رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

حكايات من دفتر المواطنة الشعبية (4) «كنا رجالة ووقفنا وقفة رجالة»


5-3-2026 | 15:00

.

طباعة
بقلـم: حمدى رزق

مذهل أداء الفنان الراحل «محمود المليجي»، حوَّل مشهدًا من فيلم (الأرض) إلى شهادة حية على صمود ورجولة فلاحى مصر.. وأراه ينسحب على فلاحى المنوفية، وكأنه يخاطبهم هم دون سواهم.. «كنا رجالة ووقفنا وقفة رجالة».

 

 

ظُلمت المنوفية فى كل العصور، حتى فى العصر الرقمي، وفى الفضاء الإلكترونى تراهم يفسفسون على الفيس، ويغردون كالبوم على شجر تويتر (إكس)، بئس ما ينشرون، ويغالون نكاية فى المنايفة، يمسخون ويشيرون كلامًا ماسخًا، خلاصته أن شرطًا من شروط الأهلية للمناصب فى مصر أن تكون منوفيًا، وإذا لم تكن منوفيًا سيفوتك الدور، والمنوفية مصنع الرؤساء، وتتوالى التعليقات ساخرة حاسدة للمنوفية.

ويسخرون: المنوفى يولد موظفًا، فإن فلح صار وزيرًا، ويقال إن الوزارة فى المنوفية بالدور، وأخيرًا المنوفى لا يلوفي، ولو أكلوه لحم الكتوفي.

والمنوفى مخلوق ميري، جاهزية وطنية يحسدون المنايفة عليها، المنوفية تلبى النداء، وشبابها تحت الطلب، وقوام المتطوعين حبًا فى الدفاع عن العلم من رجال المنوفية، وحط المنوفى فى النار يفوت فى الحديد، ويأكل القديد، وصابر وقانع.

لماذا يتبوأ المنوفى هذه المكانة؟

يسخرون، لأنه يصحو باكرًا قبل العصفور، ويؤدى الفروض، فروض السماء وفروض الوطن، لا يشكو إلا إلى ربه، ولا يضيق من ضيق أرضه، يزرع القيراطين، ويعلم الواد والبنتين.

منذ تأسيس «جمعية المساعى المشكورة» بجهود منوفية مشكورة، والمنايفة يمموا وجوههم نحو التعليم، لا يلوون على شيء.

معلوم: الفلاحة مناحة، والتعليم باب مفتوح للرزق الحلال، الأمية فى المنوفية عيب وعار وشنار.

المنايفة مفطورون على التعليم بنين وبنات، والبنت فى المنوفية زى الولد مش كمالة عدد، والفلاح المنوفى شاطر، يضرب الأرض ينبت الزرع، ويحب فى القراءة الرشيدة درس «زرع.. حصد»، يعلم ماهية الزرع ومعنى الحصاد، وعرق البنات يروى حقول القطن، وفرح العروس يوم الحصاد، والفطير المشلتت بنار الفرن، صنعة إيديا وحياة عينيا، وعين المنوفى تطل من فتحة الرحم الطيب على الكتاب، يحفظون القرآن، ويتلونه حق تلاوته.

المنوفية ليست استثناءً من أرض مصر الطيبة، وفيها شيء من طيبة النوبة، وقبس من جلد الصعيد، ونصاحة أهل البندر، تتجمع الصفات الطيبة مع مسّ من إمساك حميد، لا تسرفوا، ما كان المنايفة من المسرفين، ليس فيهم غلظة البادية، هم قوم متحضرون، وليس فيهم جاهلية، لا تشيع فيهم دعوات المرجفين فى الدين، ولا المتخرصين على الرحمة المهداة «صلى الله عليه وسلم».

المنايفة يستعينون على قسوة الجغرافيا التى قترت عليهم، تتمدد المنوفية تتلوى بين المحافظات التى تجاور النهر، تغتسل فيه من آثام المدينة، كشجرة توت عتيقة تراوحها الرياح من أعطاف القليوبية، والغربية، والبحيرة، وتنفتح على القاهرة، تيمم وجهها كل صباح نحو العاصمة، أبعد مركز عن القاهرة فركة كعب أقل من مائة كيلومتر، المنوفية تهاجر فجرًا إلى القاهرة، وتعود فى المساء، كالطير يغدو خماصًا ويعود بطانًا.

