تتتابع الأحداث، وتتواصل الشواهد، وتتلاحق الحقائق التى تؤكد بامتياز، وتكشف بجلاء أن الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى صاحبة رؤية ثاقبة وبصيرة نافذة، فهى ترى ما لا يراه الآخرون بحكمة، وتتحسب لتطورات الأوضاع بعقلانية، وتستبق المخاطر باتزان استراتيجى، وتستعد لكل السيناريوهات بأعصاب هادئة وثقة بالنفس، وتحفظ الأمن القومى المصرى على كافة الجبهات بالقوة الرشيدة، فلا حسابات خاطئة، ولا قرارات عشوائية، ودائمًا حسن تقدير الموقف حاضر، والدقة فى التدبير جاهزة، مع القدرة على مواكبة المستجدات، وترويض التحديات، وهذا جعل القاهرة قادرة بكفاءة واقتدار على فرض خطوطها الحمراء فى أى زمان ومكان، شاء مَن شاء وأبى مَن أبى، وبهذه الهمة العالية حاولت عدة مرات تحصين الأمن القومى العربى من خلال إنشاء قوة عربية مشتركة تردع المهددات كافة،
ومن المؤكد أن المعادلة كانت ستتغير كثيرًا لو استجابت عواصم العروبة للدعوة المصرية منذ أكثر من 10 أعوام، وما أصعبها من سنوات موحشة للأمن القومى العربى!، وهذه أهم دروس حرب إيران وما قبلها.
ولإنعاش الذاكرة العربية، نعود للوراء إلى نداء الرئيس السيسى فى القمة العربية السادسة والعشرين بشرم الشيخ خلال 2015، ففى أثناء كلمته بافتتاح أعمال هذه القمة، دعا الرئيس إلى ضرورة تشكيل قوة عربية تتصدى للتهديدات التى تواجه المنطقة، وتصون أمن الأمة العربية من جميع التحديات، وبالطبع فى هذا التوقيت كان الخطر الداهم –وما زال قائمًا فى عدة بلدان شقيقة- هو التنظيمات الإرهابية فى اليمن وسوريا وليبيا والعراق، وبلا جدال مسيرة هذه الدول نحو مغادرة مأزق الصراعات، واستعادة الاستقرار المفقود، كانت ستحدث فى حال خروج هذه القوة العربية للنور، وتولى مسئولية حماية الأمن العربى بلغة الأفعال، وبوضع الاستراتيجيات الواضحة، وصياغة الخطط اللازمة، لأن تلك القوة المشتركة كفيلة بالتصدى للميليشيات المسلحة، وشغل الفراغ الأمنى مما يقطع الطريق أمام استغلال بعض القوى الخارجية واللاعبين الإقليميين والدوليين لأزمات العواصم العربية، والتدخل فى شئونها لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية أو عسكرية مع تغذية أسباب الخلافات الداخلية لمواصلة جنى الغنائم وحصد المنافع على حساب الشعوب كما هو الحال، والأمر لا يحتاج إلى دليل أو برهان فهو ظاهر كوضح النهار لا لبس فيه، كما أن وجود هذه القوة سيفتح أبواب عودة الحياة لطبيعتها من خلال جلوس كل الأطراف المتنازعة على مائدة الحوار وتغليب الحلول السلمية بدلا من الاستقواء بالخارج، لأنه يهدم ولا يبنى، ويدمر ولا يعمر، والعينة بينة على مدى سنوات متتابعة فى دول عربية عديدة.
ولتوضيح الصورة أكثر، يمكن نظرة سريعة على نص البروتوكول الخاص بتدشين القوة العربية المشتركة نحو 11 عاماً، والنتائج المرجوة تفوق أية توقعات بلا تنظير أو تأطير، لكن غياب البصيرة لدى البعض، والنظر إلى المصالح الضيقة لدى آخرين من القادة العرب؛ أفسد الحلم العربى المنتظر فى الوصول لاتفاقية الدفاع العربى المشترك منذ نحو 76 عاما، فهذا البروتوكول المؤجل أكد أن تنشأ بموجبه قوة عربية عسكرية مشتركة للتدخل السريع، تشارك فيها الدول الأطراف اختياريا، وهدفها مواجهة التهديدات والتحديات بما فى ذلك التنظيمات الإرهابية، والتى تمسّ أمن واستقرار وسلامة أى من هذه الدول، وتشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومى العربى، وتضطلع بمهام المشاركة فى عمليات حفظ السلم والأمن فى الدول الأطراف، سواء لمنع نشوب النزاعات المسلحة أو لتثبيت سريان وقف إطلاق النار واتفاقيات السلام أو لمساعدة هذه الدول على استعادة وبناء وتجهيز قدراتها العسكرية والأمنية، والمشاركة فى تأمين عمليات الإغاثة والمساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين فى حالات الطوارئ الناجمة عن اندلاع نزاعات مسلحة، أو فى حالة وقوع كوارث طبيعية تستدعى ذلك، وحماية وتأمين خطوط المواصلات البحرية والبرية والجوية بغرض صيانة الأمن القومى العربى، ومكافحة أعمال القرصنة والإرهاب، وعمليات البحث والإنقاذ، وأى مهام أخرى يقررها مجلس الدفاع.
والتوقف عند آلية اتخاذ قرار الاستعانة بالقوة المشتركة يوضح مدى حوكمة عملها، حيث تقدم الدولة الطرف التى تتعرض لأى تهديد طلب الاستعانة بالقوة إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية، لإبلاغ قادة الدول الأطراف بهذا الطلب، ثم يتولى عرضه على مجلس الدفاع لاتخاذ القرار اللازم، ويحدد مجلس الدفاع الفترة الزمنية المطلوبة للاستجابة لطلب الاستعانة بالقوة، وإذا تعذر لأى سبب على دولة طرف تتعرض لتهديد التقدم بطلب الاستعانة بالقوة، يبادر الأمين العام بإبلاغ قادة الدول الأطراف بالأوضاع فى هذه الدولة، ثم يُعرض الأمر على مجلس الدفاع لاتخاذ ما يراه مناسبًا، ومن دون الغوص فى تفاصيل كثيرة، وجوانب غزيرة مثل تشكيل القوة العربية المشتركة، ومجلس دفاعها، ومجلس رؤساء أركان الدول المشاركة، والقيادة الميدانية، فضلاً عن الأحكام الختامية فى البروتوكول، يبدو أن المشروع متكامل، والاستراتيجية وافية، وخطة العمل شاملة، ولا تنقصها إلا الإرادة السياسية لدى الزعماء العرب، والتعلم من أخطاء الماضى، خصوصا أن الشعوب العربية من المحيط للخليج على قلب رجل واحد فى دعم هذه الخطوة الحتمية، والفريضة الواجبة، والأحداث المتتالية تؤكد ضرورة هذا المسار لصالح الأمن القومى للأمة، والتعجيل بتشكيل الناتو العربى.
وهنا أجدنى مدفوعًا أيضًا للتذكير بأن الشعوب العربية راودها الأمل فى إعادة إحياء الدعوة المصرية بتدشين القوة العربية المشتركة بعد الهجوم الإسرائيلى على الدوحة فى 9 سبتمبر 2025 لاستهداف مقر إقامة أعضاء وفد حركة حماس أثناء المفاوضات للوصول إلى هدنة فى حرب غزة تمهيدا لوقف إطلاق النار برعاية مصرية وقطرية وأمريكية، وكعادة دولة الاحتلال وحليفتها واشنطن تجلس على مائدة المفاوضات للتمويه على مخططاتها الخبيثة فى الاعتداء على سيادة الدول، ثم عادت بقوة مؤخرا المطالبات من المواطنين العرب عبر السوشيال ميديا من أجل دفع الرؤساء والملوك والأمراء العرب لاتخاذ القرار الصائب وإعلان دخول القوة العربية المشتركة حيز التنفيذ بلا إبطاء، فها هى العواصم العربية من دبى إلى الرياض مرورًا بالدوحة والكويت وصولاً إلى المنامة ومسقط وعمان فى مرمى نيران الضربات الإيرانية على أراضيها بعد الهجمات الإسرائيلية الأمريكية على إيران واغتيال قادتها وفى مقدمتهم على خامنئى المرشد الأعلى، وفشلت القواعد الأمريكية المنتشرة فى أراضى هذه الدول على صدّ الصواريخ والمسيّرات الإيرانية رغم الفواتير الباهظة التى تحصل عليها الإدارات الأمريكية المتعاقبة لتأمين وحماية سيادة تلك العواصم، ويزداد الموقف خطورة مع تواصل الضربات بين الطرفين، فى حين يدفع المواطن العربى الثمن من أمنه ومقدراته الاقتصادية، ولا أحد يستطيع أن يتوقع نهاية هذه الحرب أو يحدد خسائرها وتوابعها، فالحروب كالمعارك عندما تنطلق ساعة الصفر لها يصعب التنبؤ بنهايتها.
