مسلسل «صحاب الأرض» يعيد تعريف البطولة، فالطبيبة المصرية التي تؤدي واجبها تقوم بعمل بطولي، والشاب الفلسطيني الذي يحاول إنقاذ أسرته يقوم بعمل فوق البطولة، والسائق الذي يتحمل صعاب الطريق لتوصيل الإعاقات الإنسانية يقوم بعملية انتحارية حرفيًا.
هذه البطولة الإنسانية من أشخاص طبيعيين ليسوا وهميين ولا مختبئين، قدمت وجبة جديدة أعادت تعريف البطولة لدى المشاهدين بصورة غير مباشرة. منذ اللحظة الأولى لعرض المسلسل، بدا واضحًا أن العمل لا يقدّم دراما تقليدية، ولا يكتفي بالبكاء على الأطلال أو استدرار العواطف، بل يضع إصبعه مباشرة على الجرح الفلسطيني؛ ذلك الجرح المفتوح الذي طالما جرى الاتجار به سياسيًا وإعلاميًا من قبل جماعة الإخوان الإرهابية، التي احترفت استثمار الدم والدموع، وجعلت من القضية الفلسطينية سلعةً لا قضية إنسانية تستحق الإنقاذ.
يأتي هذا العمل الدرامي في جوهره ليعيد للفلسطينيين قصتهم الحقيقية: قصة الإنسان، لا الشعار؛ قصة المعاناة اليومية تحت القصف والحصار، لا خطابات المنصات والبيانات الجاهزة. فالفلسطيني في «صحاب الأرض» ليس رقمًا في نشرة أخبار، ولا صورة عابرة في تقرير دعائي، بل إنسان مسحوق تحت القصف، محاصر بين الموت والجوع، يبحث عن فرصة نجاة، أو لحظة أمان، أو يد تمتد إليه لا لترفع لافتة التنديد بموته، بل تمتد لإنقاذ حياته.
لقد ضاعت قصة هذا الفلسطيني طويلًا وسط ضجيج الأخبار التي تصدرها جماعة الإخوان الإرهابية، أخبار لا ترى في معاناة الناس ولا في مأساتهم سوى مادة تخدم التنظيم، وتغذّي فروعه، وتبرّر بقاءه لاعبًا سياسيًا يسعى بمكاسب انتخابية ولو على دماء الأبرياء الفلسطينيين، فكم انشغل الرأي العام بمحاولات الإرهابية إغلاق السفارات المصرية في أوروبا، بدلاً من أن نوجه أنظارهم للجرائم التي يرتكبها الكيان ضد الفلسطينيين.
فالفلسطيني الذي يحمل طفله المصاب، أو يودّع ابنه القتيل، لا يبحث عن شعارات رنانة، ولا يحتاج إلى خطب حماسية، ولا يعنيه من يزايد باسمه على الشاشات. هو لا يريد تجارةً بآلامه، بل يريد من يحمل همّه، ويقف إلى جواره، ويقدّم له دواءً، أو مأوى، أو يضغط دوليًا على الاحتلال ليفتح المعابر أمام قوافل الإغاثة، أو على الأقل يحاول صادقًا لإنقاذ حياته.
سر الرعب من العمل الفني
وهنا تحديدًا يكمن سرّ الرعب من «صحاب الأرض» لأنه يجرّد المتاجرين بالقضية من أقنعتهم، ويعيد تعريف الصراع بوصفه صراعًا على الإنسان قبل الأرض، وعلى الحياة قبل الشعارات. إنه عمل يفضح الفجوة الهائلة بين من يتاجرون بالمأساة، والدولة المصرية التي تعمل بصمت ومسؤولية لصالح القضية، ولذلك لم يكن غريبًا أن يثير هذا المسلسل غضب الإخوان، ولا أن يتقاطع هذا الغضب مع انزعاج إسرائيلي يرى في أي سرد إنساني حقيقي خطرًا على روايته.
إن الرعب الحقيقي الذي أحدثه «صحاب الأرض» لا يكمن في مشهد أو حوار، بل في كونه أعاد للوعي العربي سؤالًا بسيطًا وخطيرًا في آن واحد: من الذي يقف فعلًا مع الفلسطيني الإنسان؟ ومن الذي اكتفى طويلًا بالهتاف فوق جراحه؟
لم يكن مصادفةً أن يتزامن هجوم جماعة الإخوان الإرهابية مع هجوم صحف إسرائيلية على المسلسل. فالإخوان، وإن أعلنوا عداءهم لإسرائيل قولًا، فإنهم يخدمونها فعلًا؛ فقد تقاطعت مصالح الطرفين بصورة مكشوفة خلال العدوان الأخير على غزة.
