت المشاهدة اليومى، وتراجع اهتمام فئة الشباب بالمسلسلات الطويلة، وارتفاع تكلفة الإنتاج التقليدى مقابل عوائد غير مضمونة، ونجاح المحتوى القصير على منصات التواصل الاجتماعى.

كما أشار إلى أن اختيار «غرفة التحقيق» لم يكن اختيار عمل بوليسى تشويقى ليكون أول تجربة مايكرو دراما فى مصر أمرًا عشوائيًا، حيث إن الدراما البوليسية تعتمد بطبيعتها على التوتر، والأسئلة المتلاحقة، واللحظات الحاسمة، وهى عناصر تتناسب مع زمن الحلقة القصير، حيث تدور أحداث العمل داخل إطار مكانى محدود، ما أتاح تكثيف الصراع بدل تشتيته، وتحويل قِصر الزمن من عبء إلى عنصر قوة، يُبقى المشاهد فى حالة ترقّب دائم.

من جهته، أكد الفنان عمر السعيد، أن التجربة مثلت خروجًا واضحًا عن النمط المعتاد فى الدراما التليفزيونية، حيث أوضح أن قِصر زمن الحلقة لا يمنح الممثل أى هامش للمراوغة أو التمهيد، بل يضعه مباشرة فى قلب الصراع، وأن الأداء فى المايكرو دراما يتطلب قدرة عالية على التركيز، لأن المشاهد لا يمنح العمل فرصة ثانية للحكم، وأن هذا الشكل يتماشى مع طبيعة الجمهور الحالى، الذى يفضّل المحتوى المكثف والسريع، لكنه فى الوقت ذاته أكثر قسوة فى التقييم، وأن الدقيقة الواحدة قد تكون أحيانًا أصعب من مشهد طويل، لأنها تختبر صدق الأداء من اللحظة الأولى.