رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

حرب «ترامب – خامنئى».. طهران تحاول تصدير النار والدم إلى دول الجوار العربى


5-3-2026 | 14:58

.

طباعة
بقلـم: حلمى النمنم

صباح السبت الماضى وقع الانفجار الكبير فى المنطقة، حيث شنت الطائرات الإسرائيلية العديد من الغارات على العاصمة الإيرانية طهران وعدد من المدن الأخرى، وبعد ساعتين من الهجوم ردت إيران بإطلاق الصواريخ تجاه القدس، المدينة العربية الإسلامية التى ترزح تحت الاحتلال الإسرائيلى، ثم قامت كذلك بعديد من الغارات على البلدان العربية المجاورة، حيث تتواجد قوات أمريكية.

 
 

هاجمت إيران كلاً من الكويت وقطر والبحرين والإمارات العربية، وفى عصر اليوم نفسه هاجمت شرق المملكة العربية السعودية، كما تعرضت المملكة الأردنية لبعض الهجمات، يبدو أنها كانت صواريخ ومسيّرات متجهة إلى إسرائيل، لكنها أصابت الأردن، كما سقط صاروخ إيرانى فى محافظة السويداء السورية، وفجر الأحد هاجمت سلطنة عمان، وهكذا انتقلت النيران، مع بداية الهجمات إلى دول الجوار جميعها.

لم يكن الهجوم الإسرائيلى – الأمريكى على إيران مفاجئًا لأحد، كان الكل على يقين من أنه سوف يقع، وكانت المؤشرات تدرك التوقيت تقريبا، خاصة بعد اكتمال الاستعدادات والحشود العسكرية الأمريكية فى المنطقة؛ حاملة طائرات وقوات برية كثيفة، لا يصبح واردًا بعدها سوى ساعة الصفر وبدء الهجوم.

كان هناك مَن يراهن على المفاوضات التى رعتها سلطنة عمان وعدد من دول المنطقة فى أن تحلحل الأزمات وتهدئ الأمور بين إيران وإدارة ترامب، لكن من وقائع التاريخ، تعرف أن هكذا مفاوضات تكون عادة نوعًا من تهيئة الأجواء لشنّ حرب، حدث ذلك عدة مرات فى سنة 1967، وافقت مصر والولايات المتحدة على البدء فى مفاوضات، وتحدد موعد يقوم فيه نائب رئيس الجمهورية آنذاك زكريا محيى الدين لزيارة رسمية إلى واشنطن، يلتقى خلالها الرئيس الأمريكى، وقررت مصر السير بجدية فى المسار الدبلوماسى، أعلنت مصر أنها لن تبدأ بالهجوم لتهيئة أجواء التفاوض، كان مقررا أن يسافر نائب الرئيس يوم الخامس من يونيو سنة 1967، وقبل سفره بساعات شنت إسرائيل هجومها على مصر وسوريا.

وفى سنة 1991، ذهب طارق عزيز، المسئول العراقى الكبير، الذى كان نائبًا لرئيس الوزراء ليفاوض جيمس بيكر، وزير الخارجية الأمريكى، وتبين فيما بعد أنها كانت خطوة إجرائية، قبل أن يبدأ الهجوم لتحرير الكويت، لذا يبدو تصريح وزير الخارجية الإيرانى مساء السبت حول أنهم لا يفهمون لماذا تهاجمهم الولايات المتحدة، غريبًا بعض الشيء.

فى أقل من عام، تتعرض إيران لهجومين، الأول استمر لمدة 12 يومًا فى شهر يونيو الماضى، وبعد ثمانية أشهر بالضبط تتعرض لهجوم جديد، الهجوم الأول بدأ إسرائيليًا، وتدخلت الطائرات الأمريكية قبل 48 ساعة من انتهاء الحرب، لتضع نهاية حاسمة لها.. كان هدف ذلك الهجوم هو تدمير المشروع النووى الإيرانى بضرب المفاعلات واغتيال عدد من العلماء والقادة العسكريين.. كان أخطر ما كشفه الهجوم هو الانكشاف الإيرانى الواسع أمام المخابرات الإسرائيلية وكذا الأمريكية، حتى إن إسرائيل أنشأت قاعدة للمسيّرات الهجومية فى الصحراء الإيرانية، قبل شهور من الهجوم ولم يتم اكتشافها.

الهجوم هذه المرة مختلف، ليس إسرائيليا فقط، بل أمريكى وإسرائيلى، افتتحه الرئيس دونالد ترامب ببيان إلى الأمة، استغرق أكثر من ثمانى دقائق، تحدث عن أهداف الهجوم، وهى مختلفة هذه المرة.

الهدف هو تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية، لكن الأخطر من ذلك هو السعى إلى إسقاط النظام، وحث الرئيس الأمريكى الشعب الإيرانى على أن يثور ضدّ ذلك النظام لإسقاطه وتمنحهم الحرية، ثم دعوة الرئيس ترامب إلى رجال الأمن والجيش الإيرانى، تحديدًا الحرس الثورى، القوة الضاربة، بأن يستسلموا، مقابل أن يمنحهم الحصانة والأمان.