تراهم قاهريين (لكنة)، لا تفرق بينهم (لباسًا)، يلبسون كالأفندية، لا يعانون من مظلومية، ولا تتفشى بينهم شيفونية، هم مصريون، تجرى فى عروقهم مياه النيل، يقدسون النيل، فيه رزقهم وما يوعدون.

أرض المنوفية «سمراء» تسر الناظرين، ويسجل الفلاح المنوفى آيات فى الزراعة، وريث قدماء المصريين، فى برد الشتاء يغرز فى الطين، ويدوّر (الطنبور) يبل ريق الأرض العطشانة، ويقف زنهارا وراء المحراث يحرث الأرض، ويبذر الحب، طالبًا البركة من رب العالمين.

يحلم المنوفى بوظيفة ميري، الأرض ضيقة لا تسد رمق العيال، الأرض فى المنوفية لا تقاس بالفدان بل بالقصبة، عائلات منوفية مستورة تزرع فى قصبات أقل من قيراط، لا يقنطون، يسعون للرزق، وأرض الله واسعة.

احتمالهم مضرب الأمثال، ورشدهم مضرب الأمثال، لكنهم على العهد، وعلى تعليم أولادهم قائمون، التعليم فى المنوفية كالماء والهواء، المنوفى دءوب، ملتزم، لا يتعجل الرزق، يبذر الحب، ولا يمل من الصبر، والصبر مفتاح الفرج.

جغرافيًا تقع محافظة المنوفية على بعد 82 كيلومترًا من القاهرة، ومن داخل مساحة 2543 كم مربعًا، ومن بين 3,270,404 مواطنين، تخرج من بينهم ثلة من الرؤساء ورؤساء الوزراء والوزراء، لتتحصل المنوفية على لقب «محافظة الرؤساء»، لا يأبه المنايفة كثيرًا لدعايات إخوانية مضادة من عينة «عبيد البيادة»، عصية المنوفية على إخوان السمع والطاعة، وضربت مثلًا فى إسقاط «حكم المرشد».

نفر من الإخوان المستهزئين على مواقع التواصل الاجتماعي، نسجوا على المنوال القميء الكثير، قالوا كذبًا: «المنوفية فلول»، لأنهم منضبطون على البوصلة الوطنية، حسبان المنوفية من جانب نفر من النشطاء المرجفين (فلولًا) ظلم أهلها وأورثهم ضيقًا، وخلف فى نفوس بعضهم البغضاء، وفى حلوقهم المرارة.

لم يُقبّل المنايفة الأيدى يومًا سمعًا وطاعة، لا يُلام منوفى قال «نعم» للجيش فى وجه منْ قالوا «يسقط يسقط حكم العسكر»، المنايفة كانوا رجالة، ووقفوا فى وجه عصابة المرشد وقفة رجالة، المنايفة أبوا أن يُقادوا قطيعًا إلى بئر الجماعة، المنايفة لم يُقبّلوا يد المرشد خلسة ولا وراء ستار، ولا تتفشى فيهم قاعدة السمع والطاعة، المنايفة متعلمون، يعرفون جيدًا الطريق، ولا يلوون على شيء يعتقدون.

المنايفة أحرار فيمن يحبونه، القلب وما يريد، المنايفة لا تتفشى فيهم العصبية الدينية ولا القبلية ولا الجهوية، لا ينظرون إلى رئيسهم على أنه منوفي، أى أولى بالرعاية والتأييد، عبد الناصر كان صعيديًا، وتوفى والدى وهو يحبه، وأمى ودعته إلى المقابر، ولا يزال شارع الجمهورية، التى أسسها عبد الناصر، يشق قلب مدنها الرئيسية (منوف مثلًا).

وعشقوا السادات لأنه قال بالمصرية التى يعشقون، المنايفة لهم مقاييس فى الرئيس، يرونه رئيسًا لكل المصريين، ليس رئيسًا لجماعة من المصريين.

بلد شهادات بصحيح، ولكن إهانة المنوفية فى زمن الإخوان كانت سببًا كافيًا لينهض المنايفة من سباتهم، يعاقبون منْ أهانهم، وهم على الهم صابرون، وعلى السخرية غير مبالين، وعلى التجاوز متسامحون، ولكن الفظاظة التى تترى سخرية من المنايفة تورثهم ضيقًا، «جماعة الفيس بوك» لا تعرف المنوفية جيدًا، تحفظ نكاتًا ساخرة، ولم تقرأ فى كتاب القراءة الرشيدة، فصل المنوفية، وعنوانه «كنا رجالة ووقفنا وقفة رجالة».

 
 
 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة