رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

فاتـــورة الحـــرب


5-3-2026 | 14:59

فاتـــورة الحـــرب

طباعة
بقلم: د. عبد المنعم السيد

لا شك أن اندلاع حرب فى إيران لن يكون حدثًا إقليميًا محدود التأثير، بل أزمة اقتصادية إقليمية متعددة الأبعاد. وستتفاوت الخسائر بين الدول وفق درجة انكشافها على أسواق الطاقة والتجارة الدولية، وأيضا يتوقف الأمر على المدة الزمنية للحرب، إلا أن المؤكد أن المنطقة بأكملها ستدفع ثمنًا اقتصاديًا باهظًا. ومن ثم، فإن تجنب التصعيد العسكرى الحالى وإيقاف الحرب واللجوء إلى الحلول الدبلوماسية يظل الخيار الأقل كلفة والأكثر استدامة للحفاظ على استقرار الاقتصاد الإقليمى والعالمى. ولا شك أن الحرب «إذا طال أمدها» لن تكون مجرد حدث عسكرى، بل صدمة اقتصادية متعددة الأبعاد.

 

كما أن تأثير الحرب لن يتوقف عند أسواق الطاقة فقط، بل سيمتد بقوة إلى أسواق الغذاء العالمية، خاصة أن المنطقة المتأثرة تمثل شريانًا رئيسيًا لحركة التجارة الدولية. فمع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وتعطل بعض الممرات البحرية، سترتفع تكلفة استيراد الحبوب والزيوت والسكر والأعلاف. والدول المستوردة الصافية للغذاء، ومنها مصر، ستكون الأكثر تأثرًا؛ إذ إن أى زيادة فى أسعار القمح أو الذرة أو الزيوت عالميًا ستنعكس مباشرة على فاتورة الاستيراد وعلى مخصصات الدعم فى الموازنة العامة. كما أن ارتفاع أسعار الطاقة يؤدى تلقائيًا إلى زيادة تكلفة الإنتاج الزراعى عالميًا (الأسمدة – النقل – الري)، ما يخلق موجة تضخمية غذائية مركبة، تجمع بين صدمة العرض وارتفاع تكاليف الإنتاج.

وفى حال اتساع نطاق الحرب وتعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز أو باب المندب، فإن الأسواق قد تشهد ما يُعرف بـ»مخاطر الندرة المؤقتة»، حيث لا يكون العجز الفعلى فى المعروض كبيرًا، لكن حالة الذعر تدفع التجار والمستوردين إلى تكوين مخزونات احترازية، ما يضغط على الأسعار بصورة إضافية. وهذا السلوك الاحترازى قد يؤدى إلى ارتفاعات تفوق المبررات الأساسية للسوق، وهو ما شهدناه فى أزمات سابقة عندما تحولت المخاوف الجيوسياسية إلى موجات مضاربة غذائية.

أما فى سوق النفط، فالمسألة لا تتعلق فقط بسعر البرميل، بل بهيكل السوق ذاته. ففى حال تجاوز الأسعار حاجز 100 دولار لفترة ممتدة، فإن ذلك سيؤدى إلى إعادة تسعير عالمى لمعادلة النمو والتضخم. الدول الصناعية الكبرى ستواجه معادلة صعبة بين احتواء التضخم والحفاظ على معدلات النمو، وقد تضطر بعض البنوك المركزية إلى تأجيل خفض أسعار الفائدة، وهو ما يعنى استمرار تشديد الأوضاع المالية عالميًا. ومع ارتفاع تكلفة التمويل عالميًا، ستزداد الضغوط على الاقتصادات الناشئة ذات المديونية المرتفعة.

وفيما يتعلق بالذهب، فمن المتوقع أن يتحول إلى المستفيد الأكبر من حالة عدم اليقين. فالذهب تاريخيًا يُسعَّر وفق ثلاثة محركات رئيسية: التضخم، والمخاطر الجيوسياسية، واتجاهات السياسة النقدية. ومع اندلاع الحرب، تجتمع العوامل الثلاثة معًا؛ فارتفاع النفط يولد تضخمًا، واتساع نطاق العمليات العسكرية يزيد من حالة القلق، وأى تحول فى سياسات الفائدة يدفع المستثمرين لإعادة توزيع محافظهم الاستثمارية نحو الأصول الآمنة. لذلك قد نشهد موجة صعود قوية فى أسعار الذهب تتجاوز مستويات تاريخية، ليس فقط بسبب الحرب ذاتها، بل بسبب «تسعير الخوف» فى الأسواق العالمية.

كما أن الدولار الأمريكى قد يشهد قوة مؤقتة باعتباره عملة ملاذ آمن، ما يضغط على عملات الأسواق الناشئة ويزيد من كلفة الواردات المقومة بالدولار. وهذا يعنى أن الدول التى تعتمد على الاستيراد الكثيف للسلع الأساسية ستواجه ضغوطًا مزدوجة: ارتفاع الأسعار العالمية، وارتفاع سعر صرف الدولار.

ومن زاوية أخرى، فإن استمرار الحرب قد يعيد تشكيل خريطة تدفقات الاستثمار العالمية. فالشركات متعددة الجنسيات قد تعيد تقييم سلاسل الإمداد الخاصة بها، وتبحث عن مناطق أكثر استقرارًا لإعادة التمركز الصناعى. وهنا تبرز فرصة استراتيجية لمصر، إذا نجحت فى تقديم نفسها كمركز إقليمى آمن للتصنيع والخدمات اللوجستية، خاصة مع موقعها الجغرافى وقدرتها على توفير بدائل للممرات المتوترة.

أما على صعيد الأمن الغذائى المصرى، فالأولوية ستكون لتعزيز المخزون الاستراتيجى من السلع الأساسية، وتوسيع برامج التعاقدات الآجلة لتثبيت الأسعار، مع الإسراع فى خطط زيادة الإنتاج المحلى وتقليل الاعتماد على الواردات. كما أن إدارة سوق الصرف بمرونة وحذر ستظل عنصرًا حاسمًا فى امتصاص أى صدمات خارجية.

وإذا طالت الحرب واتسع نطاقها، فقد نشهد موجة ركود تضخمى عالمى (Stagflation)، وهى أخطر السيناريوهات الاقتصادية، حيث يتباطأ النمو مع استمرار التضخم المرتفع. فى هذا السيناريو، ستنخفض التجارة العالمية، وتتراجع تحويلات العاملين بالخارج فى بعض الدول المتأثرة، وقد تتباطأ الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ما يخلق بيئة اقتصادية عالمية شديدة التعقيد.

وفى المقابل، فإن انتهاء الحرب سريعًا أو احتواءها إقليميًا سيحدّ من الخسائر ويمنع تحولها إلى أزمة هيكلية طويلة الأمد. فالأسواق بطبيعتها تبالغ فى رد الفعل فى المراحل الأولى، لكنها تعود لإعادة التوازن بمجرد وضوح الرؤية.

وعليه، فإن المشهد الاقتصادى القادم سيتحدد وفق مدة الحرب وحدودها الجغرافية. فكلما طال أمد الصراع، زادت احتمالات تحول الصدمة إلى أزمة ممتدة. وكلما تم احتواؤه سريعًا، بقى التأثير فى إطار اضطراب مؤقت يمكن للأسواق امتصاصه.

ومن ثم، فإن التحدى الحقيقى أمام مصر ليس فقط فى امتصاص الصدمة قصيرة الأجل، بل فى تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة هيكلة أولويات الاقتصاد وتقليل خضوعه للصدمات الخارجية.

ومن المؤكد أن إدارة المرحلة الحالية فى مصر تتطلب:

• انضباطًا ماليًا مرنًا

• سياسة نقدية يقظة

• تحركًا دبلوماسيًا نشطًا

• ورسالة ثقة واضحة للأسواق والمستثمرين

فالتكلفة الاقتصادية للحرب لا تُقاس فقط بأسعار النفط، بل بمدى قدرة الدول على إدارة المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات هيكلية

أخبار الساعة