فى المرة الأولى يونيو 2025، لم يكن ذلك مطروحا بهذا الوضوح، مجرد أن انتهت العمليات العسكرية، حاول ترامب فتح صفحة جديدة مع مرشد الثورة على خامنئى، لكن كما هو واضح، لم يستجِب المرشد الأعلى خامنئى وأخيرا دخلوا فى جلسات تفاوض، وقد برعت إيران فى التفاوض مع الإدارات الأمريكية السابقة، ثمانى إدارات فى أن تكسب وقتا، وتحصل على بعض الميزات وتقبل ببعض العقوبات، فضلا عن أنه حدث تعاون بينهما سنة 2003، فى عملية إسقاط صدام حسين واحتلال العراق، لعبت إيران دورًا كبيرًا فى ذلك الوقت، ونالت العديد من المكاسب؛ إذ مدت أذرعها إلى عمق العراق ومنها إلى دول أخرى مثل سوريا ولبنان.. حتى إن مسئولاً إيرانيًا أعلن سنة 2017 أن إيران باتت تحكم أربع عواصم عربية، والحق أنها كانت تتحكم فيها فعليا.

وطوال الأسابيع الماضية، راح الرئيس ترامب على طريقته يوجه رسائل إلى إيران، قبل الهجوم، مثل الحشد العسكرى الضخم، هذا الحشد لا يمكن أن يكون للتهويش فقط ولا استعراض قوة، تحريك قوات ومعدات على هذا النحو مكلف جدا، على الصعيدين السياسى والاقتصادى، ناهيك عن العسكرى ولا بد أن تحقق أهدافها سلمًا أو حربًا، لكن إيران أصدرت فى المقابل خطابًا تصعيديًا، ثم راح ترامب يتحدث بوضوح عن أنه هو مَن أتى بـ«الشرع» رئيسًا لسوريا، فى رسالة مبطنة إلى إيران أنه يمكن أن يكرر ما جرى بسوريا فى موقع آخر، وهناك ما جرى فى فنزويلا مع «مادورو» فى بداية هذا العام، فى سوريا ثم إسقاط النظام كله، وفى فنزويلا تمت إزاحة الرئيس والإبقاء على النظام، وفيما يبدو أن ثمة ترتيبات سرية تمت فى ذلك، المهم أن إيران قررت الذهاب إلى المفاوضات وكالعادة تطيل الأمر إلى أن تنتهى مدة الرئيس، لكن ترامب مختلف لا يحب المفاوضات طويلة الأمد.

وفى تقريرهم المرفوع إلى الرئيس ترامب، لاحظ المفاوضون الأمريكيون أن إيران تريد كسب الوقت فقط، وأنهم غير جادين فى التفاوض، فضلًا عن أنهم رفضوا التفاوض حول أمرين، تراهما الإدارة الأمريكية فى غاية الأهمية، الأول يتعلق ببرنامج الصواريخ الباليستية، والثانى حول أذرعها فى دول المنطقة، فقط تفاوضوا على المشروع النووى، وقد تشددوا فى مطلبهم بخصوص هذا المشروع، وهكذا بات الطريق مفتوحًا نحو ساعة الصفر، وكانت البداية بضرب المجمع الرئاسى، حيث كان المرشد الأعلى يجتمع مع عدد من كبار القادة، وأُصيب معظمهم.

المشكلة أن إيران اعتبرت الدول العربية المجاورة هى العدو، ثم راحت تهاجمها، بدعوى أن هناك تواجدا عسكريا أمريكيا بها، لكن الهجمات كانت باتجاه منشآت مدنية ومواطنين عرب، كما جرى فى مطار الكويت الدولى، وفى دبى وغيرهما.

هذه الهجمات تضعنا أمام مشكلة النظام الإيرانى، ليس فقط أنه لم يحترم القانون الدولى واعتدى على سيادة دول مجاورة، لكنه يريد من هذه الدول أن تدور فى فلكه، وتصبح أذرعًا له، لدى إيران مشكلة مع الإدارة الأمريكية، ومن ثم يتوقع من تلك الدول أن تتخذ نفس الموقف على الأقل، لا تكون لها علاقات بتلك الإدارة، فضلا عن التدخل فى شأن كل دولة وعلاقاتها.

قبل بدء الهجمات أعلنت كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والكويت، أنها لن تقبل باستغلال أراضيها أو أجوائها للعدوان على إيران، والهجمة القوية على إيران نفذتها طائرات تابعة لسلاح الجو الإسرائيلى، باختصار لم تعتدِ دولة عربية واحدة على إيران.

من جانب آخر، فى إجراء احترازى أخلت الولايات المتحدة قواعدها من العسكريين والإداريين قبل بدء العمليات، وطالبت رعاياها بالمغادرة، وخفضت مستوى العاملين بالسفارات والقنصليات.

المشكلة فى إيران داخلية فى المقام الأول، حجم الاختراق المخابراتى الإسرائيلى للداخل الإيرانى لا يكشف قوة جهاز المخابرات الإسرائيلى بقدر هشاشة الوضع الداخلى، حتى إن أدق الاجتماعات التى يعقدها كبار المسئولين، بمَن فيهم رئيس الجمهورية ووزير الدفاع وسائر القادة، تكون معلومة لدى إسرائيل ومنقولة بالصوت والصورة، يعرفون مكان الاجتماع وتوقيت انعقاده وعدد الحاضرين وأسماءهم جميعا، بدقة تامة، هذا يعنى أن المخابرات الإسرائيلية تقيم هناك وتتحرك بحرية تامة، وضح ذلك جليا فى حرب يونيو الماضى، حتى إن الرئيس ترامب أعلن أكثر من مرة «كنا نعرف مكان إقامة على خامنئى، ولم نشأ أن نضربه».. كان الأمر يتجاوز الغمز واللمز إلى حد التصريح بأن كل شيء مكشوف لهم وأمامهم، حتى مكان الإقامة السرى للمرشد الأعلى، والدليل أنهم هاجموه وهو خارج ذلك المقر؛ إذ إنهم يعرفون ويرون كل شيء؛ حجم الانكشاف مريع.

المشكلة إذن ليست فى دول الجوار وفى علاقاتها بالولايات المتحدة، ذلك أن من حق كل دولة أن تختار حلفاءها دون وصاية من أحد.

الرئيس عبدالفتاح السيسى بادر بالاتصال بالدول الشقيقة، ولى العهد السعودى، أمير قطر، وأمير الكويت، ملك البحرين ورئيس دولة الإمارات، وملك الأردن، مؤكدا تضامن مصر مع الدول الشقيقة، وأن أى مساس بأمن كل دولة هو مساس فى الوقت نفسه بالأمن القومى العربى كله، مؤكدا على رفض مصر المساس بسيادة الدول الشقيقة، وأن الخيار العسكرى لن يحسم شيئا، وأن الحل السياسى والجلوس إلى مائدة الحوار هو الحل الأنسب.

دعوة الرئيس السيسى تأتى فى وقتها تماما، بغضّ النظر عن الأهداف المعلنة لكل طرف والهجمات التصعيدية، فإن الضحايا فى كل مكان من المدنيين الأبرياء، فى إحدى المدن الإيرانية تم قصف مدرسة وطبقا للمصادر الإيرانية تجاوز عدد الضحايا 85 تلميذة، فضلا عن الجرحى وفى أبوظبى ودبى والكويت والدوحة سقط مواطنون ضحايا، أبرياء ولم يشاركوا فى حرب ولا كانوا من دعاتها، فضلا عن ارتباك حياة المواطنين فى كل دول المنطقة، إنسانيا واقتصاديا واجتماعيا.

الهدف الأمريكى المعلن أن يذهب النظام الحالى فى إيران ويأتى بدلا منه نظام آخر يفتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة.. وأن يطالب الرئيس ترامب بذلك فهذا يعنى أن هناك بديلاً يتم تجهيزه أو جُهز بالفعل، هل يكون البديل من داخل النظام كما تردد الأسبوع الماضى، عبر الرئيس السابق حسن روحانى ومحمد جواد ظريف وزير الخارجية السابق وهما من الإصلاحيين داخل النظام ومن أنصار التحاور مع الولايات المتحدة وعدم التصعيد أو الاشتباك معها، أم هل يكون نجل الشاه الراحل رضا بهلوى، الذى أعلن أنه سوف يعيد علاقات بلاده مع إسرائيل ويعتبر الولايات المتحدة حليفا له؟

ما بين اختيار جناح إصلاحى من داخل النظام، يكون مستعدا لتلبية الشروط الأمريكية أو يتم الدفع بنجل الشاه، خاصة بعد أن تبين وجود أنصار له فى الداخل، والواضح أن الأسابيع الأخيرة شهدت هتافات باسمه واسم والده، سبحان مغير الأحوال!.

أيًا كان الأمر، فإن طول أمد الحرب مؤلم ومكلف، الضحايا فى كل مكان من المدنيين، الحياة الاقتصادية سوف تتعطل، حياة الناس سوف تُمس.. وهذا ما لا يحتمله أحد، لذا فإن الولايات المتحدة قد تكثف الغارات وتعجل بالنهاية.

الولايات المتحدة وإسرائيل حددتا الهدف من العمليات، وأعلنه الرئيس ترامب بوضوح، إيران من جانبها تريد توسيع مساحة النار تضرب فى كل مكان يمكنها أن تصل إليه، بغض النظر عما إذا كان طرفا فى العمليات أم لا.. خاصة دول الجوار العربى، والهدف البعيد أن يضج المواطنون ويهبوا لإحداث حالة من الفوضى، على طريقة «علىّ وعلى أعدائى».

فى الأخير كما ذكر الرئيس السيسى، لا بد من الجلوس إلى مائدة الحوار والتفاوض. أما الحرب، فإن كلّ الأطراف سوف تخسر، الحروب ليست نزهة ولا هى فسحة، الحروب قتل ودم ودمار.

أخبار الساعة