إسرائيل سعت إلى الهروب من المساءلة الدولية عن جرائمها الإنسانية، وإلى تحميل مصر تبعات لا علاقة لها بها، بينما أرادت الجماعة الإرهابية استغلال أي حدث لتكريس خطابها القديم الذي يتهم مصر بالعداء للإسلام والمسلمين. وبين الهروب الإسرائيلي والمزايدة الإخوانية، جرى الترويج لأكاذيب متكررة، أعيد تدويرها بلا خجل. في هذا السياق، جاء المسلسل لينسف روايتين طالما تم الترويج لهما:
رواية الاحتلال التي تحاول تجريد الفلسطيني من إنسانيته، وتحويله إلى رقم أو تهديد مجرد، ورواية الإخوان التي تصادر القضية، وتختزلها في لافتة تنظيمية، أو تتخذها ذريعة دائمة للهجوم على الدولة المصرية، وتشويه أي دور إنساني حقيقي تقوم به.
يهاجم الإخوان المسلسل لأنه يعرّيهم
يهاجم الإخوان «صحاب الأرض» لأنه يجرّدهم من أخطر أسلحتهم: الادعاء بأنهم الفئة الوحيدة التي تناصر القضية، فالعمل لا يقدّم الجماعة كمنقذ، ولا يمنحها بطولة زائفة، ولا يمرّر خطاب «نحن وحدنا من يقاوم». على العكس، يضع الفلسطيني في قلب المشهد بوصفه إنسانًا له حق الحياة، لا وقودًا للشعارات، ويُظهر دعم الدولة المصرية باعتباره فعلًا إنسانيًا وسياديًا نابعًا من مسؤولية تاريخية، لا دعاية ولا منّة، وهذا وحده كافٍ لإرباك جماعة بنت سرديتها طوال عقود على شيطنة الدولة، واحتكار التعاطف، وتحويل المأساة إلى مادة تعبئة سياسية.
الإخوان لا يحتملون دراما تقول إن فلسطين شعب قد يقبل الإخوان في وقت ما وقد يرفضها في أوقات أخرى، يخافون من عمل يذكّر الناس بأن هناك شعبًا يعيش تحت الحصار ولا يمكن اختزاله في قيادات حماس ولا في عناصر حماس، يخافون أن يدرك المشاهد العربي الحقيقة التي تقول أن الضجيج ليس مقاومة، وأن المزايدة لا تنقذ طفلًا من تحت الركام.
يخاف الإخوان من انتشار حقائق أساسية يطرحها المسلسل منها أن الدولة المصرية ليست عدوًا للقضية الفلسطينية، فلدور المصري الإنساني والسياسي امتدادًا طبيعيًا لمسؤولية تاريخية ثابتة، هذه الحقيقة وحدها تقوّض خطاب الجماعة القائم على تصوير الدولة كعدو دائم، حتى حين تمد يد العون للمنكوبين.
الإخوان وإسرائيل يد واحدة ضد المسلسل
لقد فضح «صحاب الأرض» تحالفًا غير معلن، لكنه واضح المعالم بين الإخوان وإسرائيل يلتقيان عند نقطة واحدة، منع هذا النوع من الدراما من الوصول إلى الناس.
الإسرائيليون يكرهون أي عمل يُظهر الفلسطيني ضحية حقيقية، لا رقمًا في نشرة الأخبار. والإخوان يكرهون أي عمل يُظهر الفلسطيني خارج عباءتهم التنظيمية. الاحتلال يريد فلسطينيًا بلا إنسانية، والإخوان يريدونه بلا استقلال عن خطابهم. كلاهما يرى في المسلسل خطرًا؛ لأنه يحرّر الوعي من الابتزاز.
الهجوم المنسّق، سواء عبر منصات الإخوان أو عبر دوائر إسرائيلية، يستهدف التشكيك، ثم التشويه، ثم الإقصاء. اتهامات جاهزة: «تطبيع»، «تلميع دولة»، «تشويه مقاومة». عناوين صاخبة تخفي فراغًا أخلاقيًا وفكريًا. فلو كان العمل ضعيفًا، لما خافوا منه. ولو كان كاذبًا، لما استحق هذا الهلع، وحين يلتقي الإخوان مع الإسرائيليين على كراهية عمل فني، فاعلم أن العمل أصاب الحقيقة في مقتل، وأن الكاميرا حين تقول الصدق تصبح أخطر من ألف خطاب.