الجيش العربى لم يعد رفاهية، ولا مجرد مقترح يحتمل التأجيل، بل الواقع الحالى يجزم بأنه بات ركنًا وجوبيًّا، وأمرًا حتميًّا، وضرورة لا مفر منها، وعلى جامعة الدول العربية أن تسارع بحشد التأييد لطرح الرئيس السيسى منذ 2015، فقد قرأ المشهد قبل الجميع، وتنبه للخطر قبل الأوان، وقدم الحل مبكرا، ولأن المقترح واقعى، ويجسد الحل لكل أزمات الأمن القومى العربى؛ اعتمدت القمة العربية وقتها قرارًا تفصيليًّا لإنشاء القوة العربية المشتركة، وما زال صدى عبارات الرئيس السيسى تتردد فى الآذان، ومنها «علينا التفكير بعمق وبثقة فى النفس فى كيفية الاستعداد للتعامل مع تلك المستجدات من خلال تأسيس قوة عربية مشتركة».. إن «أمتنا» لم تمر بمثل الأخطار التى تعايشها اليوم، وأنه لا مناص من توحيد الجهود لمواجهتها، ولا بدّ من أدوات للعمل العربى العسكرى المشترك للتغلب عليها.. من الضرورى ردع مساعى الأطراف الأخرى للمساس بسيادة الدول العربية الشقيقة وحياة مواطنيها».
ومن المعلوم بالضرورة، أن مؤشر الخطر واصل الصعود، وتكالبت القوى المختلفة على مقدرات الشعوب العربية، وتعرضت سيادة البلدان للانتهاكات والعدوان من سوريا إلى لبنان، ومن اليمن إلى السودان، ومن العراق إلى ليبيا، ثم زادت الوتيرة خلال حرب غزة، وما أسفرت عنه الحسابات الخاطئة لحركة حماس بدعم إيرانى فى أحداث 7 أكتوبر 2023، ثم كانت الطامة الكبرى فى الحرب الإيرانية، فالطائرات والصواريخ الإسرائيلية والأمريكية اخترقت أجواء بعض العواصم العربية خلال الهجمات على إيران، وكررت طهران نفس الخطيئة بضرب أراضى الدول الخليجية عندما استهدفت القواعد الأمريكية والسفارات الإسرائيلية، وهناك مسيّرات وصواريخ عديدة ضلَّت طريقها وأصابت المدنيين والمؤسسات العربية، رغم أن هذه العواصم تدعو إلى وقف الحرب وتتوسط لإقرار السلام بين الأطراف المتحاربة.
ومن وحى حرب إيران التى لا يعلم مداها إلا الله، لأن أى تصعيد إضافى يمكن أن يُترجم فى اتساع رقعة الصراع، وانتقال شرارة الحرب كالقطط المشتعلة إلى دول الجوار كما حدث فعلا فى جنوب لبنان واليمن والعراق، يصبح «الناتو العربى» فريضة واجبة للتحرك على عدة مسارات، الأول: التصدى بشكل جماعى لأى طرف يحاول العبث بالأمن العربى، وإجباره على عدم ممارسة مقامراته العسكرية عبر الأراضى العربية، وثانيًا: محاصرة بعض الأذرع التابعة لأى دولة أو قوى للزجّ بالأوطان العربية فى معارك لا ناقة لها ولا جمل فيها، وثالثا: مواجهة التنظيمات المتطرفة التى تتربص بالعواصم العربية، وتريد أن تحول أراضيها إلى بؤر إرهابية ونشر الفوضى والدمار بها، وضمانات نجاح هذه القوة المشتركة عديدة، سواء فى القدرات العسكرية أو الطاقات البشرية أو الإمكانات التمويلية، ولا ينقصنا إلا حسن النوايا وقوة الإرادة.
وتبقى كلمة أهمس بها فى أذن كل مواطن، الدولة المصرية على مدار أكثر من 12 عاما اتخذت خطوات قوية فى تعزيز قدراتها الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية، واستشرفت حجم الخطورة التى تحيق بالمنطقة، وهو ما أكده الرئيس السيسى فى حفل الإفطار السنوى للقوات المسلحة بثقة: «مفيش أى نوع من القلق، وعندنا كافة الاحتياطات الكافية، لكن الأزمة ستكون لها تأثيرات اقتصادية، اطمئنوا على مصر كويس ومحدش يقدر يقرب من البلد دى بفضل الله»، وتحصنوا بالاصطفاف الوطنى والوقوف فى ظهر الوطن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا فى مواجهة أية شائعات مصنوعة أو مخططات مدبرة من أهل الشر ومَن لفّ لفّهم الخبيث.
حمى الله مصر وشعبها وقيادتها
ومؤسساتها الوطنية من كل سوء